ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 22 يناير 2026 11:17 مساءً - أكد المهندس سعيد محمد السويدي، نائب رئيس مجلس منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» الممثل الدائم للإمارات لدى المنظمة، أن الدولة تلعب دوراً استراتيجياً فاعلاً في صياغة مستقبل الطيران المدني العالمي، حيث انتقلت بمكانتها من «مركز عالمي للربط الجوي» إلى «محرك رئيس لصنع القرار» داخل أروقة «إيكاو»، عبر طرح حلول مبتكرة للتحديات العالمية التي تواجه صناعة النقل الجوي.
وقال في حوار مع «حال الخليج» إن الحضور الفاعل للإمارات واحتلالها موقعاً قيادياً في المنظمة يأتي تتويجاً لمسار طويل من الاستثمار في البنية التحتية، والتحول الرقمي، وبناء الأطر التنظيمية المتقدمة، ما أكسبها وزناً نوعياً داخل المنظمة الأممية الأبرز في صناعة الطيران.
وأضاف أن انتخاب الإمارات في مواقع صنع القرار الجوي العالمي يعكس بداية تحول التجربة الإماراتية من نموذج تشغيلي ناجح إلى مرجعية دولية تسهم في صياغة سياسات النقل الجوي واقتصاداته المستقبلية. وفي ما يلي نص الحوار:
ما أهمية انتخابكم نائباً لرئيس مجلس إيكاو لصورة الإمارات دولياً؟
انتخابي نائباً لرئيس مجلس منظمة الطيران المدني الدولي هو في المقام الأول تقدير لدور الإمارات ومكانتها في مجتمع الطيران العالمي، قبل أن يكون تقديراً شخصياً، فهو يعكس الثقة التي تحظى بها الإمارات لدى الدول الأعضاء، ويؤكد أن تجربتها في تطوير قطاع الطيران باتت نموذجاً يسترشد به عند صياغة السياسات الدولية.
كما أن هذا المنصب يرسخ صورة الإمارات دولة مبادرة ومسؤولة تشارك بقوة في تشكيل مستقبل الطيران المدني، وليس فقط الاستفادة منه. وهو ينسجم مع رؤية قيادتنا الرشيدة بأن تكون الإمارات شريكاً أساسياً في المنظمات الدولية، تسهم في إيجاد الحلول للتحديات العالمية بقطاع الطيران، وتدعم الدول النامية في تعزيز قدراتها وبناء منظومات طيران آمنة ومستدامة.
من هذا المنطلق، يشكل هذا الانتخاب أمانة ومسؤولية مزدوجة: مسؤولية تمثيل مجلس «إيكاو» بكل توازن وحيادية، ومسؤولية عكس صورة الإمارات القائمة على التعاون وبناء الجسور بين الدول والمناطق المختلفة.
ما أهم الملفات التي تعمل الإمارات على دفعها من خلال منصبكم الجديد؟
من خلال هذا المنصب، تعمل الإمارات على دعم عدة ملفات رئيسة، وفي مقدمتها: تعزيز سلامة الطيران وأمنه، ودعم التحول الرقمي في المنظومة الرقابية، وتبني استخدامات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة بما يرفع كفاءة الإشراف والسلامة، إضافة إلى ملف الاستدامة وتقليل الانبعاثات، ودعم الدول النامية لبناء القدرات وفق مبدأ «عدم ترك أحد خلف الركب».
كما تعمل على دعم مبادرات تعالج التحديات المستقبلية للقطاع، مثل نقص الكفاءات والكوادر الفنية، وإدارة الحركة الجوية العابرة للأقاليم، ودمج التقنيات الجديدة مثل الطائرات دون طيار والتنقل الجوي المتقدّم ضمن إطار دولي منظم ومتوازن.
أما مكانة الإمارات اليوم داخل «إيكاو»، فهي ثمرة عقود من العمل المتواصل منذ الانضمام للمنظمة. الإمارات أصبحت عضواً فاعلاً في المجلس، حاضرة في اللجان الفنية، ومستضيفة لعدد كبير من الفعاليات والاجتماعات الدولية، كما أنها ضمن الدول التي يستمع لرأيها عند مناقشة القضايا الاستراتيجية. يمكن القول بثقة إن الإمارات أصبحت شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل الطيران المدني على مستوى العالم.
كيف تسهم الإمارات في صياغة سياسات الطيران الدولي؟ وما أبرز إنجازات البعثة الدائمة خلال السنوات الأخيرة؟
تسهم الإمارات في صياغة سياسات الطيران الدولي من خلال ثلاث مسارات متكاملة: أولاً، المشاركة الفاعلة في مجلس «إيكاو» ولجانه الفنية وتقديم أوراق عمل ومقترحات تعالج قضايا عملية مثل السلامة وإدارة الحركة الجوية والتحول الرقمي والاستدامة. وثانياً: قيادة أو دعم مبادرات مشتركة مع دول أخرى لتطوير أطر تنظيمية جديدة تستجيب للتطور السريع في القطاع. وثالثاً: تقديم الدعم الفني وبناء القدرات عبر برامج وشراكات تساعد الدول على تطبيق معايير «إيكاو» وتحسين مستوى الالتزام.
أما البعثة الدائمة للإمارات لدى «إيكاو»، فقد حققت خلال السنوات الأخيرة عدداً من الإنجازات المهمة، من بينها: تعزيز حضور الدولة في مختلف اللجان وفرق العمل وقيادتها، والمساهمة في دفع النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، ودعم الملفات البيئية، إلى جانب حماية مكاسب الدولة داخل المنظمة وتعزيز فرص التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف في قطاع الطيران.
هناك كذلك إطلاق برنامج سفراء المسرعات العالمية بالشراكة بين حكومة الإمارات ومنظمة «إيكاو»، والهادف إلى نقل منهجية «المسرعات الحكومية» إلى المنظمات الدولية وتمكين الجيل القادم من مهنيي الطيران.
كذلك دعمت البعثة مبادرة «إطلاق التميز في الطيران: تمكين 193 امرأة» التي ركزت على تعزيز الشمولية وبناء القدرات في أقاليم «إيكاو»، وخصوصاً في آسيا والمحيط الهادئ، من خلال التدريب المتخصص في النقل الجوي وإدارة السلامة، وذلك امتداداً لنجاح دورة DGCA-APAC 2023 40 التي درّبت الكثيرين.
كما يأتي ضمن الإنجازات البارزة فوز الإمارات باستضافة فعاليات كبرى لـ«إيكاو» مثل مؤتمر الطيران المدني الدولي، والقمة العالمية لسلامة الطيران، وفعالية AAM للتنقل الجوي المتقدم، وهو ما يعكس الثقة الدولية بقدرات الإمارات وريادتها العالمية في قطاع الطيران المدني.
كيف تقيّمون تجربة الإمارات في بناء قطاع طيران متطور؟ وما عوامل نجاحها كمركز عالمي للطيران؟
تجربة الإمارات في الطيران هي قصة نجاح متكاملة بدأت برؤية قيادة استشرفت مبكراً أن الربط الجوي هو ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والانفتاح على العالم. اليوم، تمتلك الإمارات منظومة طيران تعد من الأكثر تطوراً في العالم، تشمل شركات طيران وطنية رائدة، ومطارات عالمية المستوى، وبنى تحتية متقدمة للملاحة الجوية، وإطاراً تنظيمياً يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.
وهناك عدة عوامل أساسية وراء هذا النجاح، أبرزها رؤية واضحة ودعم سياسي مستمر من القيادة الرشيدة في الإمارات لقطاع الطيران كأولوية استراتيجية. إضافة إلى الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والمطارات والخدمات المساندة. والموقع الجغرافي المحوري الذي تم استثماره بذكاء ليكون جسراً بين الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب.
ويضاف إلى هذه العوامل، سياسات الانفتاح والتنافسية التي تمثلت في اتفاقيات الأجواء المفتوحة وجذب الاستثمارات والخبرات العالمية. والتركيز على الكفاءات من خلال تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية والعمل على نقل المعرفة بشكل مستدام.
كيف يمكن للدول العربية تعزيز تمثيلها وتأثيرها داخل «إيكاو»؟ وهل هناك تنسيق مشترك؟
تعزيز التمثيل العربي داخل «إيكاو» يتطلب عملاً جماعياً منظماً يقوم على ثلاث ركائز أساسية: أولاً، توحيد المواقف قدر الإمكان تجاه الملفات الكبرى المطروحة على جدول أعمال المجلس والجمعية، حتى يكون الصوت العربي مسموعاً ومؤثراً. ثانياً، بناء القدرات الفنية في الدول العربية لتمكين خبرائها من المشاركة الفاعلة في اللجان والفرق العاملة، وليس فقط في المناصب التمثيلية. ثالثاً، دعم الكفاءات العربية للترشح للمناصب القيادية داخل المنظمة، ما يعزز الحضور العربي في مواقع صنع القرار.
وفي هذا الإطار، يوجد نظام قائم للتنسيق العربي من خلال اجتماعات المجموعة العربية في «إيكاو»، والتعاون المستمر مع المنظمة العربية للطيران المدني، حيث تناقش الملفات المطروحة ويتم تبادل الآراء حولها، كما يتم دعم بعض المبادرات والمرشحين بشكل مشترك. وبصفتي المنسّق الحالي للمجموعة العربية، أعمل على تعزيز هذه الآليات وتطويرها، بهدف جعل التنسيق أكثر استباقية وارتباطاً ببرامج عمل طويلة الأمد، وبما يحقق الأهداف المشتركة للدول العربية داخل «إيكاو».
كيف تتصورون مستقبل الطيران المدني خلال العقد المقبل مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟
الطيران المدني خلال العقد القادم سيشهد تحولات عميقة، أهمها الانتقال من إدارة تقليدية تعتمد على الخبرة البشرية فقط، إلى منظومة هجينة تجمع بين الإنسان والآلة، حيث يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً أساسياً في دعم القرار وتحسين السلامة والكفاءة.
وخلال العقد المقبل سيكون هناك استخدام أوسع للذكاء الاصطناعي وخاصة في مجالات مثل تحليل البيانات الضخمة للتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، وتحسين إدارة الحركة الجوية وتقليل التأخيرات، والصيانة التنبؤية للطائرات والمعدات، وتحسين تجربة المسافر عبر حلول رقمية مخصصة وسلسة من الحجز إلى الوصول.
إلى جانب ذلك، سيتسارع إدماج التقنيات الجديدة مثل التنقل الجوي المتقدّم والطائرات ذاتية القيادة والوقود المستدام والحلول منخفضة الانبعاثات. لكن التحدي سيكون في إيجاد أطر تنظيمية تضمن سلامة هذه التقنيات وأمنها، وتحافظ في الوقت نفسه على دور العنصر البشري، من خلال إعادة تأهيل الكوادر وبناء مهارات جديدة. وتتمثل رؤية الإمارات في أن يكون هذا التحول الرقمي والاعتماد على الذكاء الاصطناعي موجهاً بقيم السلامة والمسؤولية والاستدامة، وأن يكون فرصة لتمكين الدول النامية وليس مصدراً لفجوة رقمية جديدة.
