ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 24 أبريل 2026 12:25 صباحاً - القوى الكبرى.. توازنات المصالح بين الطاقة والقوة والسياسة
الأزمة تعيد تشكيل أنماط العمل والاستهلاك والتعليم وحتى الإحساس بالأمان الاقتصادي
هشاشة الترابط العالمي حيث يمكن لنقطة جغرافية واحدة التأثير على مليارات البشر
منذ أواخر فبراير 2026، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي أو عنواناً إخبارياً عابراً، بل تحوّل إلى مؤشر يومي لقياس توتر العالم واستقراره؛ فبين تصعيد بدأ في 28 فبراير، وهدنة أُعلنت في 8 أبريل، ثم انفراجة قصيرة مع إعادة فتح المضيق في 17 أبريل، قبل أن تتلاشى سريعاً، إثر خروقات أمنية وإغلاق جديد خلال ساعات، تشكّل مشهد شديد التقلب، تحكمه إشارات متضاربة: حصار أمريكي مستمر، تعثر في جولات التفاوض، وتصريحات تُبقي خيار القوة قائماً على الطاولة.
ومع اقتراب نهاية الهدنة في 22 أبريل، جاء إعلان تمديدها ليمنح الأسواق لحظة تفاؤل مؤقتة، انعكست في ارتفاع الأسهم وتراجع النفط وصعود الدولار والمعادن الثمينة، لكن خلف هذه الحركة بقيت الحقيقة ثابتة: أن العالم يعيش على إيقاع عدم يقين مفتوح، لا تهدئة حقيقية فيه ولا تصعيد محسوم.
الملاحة تحت الضغط.. الاقتصاد العالمي بين مخاطر التضخم واحتمالات الركود
النفط والذهب والأسهم: أسواق تتحرك على إيقاع التوتر والتهدئة
التأمين البحري عند مستويات قياسية مع اضطراب سلاسل الإمداد
من «الكعكة الصفراء» إلى «التخصيب» و«الانشطار».. مفاهيم نووية في قلب الأزمة
انعكاس مباشر
هذا التذبذب انعكس مباشرة على الأسواق، حيث تحركت أسعار النفط والمعادن والعملات والأصول الرقمية صعوداً وهبوطاً مع كل تطور. إلا أن الأثر الأعمق تجاوز الأرقام، ليصل إلى سلوك الأفراد، مع تأثر قرارات الإنفاق وتوقعات الوظائف ومخاوف التضخم، فيما تصدّرت أسعار الطاقة الضغوط المعيشية.
لم يعد المضيق مجرد ممر للطاقة، بل نقطة ارتكاز تعكس توازنات الاقتصاد والسياسة، حيث يمر عبره نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية، ونسب كبيرة من تجارة الغاز، ما يجعله مرآة لهشاشة النظام العالمي عند تقاطع الجغرافيا بالمصالح.
وتُقدَّر قيمة تجارة الطاقة العابرة للمضيق بنحو 600 مليار دولار سنوياً (1.6 مليار يومياً)، وهي قيمة تعكس التدفقات أكثر من الخسائر الفعلية، إذ قد يُعاد توجيه جزء منها، بينما تتجلى الخسائر الحقيقية في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد وتقلب الأسعار.
البعد الإنساني
ومع تصاعد التوتر، برز البعد الإنساني بوضوح، إذ تعطلت الملاحة، ووجد نحو 20 ألف بحار على قرابة ألفي سفينة أنفسهم عالقين، في مشهد يتجاوز كونه أزمة لوجستية إلى تجربة إنسانية ممتدة. خلف الأرقام، قصص انتظار وقلق لعائلات، وحياة معلّقة بين المضي والعودة، حيث أصبح الزمن يُقاس بثقل المجهول.
على اليابسة، كان الأثر أعمق وأهدأ، مع انتقال الضغط من تكاليف الشحن إلى أسعار السلع، وصولاً إلى المستهلك، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على الواردات، ما جعل الاستقرار نفسه عنصراً نادراً.
تمديد الهدنة
شكّل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء 21 أبريل الجاري، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى، نقطة تحول في قراءة الأسواق، إذ نقل التوقعات من خسائر متسارعة، إلى «خسائر مؤجلة»، تُدار فيها الأزمة على إيقاع التفاوض لا التصعيد.
ورغم التهدئة النسبية، بقيت الأسواق رهينة إشارات متضاربة، حيث لم تعد الخسائر تُقاس فقط بما يحدث، بل بما يُخشى حدوثه أو يُؤجل، في انتظار حسم لا يزال بعيداً.
وفي هذا السياق، سلطت وكالات الأنباء الأربعاء 22 أبريل، الضوء على قراءات محللين لتداعيات الأزمة ومساراتها المقبلة، في ضوء إعلان تمديد الهدنة.
قال إدوارد مير المحلل في ماريكس «مع تمديد وقف إطلاق النار، ترى الأسواق تهدئة في الأزمة. إذا انتهى وقف إطلاق النار واستؤنفت الأعمال القتالية، فسنشهد ارتفاعاً في الدولار وفي أسعار النفط والفائدة، ومن شأن ذلك أن يضغط على أسعار الذهب».
وقال بنك ستاندرد تشارترد، في مذكرة: «تظل حركة الأسعار مرهونة بأنباء وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط واحتياجات السيولة».
وتابع: «بينما نلاحظ أن الارتفاع في الآونة الأخيرة في الأسعار كان هشاً، ويواجه خطر التصحيح على المدى القصير، فإننا لا نزال نتوقع أن تتعافى أسعار (المعادن الثمينة)، وأن يختبر الذهب مجدداً على وجه الخصوص مستوياته القياسية».
وأعلن كيفن وارش المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأمريكي»، الثلاثاء، أنه لم يقطع أي وعود لترامب بشأن خفض أسعار الفائدة، محاولاً طمأنة أعضاء مجلس الشيوخ الذين يبحثون تأكيد تعيينه رئيساً للبنك المركزي، بأنه سيتخذ القرارات بشكل مستقل عن البيت الأبيض.
في هذا السياق، دق البنك الدولي ناقوس الخطر، محذراً من أن استمرار التوتر قد يقود إلى موجة تضخم عالمية جديدة، قد تتجاوز 6 %، مع احتمال تباطؤ النمو إلى 2 %، وأسعار النفط إلى 150 دولاراً، وربما تصل إلى 200 دولار في حال تفاقم التصعيد.
ويرى خبراء أن استمرار تعطّل الإمدادات قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حالة «ركود تضخمي»، تجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، تعهد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خلال اجتماعات واشنطن، التي اختتمت أعمالها السبت الماضي، بتقديم تمويلات تصل إلى 150 مليار دولار لدعم الدول الأكثر تضرراً من صدمة الطاقة، مع تحذيرات من اللجوء إلى سياسات غير فعالة، مثل تخزين النفط، أو تقديم دعم واسع وغير موجه لأسعار الوقود.
وفي ذات الاتجاه، خفض صندوق النقد الدولي في مراجعاته توقع نمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، إلى 3.1 %، مع تضخم 4.4 %، على افتراض أن الصدمة مؤقتة، وأن أسعار الطاقة ترتفع بنحو 19 % هذا العام، لكنه عرض أيضاً سيناريوهات أشد قتامة: سيناريو سلبي يهبط فيه النمو العالمي إلى 2.5 %، مع أسعار نفط قرب 100 دولار هذا العام، وسيناريو «شديد» يهبط فيه النمو إلى 2 %، أي قرب حافة ركود عالمي، مع متوسط نفط 110 دولارات في 2026، و125 دولاراً في 2027، وتضخم عالمي يتجاوز 6 %.
كبير اقتصاديي الصندوق قال بوضوح، إن العالم «ينجرف» بالفعل نحو السيناريو الأسوأ، كلما طال أمد التعطل في الطاقة. لكن ما يخص هذه الأزمة دون غيرها، هو أنها لم تبقَ في إطارها الاقتصادي أو السياسي، بل تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية بشكل مباشر.
فارتفاع أسعار الطاقة لم يعد مسألة تخص الحكومات أو الشركات الكبرى، بل أصبح عاملاً مؤثراً في قرارات الأفراد، في تنقلاتهم، في إنفاقهم، وفي قدرتهم على الحفاظ على مستوى معيشتهم.
وهكذا، انتقلت الأزمة من كونها حدثاً بعيداً في ممر بحري، إلى تجربة معيشة، يشعر بها الناس في أماكن لم تكن تربطهم به أي علاقة من قبل، لتنتقل أزمة مضيق هرمز من محطة البنزين، إلى كلفة الخبز والنقل العام والشحن البحري والموازنة العامة.
تداعيات طاقية
الوكالة الدولية للطاقة قدرت خسائر تراكمية في الإمدادات بلغت أكثر من 360 مليون برميل في مارس، و440 مليوناً متوقعة في أبريل.
ووصفت ما جرى بأنه «أشد صدمة إمداد في تاريخ سوق النفط»، إذ هبطت المخزونات العالمية المرصودة 85 مليون برميل في مارس، بينما سُحب 205 ملايين برميل من المخزونات خارج الخليج، وارتفع التخزين العائم في الشرق الأوسط 100 مليون برميل.
وأشارت إلى أن خام بحر الشمال المتداول نقداً، كان قرب 130 دولاراً للبرميل، أي أعلى بنحو 60 دولاراً من مستويات ما قبل الصراع.
انقلاب الأسواق
الأسواق المالية أول من يلتقط الإشارات، ليس بوصفها مجرد تفاعل رقمي مع خبر عاجل، بل باعتبارها قراءة مبكرة لاحتمال اختلال أعمق في توازنات الطاقة والتجارة.
ففي غضون أيام قليلة من انطلاق الحرب في الشرق الأوسط، قفزت أسعار النفط من مستويات كانت مستقرة نسبياً، إلى نطاقات مرتفعة، قاربت 120 و130 دولاراً للبرميل، وهو ارتفاع لم يكن يعكس نقصاً فورياً في الإمدادات، بقدر ما كان يعكس خوفاً من المستقبل، وتوقعاً لانقطاع قد يتحول إلى أزمة ممتدة.
مع إعلان فتح المضيق الجمعة 17 أبريل، انقلبت الأسواق سريعاً، وأنهى برنت جلسة 17 أبريل منخفضاً 9 %، عند 90.38 دولاراً، إلا أن هذا الانفراج لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما عادت حالة الغموض لتسيطر، مع تقارير عن سفن توقفت أو غيرت مسارها، وتحذيرات أمنية أعادت إلى الواجهة احتمال استمرار التوتر.
فعاود النفط الصعود مع تداولات الاثنين 20 أبريل بنسبة 7.5 %. ومع إعلان تمديد الهدنة الثلاثاء 21 أبريل، إلى أجل غير مسمى، سجلت تداولات الأربعاء 22 أبريل، ارتفاعاً في أسعار الذهب والأسهم، وتراجعاً في أسعار النفط، حيث أدى تصريح الإعلان بتمديد الهدنة، إلى تهدئة المخاوف من تفاقم التضخم واستمرار أسعار الفائدة.
هذا التذبذب السريع بين التفاؤل والقلق، يعكس طبيعة المرحلة، حيث لم يعد الاستقرار هو القاعدة، بل أصبح التقلب هو الحالة الطبيعية للأسواق.
لا تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة والأسهم، بل تمتد إلى ما يمكن وصفه بـ «الطبقة الخفية» من الاقتصاد، والمتمثلة في قطاعي الشحن والتأمين.
فقد أدى تراجع حركة السفن بشكل حاد، إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين، خاصة مع تصاعد مخاطر المرور في المنطقة، وهو ما انعكس بدوره على كلفة النقل البحري. هذه الزيادة، رغم أنها لا تظهر بشكل مباشر في الأخبار اليومية، إلا أنها تشكل أحد أهم العوامل التي تدفع أسعار السلع إلى الارتفاع، حيث يتم تحميلها في النهاية على المستهلك.
وفي هذا السياق، اتخذت شركات الشحن الكبرى، مثل ميرسك وهاباغ-لويد، موقفاً حذراً، مفضلة الانتظار إلى حين اتضاح الصورة الأمنية.
ولم يكن هذا التردد مجرد قرار تشغيلي، بل كان مؤشراً على عمق الأزمة، حيث أصبحت قرارات الإبحار نفسها مرتبطة بتقييمات معقدة للمخاطر، تتجاوز الحسابات الاقتصادية التقليدية.
ماذا تقول أرقام العبور والتأمين؟
هنا تظهر «الطبقة الخفية» لتداعيات إغلاق هرمز. «الأونكتاد» توضح أن عدد العبور اليومي للسفن في المضيق هبط من متوسط 141 سفينة يومياً، في 1 - 27 فبراير، إلى بضع سفن فقط في بداية مارس، ثم إلى متوسط 6 سفن يومياً على مدى شهر كامل تقريباً، أي تراجع معدل الشحن بنسبة 95 % إلى 97 %.
وقفز وقود السفن في سنغافورة إلى 100 %، فيما ارتفعت أقساط مخاطر الحرب «التأمين» لسفينة قيمتها 100 مليون دولار، من 250 ألف دولار للرحلة، إلى 500 ألف، وحوالي مليون دولار في بعض الحالات. هذا قبل أن تُحتسب كلفة التأخير، وتغيير المسارات، وتكدس الموانئ، والمخاطر القانونية على العقود.
من يدفع الثمن فعلياً؟
الجواب: سكان الكوكب، لكن بدرجات مختلفة. الأسر الفقيرة تدفع أولاً عبر الوقود والغذاء، والدول المستوردة للطاقة تدفع عبر ميزان المدفوعات، وشركات الطيران والنقل البري والصناعة الثقيلة تدفع عبر التكاليف، والمزارعون يدفعون عبر الأسمدة.
«الأونكتاد» لفتت إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية يمر عبر هرمز، وأن أي تعطيل هناك قد يفاقم تكلفة الغذاء عالمياً، خصوصاً في الاقتصادات الضعيفة.
الوكالة الدولية للطاقة قالت إن نقص الإمدادات ضرب بالفعل منتجي البتروكيماويات في آسيا، وأثر في الأسر والشركات التي تستخدم غاز البترول المسال، كما أدى إلى إلغاء رحلات وانخفاض استهلاك وقود الطائرات.
لم يكن المشهد مجرد أزمة في ممر مائي، بل لحظة كاشفة، اختزلت هشاشة العالم وتشابك مصائره. آلاف السفن العالقة في المضيق، بدت كأنها نقاط صامتة على الخريطة، لكن خلف كل نقطة حكاية إنسان، وعائلة، وحياة توقفت أو تبدلت. هذا التقرير لا يروي أزمة لوجستية، بقدر ما يستحضر وجوهاً لم تُلتقط، وأصواتاً لم تُسمع.
بعيداً عن الكاميرات
بينما ركزت التغطيات الإعلامية على حركة السفن والتصريحات السياسية، ظل الجانب الإنساني للأزمة أقل حضوراً، رغم أنه الأكثر تأثيراً. فالمضيق، في جوهره، لم يكن مجرد ممر للطاقة، بل نقطة التقاء لآلاف القصص التي تشكل في مجموعها سردية أوسع عن عالم مترابط، حيث يمكن لاضطراب في نقطة واحدة، أن يعيد تشكيل حياة مليارات من البشر.
ومن هنا، يصبح فهم الأزمة لا يكتمل دون إعادة الاعتبار لهذا البعد، الذي يحول الأرقام إلى تجارب، والتحليلات إلى حكايات.
على ظهر السفن العالقة في المضيق، امتد الوقت بلا نهاية. بحّارة من جنسيات متعددة، يحدّقون في أفق لا يتغير. الاتصالات محدودة، والقلق يتزايد. أحدهم يتلقى رسالة صوتية من طفله يسأله: «متى تعود؟» ولا يملك إجابة. آخر يراقب مؤونة السفينة وهي تُحسب بدقة. البحر الذي كان مصدر رزقهم، صار سجناً مؤقتاً، يختبر صبرهم وقدرتهم على الاحتمال.
حين نتحدث عن آلاف السفن، فنحن نتحدث عن آلاف الطواقم، وعشرات الآلاف من أفراد العائلات.
لكل سفينة قصة تمتد إلى بيوت كثيرة: أم تنتظر، طفل يفتقد، التزامات مؤجلة. الإعلام ركّز على الممر، لكن الأثر امتد إلى الكوكب بأسره - سلاسل إمداد، أسعار، وظائف، وتعليم. في الموانئ والمدن القريبة، ينتظر عمّال وموردون وسائقون. عقود معلقة، شحنات متأخرة، وديون تتراكم. محمد رضا صاحب شاحنة كان يعوّل على رحلة واحدة لتغطية مصاريف شهره، يجد نفسه بلا عمل.
في البيوت، تتصاعد الأسئلة: كيف نغطي الإيجار؟ ماذا عن المدرسة؟ الانتظار هنا ليس سكوناً، بل ضغط يومي يزداد ثقلاً.
فقدان الوظائف
قطاع السفر والسياحة كان من أول المتضررين. نهى موظفة في شركة حجوزات سياحية، تفقد عملها خلال أيام من الأزمة، بعد أن ظلت سنوات تنتظر تلك الفرصة. إبراهيم مرشد سياحي يطوي خرائطه ويبحث عن بديل لا يجده. علي ونسرين وغادة وإسماعيل وغيرهم من موظفي فنادق عديدة، يغادرون جراء تقلّيص الخدمات الفندقية، ومطارات تخفّض رحلاتها. الأزمة لم تُغلق أبواباً فقط، بل أغلقت مسارات حياة كاملة.
مع تعطل الإمدادات، ارتفعت الأسعار. عائلة كانت تخطط للادخار، صارت تفكر في اختصار الأساسيات فقط إلى «الوقود، الغذاء، النقل». التغيير لم يكن في الأرقام وحدها، بل في أنماط العيش: تقشف قسري، وتأجيل لكثير من الخطط والمشاريع الشخصية والعائلية.
أصحاب المشاريع الصغيرة كانوا الأكثر هشاشة. مراد صاحب متجر ناشئ، يعتمد على بضائع مستوردة، يجد رفوفه فارغة. ندا صاحبة مطعم يضطر لتقليص قائمته. يارا شابة أطلقت مشروعها عبر الإنترنت، تتأخر شحناتها، وتفقد ثقة زبائنها. هذه الخسائر لا تُقاس بالأرباح فقط، بل بالإحباط الذي يرافقها.
مع التحولات، اتجه التعليم إلى المنصات الرقمية. لكن ليس الجميع مستعداً. عادل طالب يشارك هاتفاً واحداً مع إخوته، اتصال ضعيف، وبيئة غير مهيأة. معلمة تحاول الحفاظ على تفاعل طلابها عبر شاشة باردة. وإذا كان المضيق قد بدا كعنق زجاجة للعالم، فإنه أيضاً كشف أن البشر هم القصة الحقيقية للأزمة.
إجراءات حكومية
لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الأوسع للإجراءات الحكومية، التي سعت إلى احتواء الأزمة، من خلال سياسات دعم أو تنظيم، لكنها في كثير من الحالات واجهت تحدياً في تحقيق التوازن بين الاستجابة السريعة والعدالة في التوزيع.
وهكذا تتكشف الصورة الكاملة للأزمة في تفاصيل صغيرة، لكنها كاشفة: رحلة تم تأجيلها، مشروع تم تقليصه، طالب يواجه صعوبة في التعلم، وأسرة تعيد حساباتها اليومية. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، هي التي تشكل في مجموعها الأثر الحقيقي لما يحدث في ذلك الممر.
وهنا، يتحول مضيق هرمز من نقطة جغرافية إلى عنصر حاضر في حياة الناس، وينعكس في كل قرار اقتصادي صغير. ولا يمكن النظر إلى الأزمة بوصفها حدثاً عابراً، بل كجزء من سلسلة تحولات أوسع، تكشف عن مدى ترابط العالم، وعن هشاشة هذا الترابط حين يتعرض للاختبار.
فالممر الذي بدأ كقضية ملاحة، انتهى به الأمر إلى إعادة تشكيل أنماط العمل، والاستهلاك، والتعليم، وحتى الإحساس بالأمان الاقتصادي، ليؤكد مرة أخرى أن الأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بحجمها، بل بعمق تأثيرها في الحياة اليومية.
تحديات تواجه الهند
تُعد الهند من أكثر الدول حساسية لأي اضطراب في مضيق هرمز، بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، وكونها أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان.
إذ تستورد الهند نحو 85 % من احتياجاتها النفطية من الخارج، ويأتي جزء كبير من هذه الإمدادات من دول الخليج عبر مضيق هرمز، ما يجعل أمن هذا الممر مسألة حيوية للاقتصاد الهندي.
ومع تصاعد التوترات أو إغلاق المضيق، تواجه نيودلهي تحديات مباشرة، تتمثل في ارتفاع تكاليف النفط، وزيادة فاتورة الاستيراد، وضغوط على العملة المحلية والتضخم.
وأقرت الهند، السبت، ضماناً بقيمة 1.4 مليار دولار لتأسيس تجمع تأمين بحري، بحسب ما أعلنه وزير الإعلام والإذاعة، أشوني فايشناو، في ظل انسحاب شركات التأمين من التغطية بسبب الحروب والعقوبات، ما يهدد تدفقات التجارة.
وسيعمل التجمع لمدة 10 سنوات، مع إمكانية تمديده 5 سنوات إضافية، في إطار جهود الحفاظ على استمرارية التجارة والسيادة الاقتصادية في مواجهة التوترات الجيوسياسية.
وتوفر شركات إعادة التأمين دعماً أساسياً لشركات التأمين، عبر توزيع المخاطر، إلا أن الحرب في إيران والعقوبات الغربية على روسيا، دفعت القطاع إلى تقليص التغطيات.
تعكس مواقف القوى الدولية من أزمة مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، توازناً دقيقاً بين المصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية.
فروسيا تميل إلى دعم الحلول الدبلوماسية، وترفض أي تصعيد عسكري، مع سعيها للحفاظ على نفوذها في أسواق الطاقة، وتوسيع دورها كوسيط في الملف النووي.
في المقابل، تتبنى أوروبا موقفاً أكثر حذراً، إذ تدعو إلى ضمان حرية الملاحة في هرمز، مع التمسك بالحلول التفاوضية، لإحياء أو تعديل الاتفاق النووي، بينما تؤكد بريطانيا استعدادها للمشاركة في جهود دولية لحماية الملاحة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
أما اليابان، وبحكم اعتمادها الكبير على واردات النفط من الخليج، فتدفع بقوة نحو التهدئة والاستقرار، مركّزة على أمن الإمدادات، وتجنب أي تعطّل طويل في المضيق. وبين هذه المواقف، يتضح أن القاسم المشترك، هو تفادي التصعيد، وحماية تدفقات الطاقة، مع اختلاف في أدوات التأثير وأولويات كل طرف.
«الكعكة الصفراء» و«الغبار النووي»
في مشهد معقد، تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الحقائق العلمية، عادت مفردات مثل اليورانيوم والتخصيب إلى صدارة الخطاب الدولي، ليس فقط في بيانات الحكومات، بل أيضاً في تحركات الأسواق وردود فعل المستثمرين.
وبين حديث عن نقل اليورانيوم، وتصريحات تتناول ما سُمي بـ «الغبار النووي»، برزت فجوة واضحة بين اللغة السياسية والتوصيف العلمي، ما يجعل فهم هذه المصطلحات ضرورة لفهم طبيعة الصراع نفسه، وليس فقط مآلاته.
الكعكة الصفراء، هي الاسم الشائع لمركزات خام اليورانيوم، وهي ليست وقوداً نووياً جاهزاً، ولا مادة صالحة مباشرة لصنع سلاح، بل تمثل المرحلة الوسيطة بين استخراج الخام من الأرض، وبين تحويله كيميائياً إلى مواد تدخل لاحقاً في التخصيب.
كيف يُستخرج اليورانيوم؟
تبدأ العملية من المناجم، حيث يُستخرج الخام من باطن الأرض، أو من مناجم سطحية، ثم يُطحن ويُعالج كيميائياً، لفصل اليورانيوم عن الصخور والشوائب. الناتج يكون مركّزاً، يُعرف بالكعكة الصفراء (أكسيد اليورانيوم U308).
اليورانيوم الطبيعي والمخصب.. ما الفارق؟
اليورانيوم الطبيعي يحتوي أساساً على يورانيوم 238، ونسبة صغيرة فقط من النظير القابل للانشطار يورانيوم 235. أما التخصيب، يعني رفع نسبة يورانيوم 235.
الاستخدامات المدنية لمحطات الطاقة تحتاج عادة إلى تخصيب منخفض من 3 - 5 %، بينما الوصول إلى 60 % يعد مرتفعاً جداً، ولا يوجد له تفسير مدني اعتيادي في نظر الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية، لأن بلوغ 60 % تقريباً، يضع المادة في نطاق الاستخدام العسكري المحتمل.
الوكالة الدولية ذكرت في تقاريرها أن إيران كانت تملك في مايو 2025 نحو 408.6 كغ من اليورانيوم المخصب حتى 60 %، وهو مستوى قريب تقنياً من عتبة السلاح، إذا تم رفعه أكثر إلى 80 %، وهي نسبة سهلة مع تصاعد التقنية.
عدة سيناريوهات
مع إعلان ترامب تمديد الهدنة إلى أجل غير مسمى، تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل الأزمة، أولها أن تعمل إيران على الاحتفاظ بالوقود النووي داخل أراضيها، والتفاوض على عدم زيادة التخصيب، أو توسيع رقابة الوكالة الدولية، بدلاً من التخلي.
السيناريو الثاني، هو النقل إلى طرف ثالث، بدلاً من أمريكا مباشرة، وهنا تظهر الصين كطرف ثالث في حل الأزمة. أما السيناريو الثالث، هو التشدد المتبادل، بأن تواصل واشنطن الحصار والضغط العسكري والاقتصادي، وترد إيران بالاحتفاظ بالمخزون، وتعطيل الملاحة في هرمز.
السيناريو الرابع يمكن تسمية بـ «صفقة مرحلية»، عبر وقف التصعيد في هرمز، مقابل ترتيبات نووية مؤقتة، لا تصل إلى اتفاق شامل، وقد يكون الأقرب في ظل «تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى».
مفاهيم نووية
لا بد من التمييز بين ثلاثة مفاهيم (التخصيب والانشطار والاندماج)، فالتخصيب، رغم أهميته، ليس تفاعلاً نووياً بحد ذاته، بل مجرد خطوة تمهيدية. أما الانشطار النووي، فهو العملية المعتمدة حالياً في المفاعلات، حيث تنقسم نواة ثقيلة إلى أجزاء أصغر، مطلقة طاقة كبيرة تُستخدم لتوليد الكهرباء.
في المقابل، يمثل الاندماج النووي الوجه الآخر للطاقة، حيث يتم دمج نوى خفيفة لإنتاج طاقة هائلة، كما يحدث في الشمس، وهو ما يُنظر إليه كطاقة المستقبل، رغم أنه لا يزال في طور التجارب.
مشروع إيتر
وفي هذا السياق، يبرز مشروع «إيتر» العالمي، كأحد أبرز محاولات تحويل حلم الاندماج إلى واقع، بمشاركة قوى دولية كبرى، من أوروبا إلى الصين والهند واليابان. ويهدف المشروع إلى إنتاج طاقة نظيفة ومستدامة دون انبعاثات، إلا أنه لا يزال بعيداً عن التطبيق التجاري.
وعلى خط موازٍ، وفي ديسمبر 2022، أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية عن نجاح باحثيها من توجيه 192 شعاع ليزر ناحية عينة من الديوتيريوم محصورة داخل كبسولة بحجم حبة عنب أو أقل قليلاً، لتسخينها كي تصل إلى عشرات الملايين من الدرجات المئوية، ويبدأ الاندماج النووي في الحدوث، الأمر الذي يفتح الباب لإمكانات واعدة في إنتاج الطاقة مستقبلاً.
الغبار النووي
يظهر مصطلح «الغبار النووي»، كواحد من أكثر التعبيرات إثارة للجدل. فهو ليس مصطلحاً علمياً دقيقاً، بل توصيف سياسي، يشير إلى بقايا مواد متناثرة بعد تدمير منشآت نووية، ولا يحمل القيمة الاستراتيجية ذاتها التي يمثلها اليورانيوم المخصب. وهنا يتضح الفرق بين مادة منظمة تُستخدم كورقة تفاوض، وبين بقايا عرضية لا تمثل سوى أثر جانبي لأي تصعيد عسكري.
وماذا بعد؟
في ظل هذه التطورات، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري، بل أصبح مؤشراً لحظياً لحالة العالم، ونقطة التقاء بين الذرّة والنفط، وبين الجغرافيا والتضخم، وبين سفينة عالقة وعائلة تدفع أكثر للوقود والغذاء.
وفي النهاية، قد تختلف السيناريوهات السياسية، وقد تتبدل التحالفات، وقد تهدأ الأسواق، أو تعود إلى التوتر، لكن ما يبقى ثابتاً، هو هذا الدرس العميق: أن العالم، رغم اتساعه، يمكن أن يضيق فجأة عند نقطة واحدة، وأن هذه النقطة، مهما بدت صغيرة على الخريطة، قادرة على إعادة رسم ملامح الحياة لمليارات من البشر.
هنا، يصبح الحدث إنساناً، وتصبح الجغرافيا قصة، ويغدو الممر حكايةً لا تنتهي.
في قلب هذه الأزمة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل تحوّل إلى نقطة التقاء معقّدة بين أكثر ملفات العالم تشابكاً: النفط والنووي، الجغرافيا والسياسة، والأسواق وحياة الناس.
فالتوتر الذي يحيط بالمضيق، لا ينفصل عن سياق أوسع، تتداخل فيه حسابات القوة مع مفاهيم مثل «التخصيب» و«الرقابة» و«الردع»، حيث تتحول المادة النووية من عنصر تقني إلى أداة تفاوض، ويتحوّل الممر البحري إلى وسيلة ضغط استراتيجية. وبذلك، لم تعد الأزمة مجرد اضطراب في الإمدادات، بل جزءاً من معادلة أوسع، تحدد ملامح التوازن الدولي ذاته.
غير أن ما يميّز أزمة المضيق، أن مراكز الثقل الجيوسياسي لم تبقَ محصورة في دوائرها التقليدية، بل تسربت بشكل مباشر إلى الحياة اليومية.
فكل تصعيد سياسي أو تعثر تفاوضي، كان ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة، ومنها إلى كلفة الغذاء والنقل، وصولاً إلى تفاصيل المعيشة اليومية لملايين البشر. وفي ظل هذا الترابط، تراجع الفصل بين الاقتصادي والإنساني.
فالأزمة التي بدأت كاضطراب في تدفق النفط، أعادت تعريف مفهومي الاستقرار والأمان الاقتصادي، إذ لم يعد الاستقرار مجرد توفر للموارد، بل قدرة على التنبؤ بتكاليفها واستمراريتها، ولم يعد الأمان الاقتصادي مرتبطاً بمستوى الدخل فقط، بل بمدى هشاشته أمام عوامل خارجية، لا يمكن التحكم بها.
وبهذا المعنى، يتحول المضيق من ممر جغرافي، إلى مؤشر لحالة العالم: يقيس التوتر، ويعكس مستوى الثقة، ويحدد اتجاهات المستقبل. وعند هذه النقطة، تتقاطع خيوط المشهد بكامله.
فالسفن التي توقفت لم تكن تنقل شحنات طاقة فحسب، بل كانت تحمل إيقاع الاقتصاد العالمي نفسه. وحين تباطأت الحركة، تباطأت معها الأسواق والتجارة، وحتى إيقاع الحياة اليومية.
أما العائلات التي انتظرت عودة بحّار أو وصول شحنة، فقد كانت من دون أن تدري جزءاً من شبكة أوسع، تُظهر أن خللاً واحداً في نقطة ضيقة من العالم، قادر على إعادة تشكيل التجربة الإنسانية في أماكن بعيدة ومتباعدة. (دبي - حال الخليج)
تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، إلى أن نحو 84 % من النفط الخام، و83 % من الغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر مضيق هرمز، يتجه إلى الأسواق الآسيوية.
ووفقاً لتقرير نشرته «رويترز»، تستورد الصين وحدها عبر المضيق نحو 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأول، ما يجعلها أكبر مستورد للنفط المار عبر هذا الممر الحيوي.
ورغم هذا الاعتماد الكبير، تُعد الصين من بين أكثر الاقتصادات قدرة نسبياً على امتصاص الصدمات، بفضل تنويع مصادر الإمداد، وتوسع استخدام السيارات الكهربائية، وارتفاع مستويات المخزون الاستراتيجي، الذي تشير تقديرات إلى أنه قد يغطي وارداتها من هرمز لنحو سبعة أشهر. وهو ما يفسر أن المخاطر المرتبطة بالمضيق عالمية في نطاقها، لكنها لا تتوزع بالتأثير نفسه على جميع الاقتصادات.
وفي تطور لافت، برزت الصين في 18 أبريل كلاعب محتمل في مسار الأزمة، مع طرحها إمكانية المساهمة في إدارة ملف الوقود النووي الإيراني، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها محاولة لخلق توازن بين واشنطن وطهران، خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على تدفقات الطاقة العابرة عبر مضيق هرمز.
في السياق ذاته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن نظيره الصيني شي جين بينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح مضيق هرمز، مشيراً إلى تطلع الجانبين إلى لقاء مرتقب في الصين. وأضاف ترامب عبر منصة «تروث سوشيال»، أن «لقاءه مع الرئيس شي سيكون مميزاً، وربما تاريخياً»، معرباً عن ثقته في إمكانية تحقيق «الكثير معاً».
وتأتي هذه التصريحات، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، عقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، والتي أعادت خلط أوراق العلاقات بين واشنطن وبكين، خصوصاً أن الصين تُعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، في وقت تتزامن فيه هذه التوترات مع استمرار تداعيات الحرب التجارية بين الطرفين.
ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الأمريكي نظيره الصيني في 14 و15 مايو المقبل، في أول زيارة له إلى الصين منذ ثماني سنوات، بعد تأجيلها بسبب التصعيد في الشرق الأوسط. كما ستكون هذه القمة أول لقاء مباشر بين الزعيمين، منذ اجتماعهما في أكتوبر 2025 في كوريا الجنوبية، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، والتي أسفرت عن اتفاق على هدنة تجارية مؤقتة.
وخلال ذلك اللقاء، وصف ترامب نظيره الصيني بأنه «مفاوض قوي للغاية»، فيما أكد شي جين بينغ أن اختلاف وجهات النظر بين البلدين، لا يمنع ضرورة السعي نحو شراكة أكثر استقراراً وصداقة، أوسع بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم. (دبي - حال الخليج)
