حال المال والاقتصاد

"صانع الفائدة".. كيف خطط جيروم باول للبقاء بـ "كمين قانوني" داخل الفيدرالي

"صانع الفائدة".. كيف خطط جيروم باول للبقاء بـ "كمين قانوني" داخل الفيدرالي

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 30 أبريل 2026 03:40 مساءً - بعد ثماني سنوات حافلة امتدت عبر ثلاث إدارات أمريكية، و66 اجتماعاً لتحديد أسعار الفائدة، وجائحة عالمية، وتحقيق جنائي، اختتم جيروم باول يوم الأربعاء آخر اجتماع للسياسة النقدية له كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، واضعاً حداً لإحدى أكثر الحقب إثارة للجدل في تاريخ البنك المركزي.

وعلى مدار تلك السنوات، كرس باول مكانته كأهم "صانع للفائدة" في العالم، محولاً هذه الأداة النقدية إلى سلاح ذو حدين؛ فمن خفضها الجريء إلى مستويات الصفر لإنقاذ الأسواق من انهيار الجائحة، إلى قيادته لأشرس حملة رفع للفائدة منذ عقود لكبح جماح التضخم.

ولم تكن اجتماعاته الـ 66 مجرد قرارات تقنية، بل كانت إعادة رسم لخارطة الاقتصاد العالمي تحت وطأة هجمات لا حصر لها من إدارة ترامب.

لكن رحيل باول عن رئاسة البنك لن يعني غيابه عن المشهد؛ فبينما تنتهي ولايته الرسمية في 15 مايو 2026، أكد باول أنه سيبقى عضواً مؤثراً في لجنة تحديد أسعار الفائدة ومجلس المحافظين والتي تمتد قانونياً 2028.

ويبدو أن "صانع الفائدة" ليس مستعداً للتخلي عن نفوذه بالكامل، حيث صرح اليوم الخميس بأن بقاءه ضروري لضمان انتهاء التحقيقات التي أجرتها وزارة العدل مؤخراً "بشفافية ونهائية"، وذلك رغم إعلان الوزارة في 24 أبريل 2026 إغلاق الشق الجنائي في التحقيق، في خطوة يراها مراقبون محاولة لتحصين البنك ضد أي تسييس مستقبلي.

الاستقلال النقدي

ويعد قرار البقاء، ورغم كونه غير معتاد لرئيس مغادر، انعكاساً لنهج باول الذي اتسم بحماية شرسة لاستقلال البنك المركزي. وقد تجلى ذلك بوضوح حتى عندما تطلب الأمر مواجهة ضغوط سياسية عنيفة من كلا الحزبين، أو اتخاذ قرارات تسببت في اضطرابات مؤقتة في الأسواق المالية.

وقال باول في شهادة أمام الكونجرس العام الماضي: "لدي وظيفة أقسمت على أدائها، وكل ما أفكر فيه هو مدى اعتماد الناس علينا لاتخاذ القرارات الصحيحة. إنها ليست مهمة سهلة، لكننا قبلنا بها طواعية". وعندما سُئل عن الإرث الذي يرغب في تركه خلفه، قال إن هذا الأمر يترك "لشخص آخر ليقرره"، مشيراً إلى أن مسيرة البنك خلال العقد الماضي تتحدث عن نفسها.

مواجهة الجائحة

ارتبطت قيادة باول بالاستجابة الفورية لأزمة فيروس كورونا، حيث عقد اجتماعاً طارئاً في 3 مارس 2020، في أول خطوة من نوعها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، لخفض أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية.

وصرح حينها: "نحن ندرك أن خفض الفائدة لن يقلل من معدل الإصابة، ولن يصلح سلاسل التوريد المعطلة. نحن نفهم ذلك، ولا نعتقد أن لدينا كل الإجابات، لكن الفائدة المنخفضة قد تعزز بعض قطاعات الاقتصاد". وبعد أقل من أسبوعين، دعا لاجتماع طارئ ثانٍ يوم أحد، خفض فيه الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر.

وفي خطاب بجامعة برينستون العام الماضي، وصف باول تلك اللحظات قائلاً: "دون سابق إنذار، توقفت الاقتصادات حول العالم بشكل حاد، وكانت الأسواق المالية الحيوية على وشك الانهيار.

لقد كان الفيدرالي هو المستجيب الأول، حيث تقدم الموظفون المدنيون المحترفون وقالوا: (نحن نتولى الأمر)".

محاربة التضخم

أدت موجات التحفيز وتعثر سلاسل التوريد إلى دفع التضخم لمستويات قياسية في مرحلة ما بعد الجائحة. ورغم أن الفيدرالي تردد في البداية بوصف التضخم بأنه "عابر"، إلا أن باول قاد تحولاً تاريخياً في نوفمبر 2021 حين أبلغ مجلس الشيوخ بضرورة "التقاعد عن استخدام كلمة عابر".

تبع ذلك موجة من الرفع الهجومي للفائدة بلغت ذروتها بزيادات متتالية بواقع 75 نقطة أساس. وفي خطاب "جاكسون هول" الشهير عام 2022، حذر باول بلهجة حادة من أن الأسر والشركات ستواجه "بعض الألم" كضريبة ضرورية لخفض التضخم واستعادة استقرار الأسعار، وهو ما تسبب حينها في هبوط مؤشر "داو جونز" بمقدار 1000 نقطة.

وفي أبريل 2026، ومع ظهور تحديات جديدة تتعلق بأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، شدد باول في مؤتمره الأخير على أن المعركة ضد التضخم تتطلب صموداً، مشيراً إلى أن البنك سيظل يقظاً تجاه أي ضغوط سعرية جديدة قد تهدد مسار "الهبوط السلس" للاقتصاد.

ضغوط سياسية

بدأت علاقة باول بالبيت الأبيض حين رشحه ترامب في نوفمبر 2017، واصفاً إياه بأنه "قوي وملتزم وذكي". وقال ترامب آنذاك في حديقة الورد: "سيضع جاي مواهبه وخبراته في خدمة قيادة البنك المركزي المستقل".

إلا أن السنوات التالية شهدت صداماً علنياً غير مسبوق، حيث تعرض باول لهجمات متكررة من الإدارة بسبب سياساته النقدية. ويُنظر إلى بقاء باول في مجلس المحافظين حتى عام 2028، تزامناً مع تولي "كيفين وارش" المنصب خلفاً له، كخطوة لضمان استمرارية السياسة النقدية الحالية ومنع التحولات المفاجئة التي قد تفرضها الضغوط السياسية في الولاية الرئاسية الجديدة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا