ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 4 مايو 2026 12:51 صباحاً - لم تعد غابات الأمازون مجرد مصدر تقليدي للمطاط والأخشاب والذهب، بل تحولت إلى فخّ جديد مع تصاعد الطلب العالمي على معادن المستقبل. هذه الموارد التي تقوم عليها تقنيات المستقبل مثل السيارات الكهربائية والطائرات المتقدمة وأنظمة الدفاع، أصبحت محركا رئيسيا لعمليات تعدين غير قانونية تتوسع بشكل متسارع داخل أكبر غابة مطيرة في العالم.
ويحذر مسؤولون وخبراء من أن الأمازون البرازيلية تشهد جبهة جديدة للجريمة، حيث تقود الحاجة العالمية لهذه المعادن إلى نشاط متزايد لشبكات منظمة، تعمل أحيانا بأساليب أقرب إلى التعدين الصناعي منها إلى العمليات الفردية التقليدية. ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه دول كبرى مثل الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على الصين، التي تهيمن على سلاسل إمداد ومعالجة هذه المعادن، عبر التوجه إلى البرازيل الغنية باحتياطيات ضخمة منها.
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" من بين أبرز هذه الموارد "العناصر الأرضية النادرة"، وهي مجموعة تضم 17 عنصرا تُستخدم في تصنيع مغناطيسات فائقة القوة تدخل في صناعات متقدمة، من الطائرات بدون طيار إلى الصواريخ الموجهة. ووفق تقديرات دولية، تجاوزت قيمة سوق المعادن الحيوية 300 مليار دولار، مع توقعات بأن تتضاعف أكثر من مرتين بحلول عام 2035، مدفوعة بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
غير أن استخراج هذه المعادن لا يتم بسهولة، إذ يتطلب عمليات معقدة لفصلها وتنقيتها، ما يجعلها هدفا مغريا لشبكات تهريب تستغل ضعف الرقابة في مناطق نائية. وتشير السلطات البرازيلية إلى أن عمليات الاستخراج غير القانونية غالبا ما تشمل إزالة كميات هائلة من التربة الغنية بالمعادن، قبل نقلها إلى الخارج، خاصة إلى آسيا، حيث تتم معالجتها.
وعلى عكس تعدين الذهب، الذي يعتمد غالبا على عمال صغار، فإن التعدين غير القانوني للمعادن الحيوية يتم في كثير من الأحيان بواسطة شركات أو مجموعات منظمة تستخدم معدات متطورة، ما يمنحه طابعا شبه صناعي. ويتم نقل هذه الموارد عبر طرق برية ونهرية وجوية، هي نفسها التي تستخدمها شبكات تهريب المخدرات، مثل الكوكايين، والذهب.
وتكشف التحقيقات عن وجود سلسلة توريد غير قانونية معقدة تمتد من عمق الغابة إلى الأسواق العالمية. وتشمل هذه الشبكات أطرافا متعددة، من شركات توفر غطاءً قانونيًا عبر غسل الأموال، إلى مسؤولين يمنحون تراخيص مزورة، وصولًا إلى موظفي جمارك يتعرضون للرشوة لتسهيل مرور الشحنات. وفي بعض الحالات، تُستخدم وثائق لمناجم "وهمية"، أو يتم إخفاء طبيعة الشحنات عبر تسميتها بمواد أخرى مثل خام الحديد.
ورغم أن البرازيل تمتلك ثاني أكبر احتياطي عالمي من العناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى معادن مهمة مثل الليثيوم والكوبالت والنيوبيوم، فإنها لا تزال بعيدة عن استغلال هذه الثروات بشكل قانوني ومنظم. ويرجع ذلك جزئيا إلى الإجراءات البيروقراطية الطويلة للحصول على التراخيص، والتي قد تستغرق سنوات، فضلًا عن قضايا الفساد التي طالت بعض المؤسسات المعنية بالقطاع.
بيئيًا، يُشكل هذا التوسع في التعدين تهديدا خطيرا لغابات الأمازون، التي تلعب دورا حاسما في امتصاص ثاني أكسيد الكربون والحد من تغير المناخ. وقد فقدت الغابة بالفعل نحو 20% من مساحتها، ويحذر العلماء من اقترابها من نقطة تحول قد تؤدي إلى تحوّل أجزاء واسعة منها إلى أراضٍ عشبية، ما سيؤثر بشكل كارثي على المناخ العالمي.
كما لا تقتصر الأضرار على البيئة فقط، بل تمتد إلى المجتمعات المحلية، خاصة السكان الأصليين، الذين يواجهون تلوث الأنهار والتربة، وتراجع التنوع البيولوجي، فضلًا عن انتهاكات خطيرة مثل العمل القسري.
وفي مواجهة هذا التحدي، تعمل السلطات البرازيلية على تطوير أدوات جديدة لتعقب المعادن ومنع تهريبها، من بينها إنشاء قواعد بيانات تربط كل عينة بمصدرها الجغرافي. كما تُناقش الحكومة تشريعات جديدة لتنظيم القطاع وتحسين الشفافية.
لكن مع استمرار الطلب العالمي المتزايد، تبقى المعركة معقدة، إذ تتحول الأمازون تدريجيا إلى ساحة صراع بين الحاجة الاقتصادية وحماية واحدة من أهم البيئات الطبيعية على الأرض.
