ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 4 مايو 2026 12:51 صباحاً - في دبي، لا تبنى المشاريع الكبرى فوق الأرض فقط، بل تبدأ أحياناً من أعماقها، حيث تعمل الآلات بصمت، وتتحرك الإنجازات بعيداً عن الأعين، قبل أن تظهر ملامحها على شكل محطات ومسارات وشبكات نقل تعيد رسم حركة المدينة، ومن بين هذه الآلات، يبرز اسم «الوقيشة»، ذلك الحفار العملاق، الذي ارتبط بذاكرة مترو دبي منذ بداياته الأولى، وتحول مع مرور السنوات من مجرد جهاز حفر أنفاق، إلى رمز هندسي حاضر في مشاريع الإمارة الكبرى.
ويعود ارتباط «الوقيشة» بإمارة دبي، إلى تاريخ 10 يناير 2007، وتحديداً عندما دشن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أعمال الحفر الأساسية لأنفاق مشروع مترو دبي، حيث ظهر في ذلك اليوم جهاز حفر الأنفاق العملاق، المعروف عالمياً باسم Tunnel Boring Machine – TBM، لكنه حمل في دبي اسماً محلياً لافتاً «الوقيشة».
تشبيه ذكي
وجاءت التسمية نسبة إلى حيوان الوقيشة، في تشبيه ذكي بطريقة عمله، فهو يشق طريقه تحت الأرض بخفة ودقة، كما يشق الحيوان طريقه في بيئته الطبيعية، ومنذ ذلك التاريخ، لم يغادر الاسم ذاكرة مشاريع المترو، بل ظل حاضراً كلما عاد الحديث عن الحفر العميق والأنفاق ومسارات النقل الحديثة.
واليوم، يعود اسم «الوقيشة» مجدداً إلى الواجهة، مع تدشين أعمال الحفر في مشروع الخط الأزرق لمترو دبي، في مشهد يؤكد أن هذا الجهاز لم يكن ضيفاً عابراً على مشاريع الإمارة، بل أصبح جزءاً من منظومة تنفيذية وهندسية راسخة، تستدعيه دبي كلما أرادت أن تمد مساراتها نحو المستقبل.
لكن «الوقيشة»، التي تعود اليوم، ليست نسخة من الماضي، بل تطورت تقنياتها، ودخلت عليها تحديثات واسعة، شملت أنظمة تشغيل أكثر ذكاء، وقدرات أعلى في التحكم والمتابعة، وتقنيات حديثة، تعزز دقة الحفر وكفاءة التنفيذ، ومع دخول الذكاء الاصطناعي في عالم المعدات الثقيلة، لم تعد مثل هذه الآلات تعتمد على القوة الميكانيكية وحدها، بل باتت تجمع بين القدرة الهندسية والتحكم الذكي، وقراءة ظروف التربة، والتعامل معها بمرونة أكبر.
مصنع متكامل
«الوقيشة» التي بدأت تشق مسارات الخط الأزرق لمترو دبي، يبلغ وزنها نحو 2000 طن، ويصل طولها إلى 163 متراً، وهي ليست مجرد آلة للحفر، بل مصنع متكامل يتحرك تحت الأرض، فهي تحفر وتنقل المواد، وتثبت حلقات الأنفاق بصورة مؤتمتة، لتتحول عملية الحفر إلى منظومة إنتاج متواصلة، تعمل بدقة عالية.
وتتراوح طاقة الحفر اليومية لـ «الوقيشة» بين 13 و17 متراً، أي ما يقارب 390 متراً شهرياً، في ظروف التشغيل المناسبة، وهو رقم يعكس حجم القدرة التي تمتلكها هذه الآلة في اختصار الوقت، وتسريع مراحل الإنجاز، مع المحافظة على جودة العمل وسلامته.
بهذه العلاقة التي تقارب عقدين من الزمن، باتت «الوقيشة» تستوطن دبي، لا بوصفها آلة من الحديد فحسب، بل كرمز لخبرة تراكمت، وتقنية تطورت، ورؤية تعرف طريقها جيداً فوق الأرض وتحتها، ومع الإعلان عن الخط الذهبي لمترو دبي، ستواصل «الوقيشة» حضورها حتى عام 2032، مع قابلية للتمديد لمواكبة طموحات الإمارة المتجددة.
