ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 4 مايو 2026 12:51 صباحاً - «في العالم شيئان حتميان: الموت والضرائب».. هكذا يقول الفيلسوف والدبلوماسي الأمريكي بنجامين فرانكلين، أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية، وهي مقولة ما زالت تعكس حقيقة راسخة في تاريخ البشرية، إذ ارتبطت الضرائب بتطور الحضارات منذ بداياتها الأولى. وتعود أقدم السجلات الموثقة للضرائب إلى مصر القديمة حوالي عام 3000 قبل الميلاد، حيث كانت الدولة تعتمد على فرض ضرائب على المحاصيل والسلع والعمل كوسيلة لتمويل الحكم والمشروعات العامة.
الحضارات القديمة
في الحضارات القديمة، كانت الضرائب جزءاً أساسياً من تنظيم المجتمع؛ ففي مصر القديمة كان المزارعون يقدّمون جزءاً من إنتاجهم للسلطة الحاكمة، بينما فرضت اليونان القديمة ضرائب على التجارة والممتلكات والواردات، في حين استخدمت روما القديمة الضرائب بشكل رئيسي لتمويل الحروب وإدارة شؤون الإمبراطورية. كما اعتمدت ممالك أوروبا في العصور الوسطى على الضرائب لدعم الجيوش وتمويل التوسع السياسي والاستعماري.ومع دخول عصر النهضة، بدأت الأنظمة الضريبية تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً، حيث ظهرت ضرائب الدخل بما في ذلك الضرائب التصاعدية التي تراعي القدرة المالية للأفراد. ثم جاءت الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لتُحدث تحولاً كبيراً في الاقتصاد، ما أدى إلى زيادة الإيرادات الضريبية واستخدامها في تمويل البنية التحتية والخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية. مع بدايات القرن العشرين اتسمت أنظمة الضرائب بالتفصيل، وتحديد الشرائح المختلفة، وطرق صرفها، وصار تخفيضها على أفراد الشعب ضمن البرامج الانتخابية للسياسيين والأحزاب الراغبة في تولي الحكم، وبيان استخدامها لتمويل الخدمات العامة، ودعم البرامج الاجتماعية، وتنظيم الاقتصاد والدفاع الوطني. وفي العصر الحديث تعرف الضرائب وتدرّس في الجامعات، باعتبارها «رسوماً إلزامية تفرضها الحكومة على الأفراد أو الشركات، وبأنها تمثل نسبة مئوية من الدخل أو الأرباح أو الممتلكات أو السلع أو الخدمات، بهدف تمويل الخدمات العامة والبنية التحتية، مثل الرعاية الصحية والتعليم والطرق ورواتب الموظفين في الجهات الحكومية، وأنها تعد مكوناً أساسياً للتمويل الحكومي، وتلعب دوراً أساسياً في تشكيل السياسة الاقتصادية، وإعادة توزيع الدخل والثروة، والحد من الممارسات الشرائية غير المرغوب فيها، والتي تسبب أضراراً للمجتمع»، وبناء على ذلك أنشئت أنظمة ضريبية مختلفة.
رغم اختلاف أنظمة الضرائب وتطورها في العصور المختلفة فإن الإجابة عن السؤال «لماذا تُفرض الضرائب وكيف يتم تحصيلها؟» توضح ملامحها، فغالباً ما يتم فرض الضريبة بصورة نقدية في العصر الحاضر، ولم يعد لائقاً ولا عملياً أن تُجبى بصورة عينية كما كان في العصور القديمة. كما تفرض على كل قادر على الدفع وفقاً لمقدرته المالية، سواء كانوا أشخاصاً طبيعيين أو معنويين، بحيث يسهم كل أفراد المجتمع في تحمل أعباء الدولة.
وهناك صفة أخرى للضريبة تبين ملامح النظام الحديث، وهي أن الضريبة تدفع بصفة نهائية، حيث لا يمكن استرجاعها أو المطالبة بها، كما تعرف الضريبة بأنها «من أعمال الدولة، وهي الجهة الوحيدة صاحبة الحق في فرضها بواسطة القانون وبصفة جبرية.
الضرائب أنواع
تقسم الضرائب في الأغلب إلى ثلاثة أنواع: أولاً، ضرائب على الكسب: وتشمل ضريبة الدخل الفردي أو الشخصي، من الأجور أو المرتبات أو الاستثمارات أو غيرها من أشكال الدخل، التي يكسبها الفرد أو الأسرة، وعادة ما تكون ضريبة تصاعدية؛ أي كلما ارتفع الدخل ارتفع معدل الضريبة. وهناك ضرائب دخل الشركات، وهي نسبة من صافي الأرباح، من خلال احتساب الإيرادات بعد خصم النفقات، أما ضرائب الرواتب فتدفع تلقائياً من أجور ورواتب الموظفين، بغرض تمويل برامج التأمين الاجتماعي، مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. ثانياً الضرائب على ما يُشترى، وأولها ضرائب المبيعات، التي تفرض على مبيعات التجزئة للسلع والخدمات، وعادة ما يتم احتسابها بنسبة مئوية من سعر البيع، ويتم تحصيلها من قبل البائع، أما ضرائب القيمة المضافة فيتم تطبيقها على السلع والخدمات في كل من مراحل الإنتاج والتوزيع، ويمكن تحصيلها من قبل الشركات بالإنابة عن الحكومة، وتحويلها دورياً إلى مصلحة الضرائب.
ثالثاً، الضرائب على الممتلكات، وتشمل الضرائب العقارية، التي تُفرض على الممتلكات غير المنقولة مثل الأراضي والمباني، وغالباً ما تتميز الضرائب على الممتلكات العقارية بأنها مستقرة نسبياً ومحايدة وشفافة، أما ضرائب الممتلكات الشخصية المادية، مثل السيارات والقوارب والمعدات والأثاث والممتلكات الأخرى غير العقارية، فيتم احتسابها على أساس قيمة هذه الممتلكات. في العصور القديمة كانت هناك وظيفة اسمها «جامع الضرائب» وهو الشخص المكلف من قِبل الحاكم أو السلطات بالذهاب إلى التاجر في السوق أو إلى المحال المختلفة لتحصيل الضريبة، أو لإبلاغه بالتوجه إلى الهيئة المختصة لدفع ما عليه، أما الآن، وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لم تعد هذه الوسيلة مجدية، بل صارت إهداراً لوقت السلطة ودافع الضرائب معاً، ومن ذلك الفواتير الإلكترونية التي حدّت كثيراً مما يُعرف باسم «اقتصاد الظل»، الذي تتم من خلاله ممارسات غير شرعية، تضر باقتصاد الدول.
