حال المال والاقتصاد

الدولار والفائدة وجني الأرباح.. ثلاثية تفقد «الذهب» بريقه

الدولار والفائدة وجني الأرباح.. ثلاثية تفقد «الذهب» بريقه

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 10 مايو 2026 09:21 مساءً - وسط التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، أصبح الذهب محط أنظار تدفقات الاستثمار. وقد شهد المعدن النفيس مؤخراً فترة نمو سريع، حيث بلغ مستويات تاريخية، قبل أن يشهد تصحيحاً حاداً، وتشكيكاً في مكانته كـ«ملاذ آمن».

وتشهد أسعار المعدن الأصفر تراجعاً منذ بداية التوترات في المنطقة، وكان أبرز العوامل هو «قوة الدولار» و«ارتفاع أسعار الفائدة» مع «عمليات جني للأرباح».

وتشير التقارير إلى أن ارتفاع قيمة الدولار في ظل الحروب يزيد من تكلفة الذهب بالنسبة للمشترين بعملات أخرى ما يقلل الطلب عليه، فيما تلعب أسعار الفائدة المرتفعة وعوائد السندات دوراً مهماً، حيث تصبح السندات والأصول المدرة للدخل أكثر جاذبية من الذهب الذي لا يدر عائداً، وبعد بلوغ الذهب ذروته التاريخية، يلجأ المستثمرون إلى بيع الذهب لتحقيق أرباح سريعة أو لتغطية خسائر في أسواق أخرى، مثل تراجع الأسهم.

ولعبت أسعار النفط المرتفعة دوراً كبيراً في الضغط على أسعار الذهب، وإن كان بطريقة غير مباشرة، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يرفع بالتبعية معدلات التضخم، ما يدفع البنوك المركزية لتثبيت أو رفع الفائدة، وهو ما يضغط سلباً على الذهب.

ومنذ عام 2021، ارتفع سعر الذهب بأكثر من 170%، محققاً عائداً متفوقاً مقارنةً بالعديد من فئات الأصول التقليدية. في عام 2026، شهد سوق الذهب تقلبات كبيرة، حيث ارتفع إلى ما يقارب 5400 دولار للأونصة في بداية العام، ثم تراجع ليعود ويرتفع فوق 5000 دولار للأونصة. وفي الجلسات الأخيرة، استمر سعر الذهب في التذبذب حول 4700 دولار للأونصة.

لماذا ارتفعت الأسعار؟

كان أحد أهم العوامل التي دعمت أسعار الذهب في السنوات الأخيرة هو نشاط الشراء الذي تقوم به البنوك المركزية، حيث تعمل الاقتصادات الكبرى والناشئة على زيادة احتياطياتها من الذهب لتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي. ولا تزال دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وروسيا من بين أكبر حائزي الذهب في العالم، إلا أن هذا التوجه الجديد ينبع من الأسواق الناشئة.

وتقوم دول مثل الصين والهند وبولندا والبرازيل بزيادة حيازاتها من الذهب كجزء من احتياطياتها من العملات الأجنبية، وتعد الصين، على وجه الخصوص، واحداً من أهم محركات الطلب العالمي على الذهب في الوقت الحاضر.

وفقاً لمسح أجراه مجلس الذهب العالمي، توقعت حوالي 95% من البنوك المركزية التي شملها المسح في عام 2025 أن تستمر حيازات الذهب العالمية في الزيادة، ولم يتوقع أي منها حدوث انخفاض.

يشير هذا إلى أن الذهب يعزز دوره كأصل احتياطي استراتيجي طويل الأجل، بدلاً من كونه مجرد أداة دفاعية قصيرة الأجل.

الصناديق المتداولة

ارتفعت حيازات الذهب العالمية في صناديق المؤشرات المتداولة إلى ذروة بلغت حوالي 111 مليون أونصة (عام 2020)، ثم انخفضت في السنوات اللاحقة قبل أن تتعافى إلى حوالي 100 مليون أونصة بحلول أوائل عام 2026، ما يشير إلى أن تدفقات الاستثمار في الذهب لا تزال دورية ولكنها تحافظ على ميلها للتعافي.

إلى جانب البنوك المركزية، يقوم المستثمرون الأفراد أيضاً بزيادة وجودهم في سوق الذهب، وذلك بشكل أساسي من خلال صناديق الاستثمار المتداولة والأدوات المالية.

تمتلك صناديق المؤشرات المتداولة التي تتبع أسعار الذهب حالياً ما يقارب 100 مليون أونصة من الذهب، أي ما يعادل حوالي 8% من الذهب الذي تحتفظ به البنوك المركزية. ولا يزال هذا الرقم أقل من الذروة المسجلة في عام 2020.

التوقعات

وتتجه توقعات بنوك الاستثمار العالمية لسعر الذهب في 2026 إلى مستويات غير مسبوقة، مع تحول المعدن الأصفر من أصل تحوطي تقليدي إلى رهان واسع على تفكك العلاقة القديمة بين الدولار والسندات الأمريكية والملاذات الآمنة، لكن صورة 2027 تبدو أقل تجانساً، فالبنك الدولي يتوقع تراجعاً متوسطاً للأسعار، بينما تترك بنوك وول ستريت الباب مفتوحاً أمام استمرار الصعود إذا استمرت مشتريات البنوك المركزية وتدفقت الأموال إلى صناديق الذهب.

ارتفع الذهب الفوري يوم الجمعة 8 مايو إلى نحو 4723 دولاراً للأونصة، متجهاً إلى مكسب أسبوعي، مع تراجع مخاوف التضخم بفعل آمال اتفاق سلام أمريكي إيراني وانخفاض أسعار الطاقة، وفق رويترز. هذا المستوى يضع السوق فعلياً داخل النطاقات التي كانت تعد قبل عام واحد سيناريوهات متطرفة، لكنه لا يزال دون أهداف أكثر البنوك تفاؤلاً لنهاية 2026.

بحسب بنك جيه بي مورغان، فإن أهم جانب في الذهب ليس قدرته على التنبؤ بالأسعار قصيرة الأجل، بل دوره في محفظة استثمارية طويلة الأجل.

على الرغم من أن السوق قد يشهد تصحيحات حادة على المدى القصير، إلا أن التحليلات تشير إلى أن الذهب لا يزال في اتجاه صعودي هيكلي، مدعوماً بالبنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية والضغوط المالية العالمية.

ومع ذلك، بدلاً من محاولة التنبؤ بالذروة أو القاع، يجادل المحللون بأنه من الأهمية بمكان تحديد دور الذهب في محفظة استثمارية.

جيه بي مورغان

يقدم جيه بي مورغان واحداً من أكثر السيناريوهات صعوداً بين المؤسسات الكبرى، إذ يتوقع وصول الذهب إلى 6300 دولار للأونصة بنهاية 2026.

ويربط البنك هذه الرؤية بطلب قوي من البنوك المركزية والمستثمرين، وخصوصاً مع استمرار تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الأصول الورقية والدولار، كما رفع البنك توقعه طويل الأجل لسعر الذهب بنسبة 15% إلى 4500 دولار للأونصة، ما يعني أن ذروة 2026 قد لا تكون مستوى مستداماً بالكامل على المدى الأطول، لكنها تعكس مرحلة استثنائية من الطلب والتحوط.

قراءة البنك لسوق 2026 تقوم على أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية لم يعد عاملاً ثانوياً، بل بات أحد محركات التسعير الرئيسة. وفي هذا السيناريو، لا يتحرك الذهب فقط بسبب توقعات خفض الفائدة، بل بسبب إعادة تقييم أوسع لدور المعدن كأصل احتياطي في عالم ترتفع فيه المخاطر الجيوسياسية والمالية.

«يو بي إس»

رفع بنك يو بي إس (UBS) هدفه لسعر الذهب إلى 6200 دولار للأونصة لمستويات مارس ويونيو وسبتمبر 2026، مقارنة بتوقع سابق عند 5000 دولار، لكنه يتوقع تراجعاً محدوداً إلى 5900 دولار بنهاية 2026، في إشارة إلى أن موجة الصعود قد تبلغ ذروتها خلال العام قبل أن يبدأ السوق بامتصاص جزء من علاوة المخاطر.

وأوضح يو بي إس أنه لا يبني رؤيته فقط على الطلب على الملاذات الآمنة، بل أيضاً على ما يسميه ضغوطاً مالية وسياسية في الولايات المتحدة، ومن بينها الانتخابات النصفية والمخاطر المرتبطة بالإنفاق العام.

ويضع البنك سيناريو صعودياً عند 7200 دولار وسيناريو هبوطياً عند 4600 دولار، ما يعكس اتساع نطاق عدم اليقين حول مسار الفائدة والدولار والجغرافيا السياسية.

«بنك أوف أمريكا»

يتمسك أوف أمريكا بهدف 6000 دولار للأونصة خلال 12 شهراً، وفق تحديث نشرته (Kitco) في الأول من مايو، هذا يجعل توقع البنك قريباً من رؤية JPMorgan وUBS، لكنه يصوغه على أفق زمني متحرك لا ينتهي بالضرورة في ديسمبر 2026.

يعتمد هذا السيناريو على استمرار الطلب الاستثماري، ومخاوف التضخم، والتوترات الجيوسياسية، إضافة إلى ضعف محتمل في الدولار إذا اقترب الاحتياطي الفدرالي من دورة تيسير نقدي. وبالمعنى التحريري، فإن بنك أوف أمريكا يرى الذهب كتحوط ضد ثلاثة مخاطر في وقت واحد هي التضخم، والحرب، وتراجع الثقة بالأصول الدولارية.

«غولدمان ساكس»

رغم صعوديته، يبدو بنك غولدمان ساكس (Goldman Sachs) أكثر تحفظاً من جيه بي مورغان ويو بي إس وبنك أوف أمريكا، فقد رفع البنك توقعه لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 5400 دولار للأونصة من 4900 دولار سابقاً، مستنداً إلى تنويع البنوك المركزية في الأسواق الناشئة والقطاع الخاص نحو الذهب.

وتوقع غولدمان ساكس يشير إلى استمرار الصعود، لكنه يفترض أن جزءاً كبيراً من موجة إعادة التسعير قد تحقق بالفعل بعد القفزات القوية في 2025 وبداية 2026، وهذا يجعله أقرب إلى سيناريو «صعود منضبط» لا «انفجار سعري»، مقارنة بتوقعات 6000 دولار وما فوق لدى بنوك أخرى.

«سيتي»

تقدم مجموعة سيتي (Citi) رؤية أكثر تدرجاً، فوفق تقارير سوقية نشرت في نهاية أبريل وبداية مايو الجاري، أبقى البنك على هدف 4300 دولار خلال 0 إلى 3 أشهر و5000 دولار خلال 6 إلى 12 شهراً، هذه الأرقام تجعل سيتي أقل تفاؤلاً من JPMorgan وUBS وبنك أوف أمريكا على أفق 2026.

ولدى سيتي سيناريو صعودي بديل يمنح احتمالاً بنحو 30% لوصول الذهب إلى 6000 دولار بحلول أواخر 2027 إذا حدثت إعادة توزيع عالمية كبيرة للثروة نحو المعدن.

ووفق هذا السيناريو، فإن السوق المادية للذهب ستكون صغيرة للغاية لاستيعاب تدفقات ضخمة من الأسر والمؤسسات، ما يفرض إعادة تسعير كبيرة للمعدن.

ولا يرى سيتي أن 6000 دولار هي الحالة الأساسية، لكنه يعدها نتيجة ممكنة إذا تحول الذهب من أصل تحوطي إلى وعاء رئيس لتخزين الثروة عالمياً.

البنك الدولي

بعيداً عن بنوك الاستثمار، يقدم البنك الدولي إطاراً أكثر تحفظاً، ففي تقرير آفاق أسواق السلع الصادر في أبريل 2026، قال إن أسعار المعادن النفيسة متوقعة أن ترتفع 5% إضافية في 2026 بعد قفزة تاريخية تقارب 40% في 2025، وأن الذهب والفضة والبلاتين مرشحة لتسجيل متوسطات سنوية قياسية في 2026.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الذهب قد يسجل متوسطاً مرتفعاً في 2026 قبل أن يتراجع في 2027، مع افتراض أن جزءاً من علاوة المخاطر الاستثمارية والجيوسياسية سيتلاشى تدريجياً، هذه الرؤية تجعل 2027 عاماً محتملاً للتصحيح لا لمواصلة القفزة، بخلاف السيناريو الصعودي لدى سيتي أو الأهداف المرتفعة لبنوك وول ستريت.

Advertisements

قد تقرأ أيضا