ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 17 مايو 2026 01:36 مساءً - في أعماق جبل متجمد في أرخبيل سفالبارد بالنرويج، وعلى عمق يتجاوز 100 متر داخل الصخر، تقع منشأة شديدة التحصين تُعرف عالميا باسم "المخبأ العالمي لبذور سفالبارد"، أو ما يُلقّب إعلاميا بـ"خزنة نهاية العالم"، حيث تُحفظ ملايين العينات من البذور الزراعية عند درجة حرارة ثابتة تبلغ -18 درجة مئوية، في إطار مشروع دولي يهدف إلى حماية الأمن الغذائي العالمي من مخاطر الحروب والكوارث الطبيعية والانهيارات التقنية.
الموقع، الذي تم افتتاحه في 26 فبراير 2008 في جزيرة سبيتسبيرغن، أكبر جزر أرخبيل سفالبارد التابع للنرويج، يقع في منطقة قطبية شديدة البرودة بين القارة الأوروبية والقطب الشمالي، وتحيط به طبقات من التربة الصقيعية (permafrost) التي تبقى متجمدة لفترات طويلة، ما يوفر بيئة طبيعية داعمة لعمليات الحفظ طويل الأمد.
وبحسب البيانات الرسمية للمنشأة، فإن تصميم المخبأ داخل الجبل يعتمد على صخور يتراوح سمكها بين 40 و60 مترا، ما يضيف طبقة حماية طبيعية ضد التغيرات المناخية والاضطرابات البيئية الخارجية، إلى جانب أنظمة تبريد صناعية تحافظ على استقرار درجة الحرارة عند -18 درجة مئوية، وهي درجة معتمدة عالميا في البنوك الجينية لضمان إبطاء تدهور البذور وإطالة عمرها الحيوي.
بنك احتياطي عالمي للبذور
يعمل "مخبأ سفالبارد العالمي للبذور" كنسخة احتياطية دولية للبنوك الجينية الوطنية والإقليمية، وليس بديلا عنها، حيث تحتفظ مؤسسات البحث الزراعي حول العالم بمخزونها الأساسي داخل بلدانها، بينما ترسل نسخا مكررة إلى سفالبارد تحسبا لفقدانها بسبب الحروب أو الكوارث أو الأعطال التقنية أو سوء الإدارة أو التغيرات المناخية الحادة.
وتخضع البذور قبل تخزينها لعمليات تجفيف دقيقة، ثم تُغلف في عبوات من الألومنيوم محكمة الإغلاق، وتُخزن داخل صناديق مُرقّمة ومصنفة بحسب الجهة المودِعة.
ووفق آلية التشغيل المعروفة بـ"نظام الصندوق الأسود"، تبقى هذه الصناديق مغلقة، ولا تقوم إدارة المخبأ بفتحها أو استخدامها، إذ تظل ملكيتها كاملة للجهة التي أودعتها، ولا يُسمح باسترجاعها إلا من قبلها.
سعة تخزينية تصل إلى 4.5 ملايين عينة
يتألف المخبأ من ثلاث قاعات رئيسية للتخزين، تبلغ سعة كل منها نحو 1.5 مليون عينة، ليصل إجمالي القدرة الاستيعابية إلى نحو 4.5 ملايين "عينة بذور"، وكل عينة، أو ما يُعرف تقنيا بـ"accession"، قد تحتوي على مئات البذور من صنف زراعي واحد.
وتضم المجموعة مخزونا واسعا من المحاصيل الأساسية عالميا، من بينها الأرز، والقمح، والشعير، والذرة، والفاصوليا، إضافة إلى أصناف أخرى من النباتات المزروعة أو البرية ذات القيمة الزراعية.
إدارة دولية وتمويل حكومي نرويجي
تم إنشاء المرفق بتمويل وإشراف الحكومة النرويجية، بينما تتولى إدارته وزارة الزراعة والأغذية النرويجية، إلى جانب "المركز النرويجي للموارد الجينية" (NordGen) ومنظمة Crop Trust الدولية المعنية بحماية التنوع الغذائي العالمي.
ويُعد اختيار موقع سفالبارد قرارا استراتيجيا قائما على عدة عوامل، أبرزها البرودة الطبيعية المستمرة، وبعد المنطقة عن التجمعات السكانية الكبيرة، إضافة إلى توفر بنية تحتية في مدينة لونغياربين، وهي المركز السكاني الرئيسي في الأرخبيل.
دور في الأمن الغذائي العالمي
تُعد البذور المخزنة جزءا من منظومة حفظ التنوع الجيني الزراعي، الذي يمثل أساس تطوير محاصيل قادرة على مقاومة الجفاف والأمراض والتكيف مع التغيرات البيئية. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن حفظ الموارد الوراثية النباتية عنصر أساسي في تعزيز الأمن الغذائي العالمي.
وتشير إدارة المخبأ إلى أن التهديدات التي تواجه البنوك الجينية حول العالم تشمل الحروب، وانقطاع الكهرباء، والفيضانات، والحرائق، والأعاصير، والتغيرات السياسية، إضافة إلى الأعطال التقنية.
استخدام فعلي خلال الحرب السورية
سُجل أول استخدام فعلي للمخبأ في عام 2015، عندما طلب "المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة" (إيكاردا) استرجاع عينات بعد تعطل بنك الجينات الخاص به في مدينة حلب نتيجة الحرب في سوريا.
وبحسب المعلومات المتاحة، لم يكن بالإمكان تشغيل المرافق السورية لإعادة إكثار أو توزيع البذور، ما استدعى اللجوء إلى النسخ الاحتياطية المحفوظة في سفالبارد، وقد استخدمت هذه البذور لاحقًا لإعادة إنشاء مجموعات زراعية في مراكز بحثية في لبنان والمغرب، قبل أن يعاود المركز إيداع نسخ جديدة في المخبأ ضمن عملية إعادة بناء أرشيفه الوراثي.
بنية تحتية عالية الحماية
تضم المنشأة ثلاث قاعات تخزين ضخمة، وتُرتب العينات داخل رفوف معدنية وفق تصنيف دقيق يشمل الجهة المودِعة ونوع المحصول، وتتم عمليات الاستلام خلال فترات محددة تُعلن عدة مرات سنويا، مع إمكانية فتح استثنائي عند الحاجة.
كما خضع المخبأ بين عامي 2016 و2019 لأعمال تحسين وتطوير بعد تسجيل تسربات مائية في منطقة المدخل، شملت تعزيز العزل المائي لنفق الدخول وتحديث أنظمة التبريد، بهدف رفع جاهزية المنشأة لمواجهة تغيرات مناخية محتملة وزيادة معدلات الرطوبة.
يمثل "مخبأ بذور سفالبارد" اليوم أحد أكثر المشاريع العلمية طموحا على مستوى العالم في مجال حفظ التنوع البيولوجي الزراعي، بوصفه شبكة أمان عالمية صامتة تُخزَّن فيها مكونات أساسية من مستقبل الغذاء البشري، بعيدا عن تقلبات السياسة والمناخ والكوارث.
