حال المال والاقتصاد

مراكز البيانات.. الوقود الخفي لاقتصاد الإمارات الرقمي

  • مراكز البيانات.. الوقود الخفي لاقتصاد الإمارات الرقمي 1/2
  • مراكز البيانات.. الوقود الخفي لاقتصاد الإمارات الرقمي 2/2

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 10 يونيو 2026 12:51 صباحاً - في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي لم تعد فيه الثروات تُقاس بالموارد الطبيعية فقط، بل بالبيانات التي باتت تُوصف بأنها «النفط الجديد»، يمكننا القول بثقة إن باتت من أغنى الدول من هذا المنظور؛ بانتشار أكثر من 35 مركز بيانات فيها ولديها قيد الإنشاء والتخطيط خلال الفترات المقبلة نحو 81 مركزاً، مدعومة باستثمارات تُقدَّر بمليارات الدولارات في البنية التحتية الرقمية.

وتختلف تكلفة تخزين البيانات تبعاً لمستوى حساسيتها وأهميتها، مع تصاعد الحاجة إلى استثمارات أكبر في الأمن السيبراني والبنية التشغيلية لضمان موثوقيتها واستدامتها.

وكانت دراسة صادرة عن مؤسسة «ريسرش آند ماركتس» قد كشفت أن سوق مراكز البيانات في الإمارات ينمو بوتيرة سريعة، ويُتوقع أن تتجاوز قيمته 3.3 مليارات دولار بحلول عام 2030. ولفتت الدراسة إلى أن الدولة تشهد نمواً بمعدل سنوي مركّب يقارب 18% في سوق مراكز البيانات.

ومع نهاية 2023، كان لدى الإمارات 235 ميجاوات من سعة مراكز البيانات، وفقاً لتقرير شركة «دي سي بايت» البريطانية، مع التخطيط لزيادة هذه السعة بمقدار 343 ميجاوات، خلال الأعوام القليلة المقبلة.

اقتصاد بيانات الذكاء الاصطناعي

في البداية يقول طارق مسعود، مدير عام «سنوفلايك» في الإمارات: «إنه مع توقع وصول حجم اقتصاد الذكاء الاصطناعي في الدولة إلى 170 مليار دولار بحلول عام 2030.

فإن المساهمة المالية في الناتج المحلي الإجمالي لن تأتي من نماذج الذكاء الاصطناعي وحدها، بل من مدى كفاءة توظيف البيانات لتغذية هذه النماذج على نطاق واسع؛ فالذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون أفضل من جودة البيانات التي يعتمد عليها».

وأضاف: «من دون منصة آمنة، ومركزية، وتخضع لحوكمة واضحة، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي تواجه صعوبة في تقديم نتائج دقيقة وذات قيمة، أو في إنتاج رؤى معمقة يمكن أن تعود بالنفع على المؤسسات من خلال ابتكار منتجات جديدة، وتحسين تجربة العملاء.

وتعزيز إنتاجية الموظفين. وترسيخ الأسس الصحيحة اليوم يتيح للمؤسسات في الإمارات الانتقال من مرحلة التجربة إلى تطبيقات عملية ملموسة تحقق عائداً واضحاً على الاستثمار، وتضمن بقاء الدولة في موقع تنافسي ضمن سباق عالمي متسارع نحو الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي».

وأوضح مسعود أن البيانات شديدة الحساسية، مثل السجلات المالية والمعلومات الصحية والبيانات الحكومية، تتطلب مستويات عالية من الحماية، تشمل التشفير وضوابط الوصول والمراقبة المستمرة والامتثال للأطر التنظيمية المعتمدة، وتؤدي هذه المتطلبات إلى أعباء تشغيلية إضافية؛ ما يرفع التكاليف إذا ما تم تطبيقها بشكل موحد على جميع أنواع البيانات من دون تمييز.

غير أن تصنيف البيانات وفق درجة حساسيتها وتطبيق الضوابط المناسبة لكل فئة هو النهج الأكثر كفاءة؛ إذ يتيح للمؤسسات حماية البيانات الحيوية بشكل صارم، مع تجنب التكاليف غير الضرورية للبيانات منخفضة المخاطر. والبنى الحديثة للبيانات تدعم هذا النهج من خلال فصل التخزين عن المعالجة، وتفعيل الحوكمة القائمة على السياسات على مستوى البيانات نفسها.

وأضاف: «هناك آليات لحماية البيانات الرقمية وإنشاء نسخ احتياطية لها، وتعتمد بيئات البيانات الحديثة على طبقات متعددة من الحماية لضمان أمن المعلومات واستمرارية الأعمال؛ ففي الأساس يتم تشفير البيانات، سواء في أثناء التخزين أو في أثناء نقلها؛ ما يمنع الوصول غير المصرح به حتى في حال تعرض الأنظمة للاختراق.

كما تقيّد ضوابط الوصول القائمة على الهوية من يمكنه الاطلاع على البيانات أو تعديلها، في حين توفر أدوات التسجيل والمراقبة رؤية واضحة لكيفية استخدام البيانات.

وإلى جانب الأمان تبرز أهمية المرونة والجاهزية للتعافي؛ إذ تضمن النسخ الاحتياطية المؤتمتة، وإمكانية الاستعادة في نقاط زمنية محددة، ونسخ البيانات عبر مناطق جغرافية متعددة، استرجاع البيانات بسرعة في حال حدوث أعطال تقنية أو هجمات سيبرانية أو إخفاقات تشغيلية. وتسهم هذه الآليات في تقليص فترات التوقف وحماية المؤسسات من فقدان البيانات بشكل نهائي».

تنافسية الاقتصاد الحديثة

أما أويس محمد، مدير إدارة «ويسترن ديجيتال» بالهند والشرق الأوسط وأفريقيا، فيؤكد أن جمع البيانات الدقيقة والمنظمة بات عاملاً محورياً في تعزيز تنافسية الاقتصادات الحديثة.

مشيراً إلى أن الإمارات تبرز اليوم كمركز رئيسي للتحول في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى الشرق الأوسط، في ظل المشروعات الرقمية الواسعة التي تنفذها.

وأوضح أن التوسع في مشروعات التحول الرقمي وبناء مراكز البيانات وتطوير المدن الذكية يؤدي إلى توليد كميات هائلة يومياً من البيانات، التي تمثل الأساس الذي تقوم عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي كافة.

وأضاف: هذا ما يفسر انتشار المقولة التي تصف البيانات بأنها «النفط الجديد» مع الأخذ في الاعتبار أن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في توافر البيانات، بل في القدرة على تخزينها وإدارتها وتحليلها بكفاءة.

وتشكل حلول التخزين العمود الفقري للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي؛ إذ لا يمكن لأي منظومة ذكاء اصطناعي أن تعمل من دون بنية تخزين قوية وموثوق بها، وتقوم تقنيات التخزين الحديثة اليوم بدور مماثل للبراميل التي تحفظ النفط، بما يسمح بالاستفادة منه لاحقاً وتحويله إلى قيمة اقتصادية.

وتابع أويس: توجُّه الإمارات نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يعكس نهجها المستمر في تبني القطاعات المستقبلية، وقد نجحت سابقاً في الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة، وهي اليوم تسعى إلى تحقيق قيمة اقتصادية جديدة عبر الاستثمار في التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي؛ ما يعزز موقعها التنافسي على المستوى العالمي.

أما عن تكاليف التخزين الرقمي، أوضح أويس أنها تختلف باختلاف عدة عوامل؛ أبرزها حجم البيانات، وطبيعة الأحمال التشغيلية، ومستوى الأمان والحماية المطلوبين.

إضافة إلى حجم الاستثمار الذي ترغب المؤسسات في تخصيصه للبنية التحتية الرقمية. وبيّن أن تحسين كفاءة التخزين يمكن أن يحقق وفورات ملموسة، وعند نقل مشروع بحجم «بيتابايت» واحد من استخدام أقراص بسعة 26 «تيرابايت» إلى أقراص بسعة 32 تيرابايت، يمكن تقليل البصمة التشغيلية بنسبة تصل إلى نحو 18%، وهذا ما ينعكس بدوره على تقليل استهلاك الطاقة ومتطلبات التبريد وتكاليف التشغيل الإجمالية.

واختتم أويس بقوله: «تتوافر آليات النسخ الاحتياطي للبيانات وتأمينها بمستويات متعددة، وتختلف تكلفتها بحسب طبيعة الاستخدام ومتطلبات الحماية والامتثال، وتوفر الشركات المتخصصة حلولاً شاملة تلبي احتياجات المؤسسات الكبيرة وكذلك المستخدمين الأفراد».

الاستقلالية التكنولوجية

في حين يرى بريم أناند فيلوماني، المدير المساعد للتحالفات الاستراتيجية في «زوهو» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا: «تواصل الإمارات ضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية، ضمن رؤيتها الاستراتيجية بعيدة المدى لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للابتكار واقتصاد رقمي رائد.

وترتكز هذه الرؤية على أطر وطنية محورية مثل «استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031» و«الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني»، اللتين تضعان الأسس لتطوير بنية تحتية رقمية آمنة ومتقدمة ومحصّنة ضد تحديات المستقبل».

وتابع: «هذه الاستثمارات تدعم سعي الإمارات لتحقيق الاستقلالية التكنولوجية، إلى جانب تعزيز مبادئ السيادة الرقمية وتقوية منظومة الأمن السيبراني، كما تُمكن الشركات في جميع أنحاء الدولة من تبني تقنيات متقدمة قائمة على الذكاء الاصطناعي بثقة وأمان».

وأضاف: «تُعد البيانات بمثابة شريان الحياة للذكاء الاصطناعي، والطريقة التي يتم بها جمع هذه البيانات وتنقيحها وتنظيمها وتحليلها تلعب دوراً حاسماً في جودة مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وتزداد أهمية هذا الأمر في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والطاقة والخدمات المالية، وهي قطاعات تُعد فيها الدقة والكفاءة من المتطلبات الأساسية التي لا تحتمل التهاون، وتشكل في مجملها ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي للدولة، وبالتالي فهي تمثل عصب الاقتصاد».

تخزين البيانات

ويقول فيلوماني: «تختلف تكلفة تخزين البيانات الرقمية تبعاً لمستوى الحساسية ومتطلبات الحماية، إذ تعتمد على نوعية الخوادم، وجدران الحماية وغيرها من العوامل المرتبطة بالبنية التحتية مثل الأجهزة والبرمجيات؛ فكلما زادت الحاجة إلى حماية أعلى ارتفعت التكلفة تبعاً للأنظمة الأمنية والتقنية المطلوبة لضمان سلامة البيانات وسريتها.

وهناك آليات لتأمين البيانات الرقمية، بينما يتم حفظ البيانات المؤرشفة في نوع مختلف من أنظمة التخزين. ومع ذلك فإن مستوى الحماية والأمن متطابق لكلٍّ من الخوادم الأساسية وخوادم النسخ الاحتياطي، مع مراعاة الالتزام بتطبيق أعلى معايير الأمن، وأخذ نسخ احتياطية منتظمة من البيانات، مع الاحتفاظ بعدة نسخ منها لضمان أعلى درجات الاعتمادية واستمرارية الخدمة».

الذكاء الاصطناعي

وتوجهت «حال الخليج» بالأسئلة إلى بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي حول الجهود التي وصلت إليها دولة الإمارات في مجال البيانات والاقتصاد الرقمي، فأجابت: الإمارات لا تبدو وكأنها تستثمر في قطاع تقني عابر، بل تبني أحد أهم مقومات الاقتصاد العالمي الجديد.

ومن وجهة نظري، إذا حافظت الإمارات على وتيرة الاستثمار الحالية في الطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني، فإنها قد تصبح خلال السنوات العشر المقبلة من بين أبرز 10 مراكز عالمية في مجال البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.

كما أتوقع أن ترتفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، مع إمكانية اقترابها من 30% بحلول 2040. وفي المقابل، قد تتجاوز الاستثمارات التراكمية المرتبطة بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية عشرات المليارات من الدولارات خلال العقد المقبل.

والأهم من ذلك أن الإمارات تمتلك ميزة تنافسية يصعب تكرارها في المنطقة، تتمثل في الجمع بين الطاقة منخفضة التكلفة، والموقع الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، وسرعة تنفيذ المشروعات، والبيئة التنظيمية الداعمة للاستثمار.

لذلك أرى أن الرهان الإماراتي اليوم ليس على مراكز البيانات فقط، بل على بناء اقتصاد جديد تكون فيه البيانات والقدرات الحاسوبية والذكاء الاصطناعي من أهم الأصول الاقتصادية المولدة للنمو والثروة خلال العقود المقبلة.

الإمارات تخطط لزيادة سعة مراكز البيانات بمقدار 

170

مليار دولار حجم اقتصاد الذكاء الاصطناعي بحلول 2030

18 %

نمواً سنوياً مركباً تشهده الدولة في سوق مراكز البيانات

35

مركزاً قائماً و81 قيد الإنشاء لدعم قفزة الذكاء الاصطناعي

30 %

مساهمة متوقعة للاقتصاد الرقمي في ناتج الإمارات بحلول 2040

بريم أناند فيلوماني:

الإمارات تواصل ضخ المليارات لتأمين عصب التكنولوجيا الحديثة

أويس محمد:

الذكاء الاصطناعي يقود الطفرة التنافسية الجديدة للإمارات

طارق مسعود:

تصنيف البيانات الذكي يحمي المعلومات الحساسة ويخفض التكاليف التشغيلية

الذكاء الاصطناعي:

الإمارات تبني أحد أهم مقومات الاقتصاد العالمي الجديد

Advertisements

قد تقرأ أيضا