ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 16 مايو 2026 11:36 صباحاً - في الإمارات، لا يُقاس الكرك بحجم الكوب، بل بحجم حضوره، هو مشروب صغير في السعر، كبير في الانتشار، يبدأ من كافتيريا على زاوية شارع، ويمر عبر نوافذ السيارات، ويدخل المجالس والمكاتب والمقاهي الحديثة.
وبينما يبدو في ظاهره مجرد شاي بالحليب والبهارات، يكشف عند النظر إليه اقتصادياً عن نموذج مصغر لاقتصاد استهلاكي يومي: طلب متكرر، سعر منخفض، دوران سريع، وسلسلة توريد تمتد من الشاي والحليب والسكر والبهارات إلى التغليف والعمالة والتوصيل.
ولا يمكن فصل الكرك عن الثقافة اليومية في دبي، فالإمارة، بما تتمتع به من حركة دائمة وتنوع مجتمعي واسع، جعلت من هذا المشروب لغة اجتماعية مشتركة، يستقطب المواطنين والمقيمين والسياح على حد سواء، ليصبح قاسماً مشتركاً يجمع كافة شرائح المجتمع وأطيافه تحت مظلة استهلاكية واحدة.
وفي هذا المشهد اليومي، يعكس الكرك طبيعة الإمارات كمساحة تلتقي فيها الثقافات، وتتحول فيها العادات الوافدة إلى جزء من الهوية المحلية.
اقتصاد الكرك
قوة الكرك اقتصادياً تبدأ من كونه منتجاً يومياً لا يحتاج إلى مناسبة، فهو ليس مشروباً موسمياً، ولا سلعة فاخرة، بل عادة يومية منخفضة السعر وعالية التكرار.
وفي دبي، تتراوح أسعار كوب الكرك غالباً بين درهم واحد و5 دراهم، بحسب موقع الكافتيريا أو المقهى، وحجم الكوب، وطريقة التقديم، والإضافات مثل الزعفران أو النكهات الخاصة.
ومن هذا النطاق السعري، يمكن اعتماد 2.5 درهم كمتوسط عملي للإيرادات التي صنعت الفرق بين الكافتيريات الشعبية والمقاهي الحديثة.
وهنا تحديداً تتحول العادة إلى اقتصاد: كوب واحد بسعر بسيط قد يبدو محدود الأثر، لكن تكراره يومياً في آلاف نقاط البيع يجعله جزءاً من حركة استهلاكية واسعة.
وفي دبي، لا تقتصر القاعدة الاستهلاكية على السكان المقيمين فقط، إذ تشير بيانات مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء إلى أن عدد السكان النشطين في الإمارة خلال ساعات الذروة النهارية يصل إلى نحو 5.94 ملايين فرد، بما يشمل السكان والعاملين القادمين من خارج الإمارة والزوار والحركة اليومية.
قوة شرائية
في سياق رصد الواقع التشغيلي لهذا المشروب الشعبي، أجرت «حال الخليج» استطلاعاً ميدانياً خاصاً شمل عينة من أبرز نقاط بيع الكرك في مناطق حيوية بدبي، حيث كشفت البيانات المحصودة عن مستويات استهلاك لافتة، تؤكد أن الكرك لم يعد مجرد مشروب يومي، بل نشاط اقتصادي قائم على حجم مبيعات كبير وسرعة دوران عالية.
ففي منطقة الورقاء، رصد استطلاع «حال الخليج» تصدر كافتيريا «كوخ الشاي» بمعدلات بيع تتراوح بين 2500 و3000 كوب يومياً، بينما يحافظ «بيت الشاي» في جميرا على زخم ثابت يصل إلى 3000 كوب على مدار اليوم.
كما أظهر الاستطلاع تباين فترات الذروة بين المناطق ونقاط البيع، إذ تحقق كافتيريا «دانة الشاي» مبيعات تصل إلى 2000 كوب في فترة العصر، ويسجل «لايك تي» رقماً مماثلاً في الفترة المسائية، في حين تتراوح مبيعات نقاط أخرى مثل «بيت الشاي الأصيل» و«شباب الشاي» بين 400 و1000 كوب يومياً.
5,240 رخصة
واستناداً إلى هذه المؤشرات الميدانية، وبالربط مع قاعدة بيانات الرخص النشطة تحت فئة «مقهى وكافتيريا» في دبي، والبالغ عددها نحو 5240 رخصة وفق بيانات دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي عبر منصة «دبي الرقمية»، يمكن تقدير حجم استهلاك الكرك في الإمارة بنحو 15.72 مليون كوب يومياً، بناءً على وسيط مبيعات يومية يبلغ نحو 3000 كوب لكل منفذ.
39.3 مليون درهم يومياً
وعند احتساب متوسط سعر يبلغ 2.5 درهم للكوب، ضمن نطاق سعري يتراوح غالباً بين درهم واحد و5 دراهم، فإن هذا النشاط يحقق مبيعات نقدية يومية تقارب 39.3 مليون درهم.
ولا تكمن أهمية الرقم في قيمة الكوب الواحد، بل في سرعة دورانه وتكرار الطلب عليه، فالكرك نموذج لمنتج شعبي منخفض السعر، لكنه يتحول عبر الكثافة والاستهلاك اليومي إلى نشاط اقتصادي واسع.
وعلى أساس شهري، تعني هذه الوتيرة بيع 471.6 مليون كوب، بإيرادات تصل إلى 1.18 مليار درهم.
أما سنوياً، فيرتفع الرقم إلى 5.74 مليارات كوب، بقيمة تبلغ 14.34 مليار درهم.
ووفق هذه القيم التقديرية، لا يظهر الكرك كسلعة هامشية، بل كجزء من اقتصاد يومي قائم على الكافتيريات، والطلب السريع، وسلوك استهلاكي متكرر.
ويتحرك هذا النشاط داخل بيئة غذائية واسعة ومنظمة، إذ كشفت بلدية دبي أن ما يقارب 90% من واردات الأغذية والمشروبات المتجهة إلى الدولة تمر عبر دبي، ما يعكس موقع الإمارة كمركز رئيسي لتجارة الأغذية وسلاسل الإمداد.
وهنا لا يعود الكرك مجرد كوب يباع من نافذة كافتيريا، بل يصبح جزءاً من دورة اقتصادية كاملة، فكل كوب يعتمد على الشاي والحليب والسكر والهيل والبهارات والأكواب والتغليف والطاقة والعمالة وخدمات التوصيل.
لذلك، فإن أثره لا يقف عند دخل الكافتيريا، بل يمتد إلى مورّدين وشركات توزيع وعمالة وخدمات لوجستية تتحرك يومياً حول هذا الطلب المتكرر.
مليارات الدراهم
وتظهر أهمية الشاي، بوصفه المكوّن الأساسي للكرك، من أرقام التجارة، ففي 2023، استوردت الإمارات شاياً بقيمة 221 مليون دولار وبكمية بلغت 73.4 مليون كيلوغرام، فيما صدّرت في العام نفسه شاياً بقيمة 482.5 مليون دولار وبكمية بلغت 63.1 مليون كيلوغرام.
وباحتساب سعر صرف الدرهم المرتبط بالدولار عند 3.6725 دراهم للدولار، تعادل واردات الشاي نحو 812 مليون درهم، بينما تعادل الصادرات نحو 1.77 مليار درهم.
وهكذا يتحول الشاي من مكوّن بسيط في كوب يومي إلى جزء من حركة أوسع تشمل الاستيراد والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، وداخل هذا السوق، يحتفظ الكرك بميزة مختلفة: فهو ليس منتجاً فاخراً ولا تجربة موسمية، بل مشروب يومي منخفض السعر، عالي التكرار، وقريب من مختلف فئات المستهلكين.
دور السياحة
ويمنح القطاع السياحي الكرك بعداً إضافياً، فقد استقبلت دبي 18.72 مليون زائر دولي في 2024، بنمو 9% مقارنة بعام 2023، وفق بيانات دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي.
وبينما يبحث السائح عن تجارب محلية سهلة الوصول، يبرز الكرك كمنتج بسيط ومباشر: كوب صغير يمكن تجربته في دقائق، لكنه يحمل معه صورة من الحياة اليومية في الإمارات.
منتج ثقافي
هنا يتحول الكرك من مشروب يومي إلى «منتج ثقافي قابل للتسويق»، فكما تحولت القهوة العربية إلى رمز للضيافة، وكما أصبحت بعض الأطباق المحلية جزءاً من تجربة الزائر، أصبح الكرك حاضراً في الذاكرة البصرية للمدن الإماراتية.
ومع أن جذور الكرك مرتبطة بثقافة الشاي في جنوب آسيا، فإن الإمارات أعادت تشكيله اجتماعياً واقتصادياً، فقد انتقل من مشروب وافد إلى عادة محلية وعلامة ثقافية يعرفها المقيم والسائح، وهذا لا يقلل من إماراتية التجربة، بل يشرح كيف تتكوّن الثقافة في الإمارات: عبر التفاعل، والتبنّي، وإعادة الصياغة.
أثر كبير
الكرك ليس فقط مشروباً ساخناً، بل نموذج اقتصادي صغير يشرح جانباً من الإمارات نفسها: اقتصاد مفتوح، متعدد الثقافات، سريع الحركة، وقادر على تحويل التفاصيل اليومية إلى فرص تجارية.
كوب الكرك قد لا يبدو كبيراً في اليد، لكنه في السوق أكبر مما يبدو.
أخبار متعلقة :