ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 16 مايو 2026 10:36 صباحاً - تعكس زيارة ناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عمق العلاقات الاستراتيجية والشراكة المتنامية بين البلدين الصديقين، في ظل التطور المتسارع الذي تشهده علاقات البلدين على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتقنية.
وقال الدكتور سليمان الجاسم رئيس جامعة الفجيرة، إن العلاقات الإماراتية الهندية تمضي نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى دولة الإمارات، والتي تعكس عمق العلاقات الثنائية ومتانتها على المستويات السياسية والاقتصادية والتقنية.
وأوضح الجاسم أن المؤشرات الحالية تؤكد أن العلاقات بين البلدين تجاوزت إطار التعاون الاقتصادي التقليدي، لتتجه خلال السنوات المقبلة نحو بناء تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد، يقوم على المصالح المشتركة، والتكامل في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والابتكار والاستقرار الإقليمي.
وأشار إلى أن الزيارات المتكررة لرئيس الوزراء الهندي إلى الإمارات تعكس المكانة المحورية التي باتت تحظى بها الإمارات في السياسة الهندية تجاه منطقة الشرق الأوسط، كما تؤكد حرص قيادتي البلدين على ترسيخ نموذج حديث للعلاقات الدولية، قائم على التوازن والتعاون والمصالح المتبادلة.
وأضاف أن الإمارات رسخت مكانتها كأحد أبرز الشركاء التجاريين للهند في المنطقة، فيما تمثل الهند سوقاً استراتيجية مهمة للاستثمارات الإماراتية، لافتاً إلى أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، أسهمت في تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة التقليدية والمتجددة، والتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والصناعات الدوائية.
وأشار الجاسم إلى أن أبوظبي ونيودلهي تدركان أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، وحماية المصالح الحيوية المشتركة، في وقت يشهد فيه العالم تحديات جيوسياسية واقتصادية متزايدة.
ولفت إلى أن التعاون التقني بين الإمارات والهند، يمثل أحد أبرز مسارات الشراكة المستقبلية، خصوصاً مع توجه الإمارات لترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، مقابل ما تمتلكه الهند من قاعدة بشرية وتقنية متقدمة، متوقعاً توسع التعاون خلال السنوات المقبلة في مجالات التعليم الذكي والمدن الذكية والأمن السيبراني والخدمات الحكومية الرقمية والبحث العلمي والابتكار.
كما أشاد بالدور الحيوي الذي تؤديه الجالية الهندية في الإمارات، في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً أن نموذج التسامح والتعايش والانفتاح الثقافي الذي تتبناه الدولة أسهم في ترسيخ العلاقات الإنسانية والثقافية بين الشعبين على مدى عقود.
علاقات راسخة
وأكد الدكتور سالم زايد الطنيجي محاضر بالجامعة القاسمية، والمتخصص في الدراسات الاجتماعية الإماراتية، أن العلاقات الإماراتية الهندية تمثل نموذجاً متقدماً للشراكات الاستراتيجية التي نجحت في الجمع بين العمق التاريخي والمصالح الاقتصادية والتنموية المشتركة، مشيراً إلى أن مسار التعاون بين البلدين، شهد خلال السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.
وأوضح الطنيجي أن المرحلة الحالية أسهمت في ترسيخ نهج يقوم على تعزيز الشراكات الدولية الفاعلة، وبناء علاقات متوازنة، تخدم التنمية والاستقرار، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على مسار العلاقات الإماراتية الهندية، التي توسعت لتشمل مجالات حيوية واستراتيجية متعددة.
وأشار إلى أن الإمارات والهند ترتبطان بعلاقات اقتصادية متينة، عززتها حركة التجارة والاستثمار المتبادل، حيث شهد حجم التبادل التجاري بين البلدين نمواً متواصلاً خلال الأعوام الماضية، ما أسهم في ترسيخ مكانة الإمارات كشريك اقتصادي رئيس للهند على مستوى المنطقة، إلى جانب كونها مركزاً تجارياً واستثمارياً مهماً يربط الأسواق الآسيوية بالأسواق الإقليمية والعالمية.
وأضاف الطنيجي أن التعاون بين البلدين لم يعد مقتصراً على القطاعات التقليدية، بل امتد ليشمل مجالات مستقبلية ترتبط بالاقتصاد الجديد والتنمية المستدامة، مثل الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا المالية والابتكار والتحول الرقمي، وهي قطاعات تعكس الرؤية المشتركة للبلدين نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعاً واستدامة خلال العقود المقبلة.
جذور تاريخية
من جانبه، يرى الدكتور سيف البدواوي المؤرخ والباحث في تاريخ الخليج العربي، أن العلاقات بين دولة الإمارات والهند، تمتد عبر قرون طويلة من التواصل التجاري والإنساني، مشيراً إلى أن الأرشيفات الهندية، لا سيما في مومباي ونيودلهي وجوا، تضم سجلات ووثائق مهمة، توثق جانباً كبيراً من تاريخ الخليج العربي وروابطه التاريخية مع شبه القارة الهندية، منذ بدايات القرن السادس عشر.
وأوضح أن الروابط بين الجانبين لم تقتصر على العلاقات الرسمية، بل تجلت كذلك في حركة التجارة والاستقرار المتبادل، حيث اتخذ عدد من تجار الخليج من بومباي مركزاً لنشاطهم التجاري عبر عقود طويلة، في ظل ما شهدته المنطقة من تواصل اقتصادي وثقافي مستمر.
وأضاف أن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، تعززت منذ القرن الثامن عشر، من خلال النشاط التجاري الواسع لتجار الهند على سواحل الخليج العربي، حيث ازدهرت تجارة اللؤلؤ والتمور، مقابل المنسوجات والبهارات والسلع الهندية، كما استُخدمت الروبية الهندية ثم روبية الخليج كعملة متداولة في الإمارات المتصالحة حتى عام 1966.
وأشار البدواوي إلى أن الهند شكلت كذلك وجهة علاجية معروفة لأهالي الخليج، قبل تطور الخدمات الطبية الحديثة في المنطقة، مؤكداً أن العلاقات الإماراتية الهندية شهدت تطوراً كبيراً في عهد القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أسهم في ترسيخ أسس التعاون والشراكة الحديثة بين البلدين.
شراكة متجددة
وأكد الدكتور شيمال كاتاريا عميد كلية السياسات العامة في جامعة الشارقة، أن العلاقات بين دولة الإمارات والهند، تُعد من أكثر العلاقات الدولية تماسكاً وتطوراً، نظراً لما تقوم عليه من شراكات اقتصادية واستراتيجية وثقافية متجذرة عبر سنوات طويلة من التعاون المشترك.
وأشار إلى أن الجالية الهندية في الإمارات، والتي يبلغ عددها نحو 4.5 ملايين شخص، أسهمت بشكل فاعل في مسيرة التنمية والازدهار التي تشهدها الدولة، ولا تزال تلعب دوراً مهماً في دعم مختلف القطاعات الحيوية.
وأوضح أن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، تأتي في مرحلة دقيقة ومهمة، الأمر الذي يعكس تنامي مستوى التنسيق والتواصل السياسي والاستراتيجي بين البلدين. وأضاف أن التوترات الإقليمية الراهنة، لا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز، ألقت بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي أثر بشكل مباشر في الهند، باعتبارها من أكبر الدول المستوردة للطاقة، حيث تعتمد على الاستيراد لتغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية والغازية.
وبيّن أن انسحاب الإمارات من منظمة «أوبك» في أواخر أبريل يمثل فرصة استراتيجية مهمة، تتيح لأبوظبي مرونة أكبر في زيادة إنتاج النفط بصورة مستقلة، بما يعزز المصالح الاقتصادية المشتركة مع الهند، ويدعم الشراكة الشاملة بين الجانبين، إلى جانب رفع الأهمية الاستراتيجية لميناء الفجيرة، باعتباره مركزاً محورياً للطاقة والخدمات اللوجستية خارج نطاق التوترات البحرية.
وأكد أن العلاقات الإماراتية الهندية لم تعد تقتصر على الاقتصاد والطاقة فقط، بل امتدت لتشمل مجالات الدفاع والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب، في ظل وجود مصالح مشتركة، ورؤية متقاربة لتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التقارب والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات الحيوية.
تعزيز التعاون
إلى ذلك، أكد الدكتور عبدالرحمن أحمد عبدالرحمن أستاذ مشارك بقسم العلاقات الدولية في جامعة الشارقة، أن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى دولة الإمارات، تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واستراتيجية مهمة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، والتحديات الاقتصادية التي يشهدها العالم حالياً.
وأوضح أن الزيارة من شأنها تعزيز التعاون الثنائي في عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمها أمن الطاقة، لافتاً إلى أن الإمارات باتت من أبرز الشركاء التجاريين للهند على مستوى المنطقة.
وأشار إلى أن العلاقات المتنامية بين البلدين تعكس مستوى متقدماً من الشراكة الاستراتيجية، مدعومة بالعلاقات الوثيقة، بما يؤكد حرص الجانبين على تبنّي نهج دبلوماسي قائم على الاستقرار والتعاون العملي. وأضاف أن توقيت الزيارة يكتسب أهمية خاصة، في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يمنح ملفات الأمن البحري وحماية خطوط التجارة والطاقة أولوية كبيرة في النقاشات الثنائية.
وأكد أن الإمارات تواصل ترسيخ مكانتها كحلقة وصل استراتيجية بين آسيا والشرق الأوسط والأسواق العالمية، فيما تعكس الزيارة في الوقت ذاته توجه الهند نحو توسيع شراكاتها مع القوى الخليجية الرئيسة، ضمن بيئة دولية متعددة الأقطاب.
