الفحم.. القائد الحقيقي للثورة الصناعية

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 22 يونيو 2026 05:51 صباحاً - عندما كان نيوتن جالساً تحت شجرة سقطت منها ثمرة، اكتشف قانون الجاذبية الذي غيّر مجرى العلوم، لا سيما الفيزياء.. بالطريقة نفسها جاء اكتشاف الإنسان للفحم؛ الكنز الأسود الذي انتقلت أهميته للبشرية من الطهي إلى الصناعة وامتدت حتى إلى الفن، وفي مجال السياسة مثّل دوراً محورياً في الحروب، كما هي الحال دائماً في تعامل الدول الاستعمارية مع ثروات الشعوب الضعيفة.

Advertisements

إضافة إلى ظهور «زعماء» سياسيين خرجوا من بين عمال مناجم الفحم، وآخرين تزعموا الدعوة إلى تقنين استعمال تلك الثروة التي تهدد سلامة البيئة وتنذر بانتشار الأمراض وتتسبب في الاحتباس الحراري في الأرض كلها.

الحضارة الإنسانية

يتزامن تاريخ الفحم مع تاريخ الحضارة الإنسانية كلها، فقد كانت بداية اكتشافه مع حياة الإنسان الأول في الكهوف، سواء في أوروبا وأفريقيا، حيث اكتشف النار، وصار يجمع جذوع الأشجار الجافة ويجلبها إلى داخل الكهف ليتدفأ بها هو وعائلته ورفاقه ويطهو عليها ما اصطاده من الحيوانات البرية. وذات ليلة ليست معلومة بالضبط ولا مؤرخة.

وبعد أن خمدت النار، عثر أحدهم على جذع شجرة مدفوناً تحت الرماد «متفحماً» لكنه كان أكثر توهجاً وحرارة ونقاءً.. هكذا، وبالمصادفة البحتة اكتشف الإنسان الفحم، الذي نتج عن حرق الخشب في مكان منخفض الأوكسجين، قبل أن يدرك بالأساس ما معنى الأوكسجين، ومع انتقال المجموعات البشرية من حياة الترحال والصيد إلى مجتمع مستقر بفضل الزراعة كان الفحم على موعد مع كتابة فصول مهمة من تاريخ وحضارة الإنسان.

يقول علماء الحفريات إنه بحلول عام 3000 قبل الميلاد كانت الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين ومصر ووادي السند تستخدم الفحم بانتظام في حياتها اليومية، ليس فقط للطهي، بل أيضاً لصهر المعادن وصناعة الفخار، وحتى في طقوسهم الدينية.

مؤكدين أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الشعوب التي استخدمت الفحم في صهر النحاس وصناعة البرونز وفي صناعة الفخار بفضل قدرته على الحفاظ على درجات حرارة عالية ثابتة وإنتاج أوانٍ خزفية متينة.

ثم في عام 500 قبل الميلاد استخدمت كل من الإمبراطورية اليونانية والإمبراطورية الرومانية الفحم في الطهي، غير أن اليونانيين بشكل خاص استطاعوا تطوير طريقة مختلفة للشواء، باستخدام أسياخ معدنية ونيران الفحم لطهي اللحوم.

ولم يكتفِ الرومان بالتقليد، بل طوروا استخدام الفحم ببناء أفران كبيرة من الطوب يُخبز فيها الخبز وتطهى اللحوم على مهل وبكميات كبيرة تكفي العائلة، وربما كانت تؤجر لعائلات أخرى نظير جزء من الخبز واللحم.

ثورة الفحم

وفي القرن الثامن عشر شهدت أوروبا مولد الثورة الصناعية، وازداد الطلب على الوقود، وكان الفحم بالطبع هو الوقود الأساس لصهر الحديد وممارسة الصناعات الأخرى المستحدثة مع تلك الثورة.

لكن مع نمو السكان وتزايد الاحتياجات الصناعية لم يعد الفحم النباتي المستخرج من حرق الأشجار كافياً، فجاء دور الفحم الأحفوري المتكون من بقايا نباتية قديمة، وكان أرخص وأكثر وفرة من الخشب أو الفحم النباتي، لذا كان بديلاً مثالياً في إنتاج المعادن وفي تدفئة البيوت أيضاً، لكن ظل الفحم النباتي هو الخيار المفضل للطهي لأنه ينتج دخاناً وسخاماً أقل.

وفي أوائل القرن العشرين ومع ظهور سيارات فورد، لصاحبها هنري فورد صانع السيارات الأمريكي الشهير، ظهرت قوالب الفحم المضغوط التي جعلت الشواء على الفحم متاحاً للجميع، إضافة بالطبع إلى استخدامه في تسيير السيارات والمركبات الأخرى، وتزعمت أمريكا «موضة» الشواء على الفحم في الهواء الطلق.

حيث أدى التوسع العمراني في الضواحي بعد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة إلى زيادة الاهتمام بالطهي في الحدائق والأماكن العامة، وأصبحت قوالب الفحم عنصراً أساسياً للعائلات التي تقيم حفلات الشواء في الأفنية الخلفية لبيوتهم، وصارت شواية «ويبر كيتل» منذ اختراعها سنة 1952 أيقونة لحفلات الشواء باستخدام قوالب فحم هنري فورد.

وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ازدهرت ثقافة الشواء بشكل كبير في مناطق مثل جنوب الولايات المتحدة، حيث نشأت ثقافات شواء متكاملة، لا سيما اللحوم المطبوخة ببطء مثل لحم الصدر والأضلاع.

وتتصدر الصين قائمة أكبر الدول إنتاجاً للفحم في العالم، تليها الهند وإندونيسيا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، حيث تنتج الصين وحدها أكثر من 4.7 مليارات طن، أي نحو نصف إجمالي الفحم العالمي.

ولكنها تستهلك معظمه لتلبية احتياجاتها. ثم الهند التي يتجاوز إنتاجها مليار طن، ثم إندونيسيا نحو 800 مليون طن، ثم الولايات المتحدة الأمريكية نحو 470 مليون طن، ثم أستراليا نحو 450 مليون طن، ثم روسيا نحو 420 مليون طن، وتتصدر كل من إندونيسيا وأستراليا قائمة الدول المُصدرة للفحم.

أخبار متعلقة :