الدوحة - سيف الحموري - أكد فضيلة الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي أن العيد في الإسلام يحمل معاني تتجاوز حدود الفرح العابر، ليغدو محطةً تربويةً واجتماعيةً ترسّخ القيم الكبرى التي يقوم عليها هذا الدين.
وأضاف في خطبة عيد الفطر المبارك :يمكن قراءة رسائل العيد في أربعة محاور كبرى، الأول: الإسلام هو الدين الوحيد الذي ربط بين الشعيرة والتكافل الاجتماعي، فالعبادة تُثمر تكافلاً حيث يمتاز هذا الدين بربطه الوثيق بين العبادة وبناء المجتمع، والصيام عبادة خفية بين العبد وربه، تقوم على الإخلاص والتزكية، ثم تُستكمل بزكاة الفطر التي تتحول إلى فعل اجتماعي يحقق التكافل ويجبر خواطر الفقراء يوم العيد.
وأوضح أن في عيد الأضحى كذلك تتجلى العبادة في شعيرة الأضحية التي تتجاوز بعدها الفردي لتصبح مشاركةً جماعيةً في إطعام المحتاجين وتعزيز روح التضامن، بمنظومة متكاملة: تزكية للنفس، وعدالة في المجتمع.
وأشار إلى أن المحور الثاني هو صلة الأرحام وبناء السلم الاجتماعي، موضحاً أن العيد دعوة مفتوحة لإعادة وصل ما انقطع، وتجديد العلاقات على أساس الرحمة والبر، وأن هذه الرسالة تبدأ من الأسرة: ببرّ الوالدين، وزيارة الأقارب، وإزالة ما تراكم من خصومات، ثم تمتد إلى المجتمع بأسره، حيث تُستعاد روح التصالح والتسامح بين الأفراد والجماعات.
وأكد أن العيد فرصة حقيقية لإطلاق مسار مصالحة شاملة داخل الأمة، يُستبدل فيها التنازع بالتلاقي، والقطيعة بالتراحم، ليعمّ الفرح الجميع بلا استثناء.
ونوه إلى أن المحور الثالث سياسي يحمي الأمة من العبث، موضحاً: في واقعنا المعاصر، تتكرر مشاهد صناعة رموز وأدوات تُقدَّم في البداية بوصفها مشاريع إنقاذ، ثم تتحول إلى وسائل تدمير تمزّق المجتمعات من الداخل.
وأضاف: تجارب التاريخ القريب تحمل شواهد واضحة على ذلك، حيث تُستثمر الأزمات لصناعة فوضى تُدار من الخارج، لتأجيج الصراعات داخل العالم الإسلامي، ضمن استراتيجية تقوم على نشر الفوضى لفرض واقع إقليمي، لافتا إلي ضرورة الوعي، وعدم الانجرار خلف مشاريع تُلبس ثوب الإصلاح وهي تحمل بذور التفكيك.
وأكد أن المحور الرابع هو فرح منضبط واستقامة مستمرة، فالعيد في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم مساحة رحبة للفرح المشروع، حيث يُفسح المجال للبهجة والسرور واللهو المباح، في توازن دقيق بين الروح والجسد، غير أن هذه الفرحة لا تعني انقطاع الصلة بما تعلّمه المسلم في رمضان؛ بل هي بداية مرحلة جديدة من الاستقامة. من صام رمضان، وواصل بصيام الست من شوال، وحافظ على قيامه وقراءته للقرآن، فقد جعل من رمضان مدرسةً مستمرة، لا موسماً عابراً.
وأوضح أن العيد موسم طاعة جديد وافتتاح مرحلة تُبنى فيها النفس على الطاعة، ويُعاد فيها ترميم المجتمع على المحبة، وتُصان فيها الأمة بالوعي، وإذا اجتمعت هذه المعاني، تحوّل العيد إلى قوة ناعمة تعيد للأمة توازنها، وتفتح أمامها أفقاً جديداً من الأمل والعمل.
