الدوحة - سيف الحموري - فتحت «العرب» ملف إدارة مياه الأمطار في البلاد، في ضوء تزايد الدعوات إلى ضرورة الاستفادة من هذه المياه باعتبارها مورداً طبيعياً يمكن توظيفه لدعم الاستدامة البيئية وتعزيز الأمن المائي، بدلاً من فقدانها دون تحقيق الاستفادة المثلى منها.
وأكد خبراء بيئيون لـ «العرب» أهمية تطوير آليات أكثر كفاءة لإدارة مياه الأمطار وتحويلها من عبء موسمي إلى مورد إستراتيجي قابل للاستثمار.
وأوضح خبراء أن شبكة تصريف مياه الأمطار في بعض المناطق ترتبط مباشرة بالبحر، حيث يتم تصريف كميات من هذه المياه إليه، في حين يتم ضخ المياه التي يتم سحبها من الشوارع والأحياء السكنية إلى المناطق البرية المحيطة، في إطار خطط تهدف إلى منع تجمع المياه داخل المدن وحماية البنية التحتية.
كما أكدوا أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها في إدارة الطوارئ، يمكن تطويرها بشكل أكبر بما يحقق الاستفادة البيئية من هذه المياه.
وأشاروا إلى أهمية إنشاء مناطق مخصصة لتجميع مياه الأمطار، خصوصاً على جوانب الطرق وفي المناطق المنخفضة، بحيث يتم تخزين هذه المياه بشكل منظم يسمح بإعادة استخدامها أو توجيهها لتغذية الخزانات الجوفية، ما يساهم في تعزيز التوازن البيئي وتقليل الفاقد من الموارد المائية.
كما لفت الخبراء إلى أهمية تضمين أنظمة تجميع مياه الأمطار باشتراطات البناء، من خلال إلزام المشاريع الجديدة بإنشاء خزانات أرضية مخصصة لتجميع هذه المياه، بحيث لا يتم منح التراخيص الإنشائية إلا بعد اعتماد المخططات الخاصة بأنظمة تصريف وتجميع مياه الأمطار، مؤكدين أن مثل هذه الاشتراطات تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز مفهوم البناء المستدام.
وبينوا أن البيانات المناخية طويلة المدى تشير إلى أن متوسط معدلات هطول الأمطار السنوية في دولة قطر يتراوح بين 70 و80 مليمتراً، مع تركز الهطول خلال فترات محددة من العام، وهو ما يعزز الحاجة إلى وجود بنية تحتية قادرة على استيعاب هذه الكميات والاستفادة منها بدلاً من فقدانها.
وأكد الخبراء أن الاستثمار في تقنيات حصاد مياه الأمطار، إلى جانب تطوير البنية التحتية المرتبطة بها، يمثل خياراً إستراتيجياً مهماً من الناحيتين البيئية والاقتصادية، لما لذلك من دور في بناء منظومة مائية أكثر مرونة واستدامة، قادرة على مواجهة التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية، فضلاً عن دعم الجهود الوطنية الرامية إلى تحقيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية وتعزيز الاستدامة للأجيال القادمة.

د. محمد سيف الكواري: حاجة ضرورية لتبني إستراتيجيات فعّالة
قال الدكتور محمد سيف الكواري، المستشار والخبير البيئي ورئيس فريق البحث العلمي بوزارة البيئة والتغير المناخي: إن دولة قطر تعد من الدول التي تواجه تحديات مرتبطة بندرة الموارد المائية الطبيعية، نتيجة طبيعة مناخها الجاف ومحدودية معدلات هطول الأمطار السنوية، الأمر الذي جعلها تعتمد بشكل رئيسي على مصادر المياه غير التقليدية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، لتلبية الاحتياجات المتزايدة لمختلف القطاعات التنموية والسكانية. وأكد أن هذا الواقع يفرض في الوقت نفسه أهمية البحث عن حلول تكميلية ومستدامة، من بينها الاستفادة من مياه الأمطار، رغم محدودية كمياتها، باعتبارها مورداً طبيعياً يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن المائي، لا سيما من خلال دعم مخزون المياه الجوفية والمساهمة في تلبية احتياجات القطاع الزراعي.
وأضاف أن البيانات المناخية طويلة المدى تشير إلى أن متوسط معدلات هطول الأمطار السنوية في دولة قطر يتراوح بين 70 و80 مليمتراً، مع ملاحظة التفاوت في توقيت وكميات الهطول من عام إلى آخر، إضافة إلى تباين التوزيع الجغرافي للأمطار داخل الدولة، حيث تتركز بشكل رئيسي خلال فصل الشتاء. وأوضح أن هذه المعطيات تعزز الحاجة إلى تبني استراتيجيات فعالة لحصاد مياه الأمطار، بما يضمن الاستفادة القصوى منها بدلاً من فقدانها نتيجة الجريان السطحي أو التبخر، مع التركيز على تعزيز تغذية الخزانات الجوفية التي تمثل رصيداً استراتيجياً مهماً للأمن المائي.
وأشار الدكتور الكواري إلى أن مياه الأمطار، على الرغم من محدودية كمياتها، يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تغذية المياه الجوفية بشكل طبيعي إذا ما تم التعامل معها وفق أساليب علمية مدروسة، مثل تطبيق تقنيات حصاد المياه التي تشمل إنشاء سدود صغيرة، وإقامة خزانات أرضية، وتطوير أنظمة لتجميع مياه الأمطار في المناطق الحضرية والريفية. وبيّن أن هذه الإجراءات من شأنها تقليل كميات المياه المهدرة نتيجة الجريان السريع، وتحويلها إلى مورد مستدام يعزز الاحتياطي الجوفي الذي يعد من أهم مصادر المياه الاستراتيجية في الدولة.
وأوضح أن توظيف مياه الأمطار في دعم القطاع الزراعي يمثل توجهاً عملياً نحو ترشيد استهلاك المياه المحلاة، التي تتطلب كلفة تشغيلية مرتفعة واستهلاكاً كبيراً للطاقة. وأشار إلى إمكانية استخدام هذه المياه في ري المحاصيل الزراعية، خصوصاً خلال المواسم التي تشهد هطولاً مطرياً، وهو ما من شأنه دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتحسين كفاءة إدارة الموارد المائية، وتعزيز مفاهيم الاستدامة البيئية من خلال تقليل الضغط على الموارد الطبيعية والحد من استنزاف المياه الجوفية.
كما أكد أن هذا التوجه يتماشى مع استراتيجية دولة قطر للمياه، التي تركز على تحقيق إدارة متكاملة ومستدامة للموارد المائية، ورفع كفاءة استخدامها، وتنويع مصادرها بما يضمن تلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية، ويعزز في الوقت ذاته قدرة الدولة على مواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية. وأضاف أن تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار ينسجم أيضاً مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة فيما يتعلق بحماية البيئة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وشدد الدكتور الكواري على أن الاستثمار في تقنيات حصاد مياه الأمطار وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها يمثل خياراً استراتيجياً مهماً من الناحيتين البيئية والاقتصادية، لما له من دور في بناء منظومة مائية أكثر مرونة واستدامة، قادرة على التكيف مع التحديات المستقبلية المرتبطة بندرة المياه. وأكد أن التوسع في مثل هذه المشاريع سيسهم في تعزيز كفاءة إدارة الموارد المائية في دولة قطر، ويشكل خطوة مهمة نحو تحقيق أمن مائي مستدام يدعم مسيرة التنمية الشاملة في الدولة.

د. سيف الحجري: مورد بيئي يجب استثماره لا هدره في البحر
أكد الدكتور سيف الحجري، رئيس برنامج لكل ربيع زهرة عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، أهمية الاستفادة من مياه الأمطار باعتبارها مورداً طبيعياً مهماً يمكن توظيفه في دعم الاستدامة البيئية وتعزيز الموارد المائية، بدلاً من هدرها عبر تصريفها إلى البحر دون تحقيق فائدة منها.
وأوضح أنه من الضروري العمل على إنشاء مناطق مخصصة لتجميع مياه الأمطار على جوانب الطرق وفي المواقع المنخفضة، بحيث يتم تخزين هذه المياه بشكل منظم يسمح بالاستفادة منها بيئياً، مشيراً إلى أن جزءاً من هذه المياه يتبخر بشكل طبيعي، بينما يتسرب الجزء الآخر إلى الخزانات الجوفية، ما يساهم في تغذية المياه الجوفية وتحسين التوازن البيئي.
وأشار الحجري إلى أهمية وضع خطط متكاملة لتصريف مياه الأمطار باتجاه المناطق غير المأهولة والمنخفضة، بما يقلل من مخاطر تجمع المياه داخل الأحياء السكنية، ويحولها في الوقت ذاته إلى مورد يمكن الاستفادة منه بدلاً من اعتباره عبئاً على البنية التحتية.
ولفت إلى أن كميات كبيرة من مياه الأمطار التي يتم سحبها من الشوارع والأحياء السكنية يجري تصريفها حالياً إلى البحر، وهو ما يمثل هدراً لمورد مائي مهم، مؤكداً امكانية تحويل هذه المياه إلى مصدر دعم للخزانات الجوفية أو لاستخدامات أخرى مفيدة.
وأوضح أن بعض المناطق الحديثة، مثل مدينة لوسيل، تشترط وجود خزانات أرضية ضمن مخططات البناء لتجميع مياه الأمطار، حيث لا تمنح الجهات البلدية الموافقات الإنشائية إلا بعد التأكد من وجود تصاميم مخصصة لأنظمة تصريف وتجميع مياه الأمطار، وهو نموذج يمكن تعميمه على مختلف مناطق الدولة.
ودعا الحجري إلى تعميم هذه التجربة على مستوى الدولة، من خلال إلزام المشاريع الجديدة بتوفير أنظمة لتجميع مياه الأمطار وإعادة توجيهها نحو الخزانات الجوفية، بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد المائية، ويسهم في تقليل الضغط على شبكات التصريف، إضافة إلى دعم الجهود البيئية الرامية إلى تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد الطبيعية.
وأكد أن تبني مثل هذه الحلول البيئية يمثل استثماراً طويل الأمد في حماية البيئة وتعزيز الأمن المائي، خاصة في ظل التحديات المناخية وندرة الموارد المائية في المنطقة، ما يتطلب تعزيز ثقافة الاستفادة من مياه الأمطار عبر التخطيط الحضري المستدام وتطوير البنية التحتية الذكية.
