حال قطر

«ملتقى المفتين الشرعيين» 2026.. دورة متخصصة تعالج مُستجدات فقهية معاصرة

«ملتقى المفتين الشرعيين» 2026.. دورة متخصصة تعالج مُستجدات فقهية معاصرة

الدوحة - سيف الحموري - نظّمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ممثلةً في معهد الدعوة والعلوم الإسلامية، دورة علمية متخصصة بعنوان «نوازل فقهية في المعاملات المالية»، ضمن برنامجها التدريبي «ملتقى المفتين الشرعيين» لعام 2026، وذلك في إطار مواكبة المستجدات المتسارعة في عالم المال والاقتصاد، وتعزيزا لكفاءة المفتين الشرعيين في معالجة القضايا الفقهية المعاصرة،، وتمكين المفتين الشرعيين بالشبكة الإسلامية من معالجة القضايا المالية المعاصرة وتأهيلهم العلمي والمنهجي، وتنمية قدراتهم على التعامل مع النوازل المالية المعاصرة وفق أصول الاجتهاد الشرعي المنضبط، بما يسهم في تقديم فتاوى رصينة تواكب احتياجات الأفراد والمؤسسات.

منهجية علمية تجمع بين النص والواقع
افتتح الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي مقدم الدورة وأحد أبرز المتخصصين في فقه الاقتصاد الإسلامي المعاصر، الدورة بشرح منهجية «فقه الميزان» التي تقوم على تحقيق التوازن بين ثوابت الشريعة الإسلامية ومتغيرات الواقع الاقتصادي، بما يضمن سلامة التأصيل الشرعي وحسن تنزيل الأحكام على النوازل المالية الحديثة، موضحا أن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد دليل معتبر على التحريم، مع مراعاة مقاصد الشريعة في حفظ المال، وتحقيق العدل، ودفع الضرر، ورفع الحرج عن الناس، فهذا المنهج الفقهي يوازن بين طرفي الإفراط والتفريط؛ فلا يفتح الباب لتمييع الأحكام الشرعية، ولا يضيّق على الناس في المساحات التي تتسع فيها الشريعة للاجتهاد المنضبط، وهو ما يجعل منهج «فقه الميزان» أداة مهمة لفهم المنتجات المالية الحديثة وتقويمها على أسس رصينة. وتناول القره داغي خلال الدورة أهم القضايا والمستجدات في المعاملات الإسلامية في أربعة محاور رئيسية تمثل جانبًا من أبرز التحديات الفقهية في المعاملات المالية المعاصرة، مع التركيز على التطبيقات العملية والضوابط الشرعية ذات الصلة.

الاستثمار في الأسهم والشركات المختلطة
واستعرض القره داغي في المحور الأول الأحكام المتعلقة بالاستثمار في الأسهم، مع التمييز بين الشركات المحرمة النشاط أصلًا، كالبنوك الربوية وشركات التبغ، والشركات الملتزمة بالضوابط الشرعية، والشركات المختلطة التي يكون أصل نشاطها مباحًا، لكن تتخلله بعض المعاملات غير الجائزة كالقروض الربوية أو الإيداعات ذات الفائدة.
وبيّن القره داغي أن الشركات المختلطة تعد من أبرز مسائل الاجتهاد المعاصر، وأن الترجيح فيها يتجه إلى «منهج الضوابط والتطهير»، الذي يجيز المساهمة بشروط محددة، من أهمها أن يكون النشاط الأصلي مباحًا، وأن تكون نسبة المحرم محدودة، مع التزام المستثمر بالتخلص من الجزء غير المشروع من الأرباح وصرفه في وجوه الخير العامة، إلى جانب السعي الإيجابي نحو تقويم هذه المعاملات داخل الشركات.

العملات المشفرة والرقمية
وفي المحور الثاني تعرض القره داغي للتكييف الشرعي للعملات المشفرة والرقمية، مؤكدا أن الحكم الشرعي لا يُبنى على الاسم أو الوصف العام، بل على فهم الحقيقة، والخصائص والوظائف والآثار، وضرورة أن تنطلق المعالجة من التحقق من طبيعة هذه العملات قبل إصدار الحكم عليها، في ضوء ما تثيره من إشكالات تتعلق بالتقلب الحاد، والمخاطر العالية، والغرر، وضعف الحماية القانونية، واحتمالات استخدامها في ممارسات غير مشروعة.
وفي المقابل، أشار إلى أن التقنية التي تقوم عليها بعض هذه العملات، وفي مقدمتها تقنية البلوكشين، يمكن الإفادة منها في تطوير أدوات مالية أكثر انضباطًا وشفافية، بما يفتح المجال أمام ابتكار بدائل مشروعة تراعي المصالح وتحد من المخاطر.

التأمين والتكافل
وفي المحور الثالث فرق القره داغي بين التأمين التجاري القائم على الغرر والمخاطرة غير المنضبطة، وبين التأمين التعاوني «التكافلي» الذي يستند إلى مبادئ التبرع والتعاون وتقاسم المخاطر بصورة مشروعة، وأكدت أن التأمين التعاوني يمثل البديل الشرعي الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة في التكافل الاجتماعي وصيانة المصالح العامة.

التورق والمعاملات المصرفية
وفي المحور الرابع والأخير، استعرض المحاضر الفروق بين التورق الحقيقي الذي تتحقق فيه ملكية السلعة وقبضها وبيعها لطرف ثالث بيعًا صحيحًا، وبين التورق المنظم الذي تتحول فيه المعاملة إلى مسار صوري يهدف إلى الحصول على النقد مقابل زيادة، بما يجعله قريبًا من صور الربا المحظورة شرعًا.
وختم المحاضر الدورة بالتأكيد على أن الاجتهاد المالي المعاصر لا ينبغي أن يقف عند حدود المنع والتحذير من المعاملات المالية الحديثة، بل يجب أن يتجه كذلك إلى بناء البدائل الشرعية العملية القادرة على الاستجابة لاحتياجات الواقع، فالمقصود من الفقه المالي الإسلامي ليس التضييق، وإنما توجيه النشاط الاقتصادي نحو مسارات تحقق العدل والشفافية، وتربط التمويل بالاقتصاد الحقيقي، وتحدُّ من المضاربات الوهمية والممارسات التي تُفضي إلى الإضرار بالأفراد والمجتمعات.

Advertisements

قد تقرأ أيضا