حال قطر

«الرعاية الأولية»: السمنة في قطر.. تحدٍ صحي يتطلب تحركًا مجتمعيًا شاملاً

  • «الرعاية الأولية»: السمنة في قطر.. تحدٍ صحي يتطلب تحركًا مجتمعيًا شاملاً 1/2
  • «الرعاية الأولية»: السمنة في قطر.. تحدٍ صحي يتطلب تحركًا مجتمعيًا شاملاً 2/2

الدوحة - سيف الحموري - أكد الدكتور أنيس اليافعي، استشاري أول طب المجتمع ومسؤول مركز المعافاة بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية - أن السمنة أصبحت من أبرز تحديات الصحة العامة التي تستدعي تضافر الجهود على المستويين المؤسسي والمجتمعي. مشيرًا إلى أن الدراسات الوطنية والعالمية تؤكد أن معدلات السمنة وزيادة الوزن في قطر تعد من بين الأعلى في المنطقة، سواء بين البالغين أو الأطفال، الأمر الذي ينعكس على ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.


ونوه بأن بيانات المسح التدرجي الوطني لعوامل الخطورة للأمراض غير الانتقالية لعام 2023 أوضحت أن نحو 70% من المواطنين القطريين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، فيما أظهرت دراسات أخرى أن ما يقارب 46% من الأطفال واليافعين في سن المدرسة يعانون من المشكلة نفسها، وهو ما يثير القلق بشأن مستقبل الصحة العامة إذا لم يتم تعزيز برامج الوقاية والتوعية.
وأوضح أن السمنة مرض مزمن ومعقد ومتعدد العوامل، ولا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد فقط. فهي تنتج عن تفاعل العوامل الوراثية مع أنماط الحياة اليومية والظروف البيئية والاجتماعية. وأن الدراسات تجمع على أن من أبرز أسباب السمنة اتباع نظام غذائي غني بالسعرات الحرارية والدهون والسكريات، إلى جانب قلة النشاط البدني، واضطرابات النوم، والتوتر النفسي، فضلاً عن بعض الاضطرابات الهرمونية والأمراض المزمنة، واستخدام أنواع معينة من الأدوية التي قد تؤدي إلى زيادة الوزن.

التقدم في العمر 
ولفت إلى أن خطر الإصابة بالسمنة يزداد مع التقدم في العمر ووجود تاريخ عائلي للإصابة بها، خاصة في حال غياب العادات الصحية السليمة. وفي قطر تحديدًا، تشير البحوث إلى أن التحولات الكبيرة في نمط الحياة خلال العقود الماضية كان لها دور بارز في ارتفاع معدلات السمنة، حيث أصبحت غالبية الأعمال مكتبية وتتطلب جهداً بدنياً أقل، في مقابل تزايد الاعتماد على وسائل النقل الحديثة، وانتشار الوجبات السريعة وسهولة الحصول عليها، إلى جانب ارتفاع معدلات الخمول البدني.
وقال الدكتور أنيس اليافعي: نتائج الدراسات تشير، ومن بينها تقرير “سمنة الأطفال في قطر” الصادر عن مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (WISH)، إلى أن السمنة لدى الأطفال لا تنتج عن عامل واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الغذائية والسلوكية والبيئية. فالوفرة الغذائية وسهولة الوصول إلى الأغذية والمشروبات الغنية بالسكر والدهون، إلى جانب التسويق المكثف للأطعمة غير الصحية الموجهة للأطفال، تعد من أبرز العوامل المؤثرة. كما أن قلة المساحات الآمنة لممارسة النشاط البدني، وزيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات والأجهزة الإلكترونية، أسهما في ترسيخ نمط حياة قليل الحركة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الوزن منذ المراحل العمرية المبكرة.

الوقاية منذ الطفولة
ولهذا فإن الوقاية من السمنة تبدأ في الطفولة، لأنها المرحلة التي تتشكل فيها العادات الغذائية والسلوكية التي تستمر مع الإنسان طوال حياته.
وأضاف: تؤكد الدراسات العالمية أن السمنة ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بعدد كبير من الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والشرايين، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون في الدم، وبعض أنواع السرطان، إضافة إلى اضطرابات النوم مثل انقطاع التنفس أثناء النوم.
وتابع: في قطر، بينت دراسات منشورة في المجلة الطبية البريطانية أن الأطفال المصابين بالسمنة أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون في الدم، وهو ما يعني أن عوامل الخطورة القلبية والتمثيل الغذائي تبدأ في سن مبكرة، وقد تستمر حتى مرحلة البلوغ، لتؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة في عمر الشباب، بما ينعكس سلبًا على جودة الحياة والإنتاجية.
وأكد أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم يرتبط بشكل مباشر بزيادة احتمالات الإصابة بمتلازمة الأيض، والجلطات القلبية والدماغية في أعمار أصغر مقارنة بالأشخاص ذوي الوزن الطبيعي، ولا تقتصر آثار السمنة على الجانب الجسدي فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث ترتبط بزيادة معدلات الاكتئاب، واضطرابات المزاج، وانخفاض جودة الحياة. 

الكبد الدهني 
وشدد على أن السمنة ترتبط بطيف واسع من الأمراض، وتشير الأدلة العلمية إلى أنها تزيد من خطر الإصابة بعشرات الحالات المرضية، وأن من أبرز هذه الأمراض اضطرابات العضلات والمفاصل، والكبد الدهني، وتوقف التنفس أثناء النوم، وبعض أنواع السرطان، والنقرس، وهشاشة العظام، وأمراض المرارة، وارتجاع المريء المزمن، إضافة إلى اضطرابات الخصوبة لدى الرجال والنساء، واضطرابات الدورة الشهرية، ومضاعفات الحمل.
وأشار إلى أن تقديرات المرصد العالمي للسمنة تظهر أن الأثر الاقتصادي لزيادة الوزن والسمنة في قطر يعادل نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن ذلك يشمل التكاليف المباشرة للرعاية الصحية، مثل العلاج والأدوية ودخول المستشفيات، إضافة إلى التكاليف غير المباشرة، كالتغيب عن العمل، وانخفاض الإنتاجية، والتقاعد المبكر نتيجة الإصابة بالأمراض المزمنة.
وأكد أن التقارير تشير إلى أن الاستثمار في الوقاية من السمنة يحقق عوائد صحية واقتصادية كبيرة على المدى المتوسط والطويل، من خلال تقليل معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة وتحسين جودة الحياة.
وقال إن دولة قطر تبذل جهودًا كبيرة للحد من انتشار السمنة، من خلال تبني سياسات صحية متكاملة تستهدف الوقاية وتعزيز أنماط الحياة الصحية. وتنفذ مؤسسة الرعاية الصحية الأولية العديد من البرامج، من بينها مراكز المعافاة، وبرامج الصحة المدرسية، والفحص الصحي الدوري، إلى جانب برامج التثقيف الغذائي وتعزيز النشاط البدني.
ولفت إلى أن وزارة الصحة العامة تعمل على تطوير السياسات الغذائية، وتشجيع توفير الأغذية الصحية، ودعم المبادرات الوطنية التي تعزز النشاط البدني، مثل اليوم الرياضي للدولة، وتوسيع المسارات المخصصة للمشي، وزيادة المرافق الرياضية المفتوحة أمام أفراد المجتمع.

Advertisements

قد تقرأ أيضا