الدوحة - سيف الحموري - نظّمت جمعية المحامين القطرية، بالتعاون مع كلية القانون بجامعة قطر، ندوة بعنوان «من قاعات الدراسة إلى قاعات المحاكم: تجارب عملية في الممارسة القانونية»، في قاعة المؤتمرات بجامعة قطر، في إطار تعزيز التكامل بين التعليم القانوني الأكاديمي والممارسة المهنية، وتقريب طلبة القانون من واقع المهنة ومتطلباتها.
واستُهلت الندوة بكلمة للأستاذ مبارك بن عبدالله السليطي، رئيس مجلس إدارة جمعية المحامين القطرية، وكلمة للدكتور محمد حسن الكعبي، عميد كلية القانون بجامعة قطر، أكدا خلالهما أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية، وتبادل الخبرات بما يسهم في ربط المعرفة القانونية النظرية بالتطبيق العملي وإعداد كوادر قانونية مؤهلة.
وأدار الجلسة أ.د. أحمد سيد محمود، رئيس قسم القانون الخاص بكلية القانون في جامعة قطر، بمشاركة الدكتورة سارة حمد القرح، رئيس قسم المهارات القانونية بكلية القانون في جامعة قطر، والمحامية العنود عبدالعزيز الخاجة، محامية ومؤسس مكتب تقنين للمحاماة والاستشارات القانونية.
وشكّلت الندوة مساحة للحوار وتبادل الخبرات حول الانتقال من الدراسة الأكاديمية إلى الممارسة القانونية، واستعراض التجارب العملية التي تتيح للطلبة التعرف بصورة أقرب على طبيعة العمل القانوني ومتطلباته ومسؤولياته المهنية.

مبارك السليطي: «القضاء الواقف» مهنة مواقف
قال السيد مبارك بن عبدالله السليطي، رئيس مجلس إدارة جمعية المحامين القطرية إن ما بين قاعة الدراسة وقاعة المحكمة مسافة قد تبدو قصيرة زمنياً، ولكنها في حياة رجل القانون رحلة كاملة؛ ينتقل فيها الطالب من دراسة النص إلى فهم مقصده، ومن الإجابة عن سؤال في ورقة امتحان إلى الدفاع عن حق قد يتوقف عليه مصير إنسان، ومن مناقشة قضية افتراضية داخل قاعة الدراسة إلى الوقوف أمام القاضي في قاعة المحكمة حاملاً أمانة حقيقية ومسؤولية لا تحتمل التهاون.
ودعا السليطي طلبة القانون إلى ألا ينظروا إلى أنفسهم باعتبارهم مجرد طلبة يسعون للحصول على شهادة جامعية، قائلا: أنتم رجال ونساء القانون في الغد. ومن بينكم من سيقف يوماً أمام القضاء مدافعاً عن حق مسلوب، ومن سيقدم رأياً قانونياً يسهم في صياغة عقد يحفظ مصالح الناس، ومن سيشارك في تطوير التشريعات ويحمي مؤسسة أو استثماراً، ومن سيجلس في موقع تُتخذ فيه قرارات تمس المجتمع ومستقبله.
وأضاف مخاطبا الطلبة: إن ما تتعلمونه اليوم ليس مجرد مواد دراسية، بل هو أساس لمسؤولية ستوضع بين أيديكم غداً، مبينا أن المحاماة في جوهرها ليست مهنة كلمات بقدر ما هي مهنة مواقف.
واشار الى ان المحامي قد يمتلك المعرفة، ويحفظ النصوص، ويتقن المرافعة، ولكن قيمة المحامي الحقيقية تظهر عندما يوضع أمام الاختبار: هل يحافظ على استقلاله؟ هل يصون سر موكله؟ هل يقول الرأي القانوني الصحيح حتى عندما يكون هو الرأي الأصعب؟ هل يدافع عن الحق بأمانة دون أن يتجاوز حدود القانون أو أخلاقيات المهنة؟ فهنا يبدأ الفرق بين من يمارس المحاماة، ومن يستحق شرف المحاماة.

د. محمد الكعبي: التعليم القانوني لا يكتمل بين جدران المحاضرات
أكد الدكتور محمد حسن الكعبي، عميد كلية القانون بجامعة قطر، ان التعليم القانوني لا يكتمل بين جدران المحاضرات وحدها، ولا تكفيه النصوص والقواعد القانونية مهما بلغت دقتها، ما لم تختبر هذه المعرفة وتصقل في ميدان التطبيق حيث يلتقي النص بالواقع وتتقاطع القاعدة القانونية مع تعقيدات الحياة العملية.
وقال في كلمته الافتتاحية بالندوة: «ان الطالب الذي يدرس عناصر العقد أو أركان المسؤولية أو قواعد الإثبات انما يمتلك أداة لكن حسن استعمال هذه الأداة وبراعة توظيفها امام القاضي وصياغتها في مذكرة أو مرافعة فن لا يكتسب الا بالممارسة والاحتكاك بأهل الخبرة والاختصاص».
وأوضح انه من هنا جاءت فكرة تنظيم الندوة لتكون ثمرة تعاون بين كلية القانون وجمعية المحامين في خطوة تجسد شراكة حقيقة بين المؤسسة الاكاديمية والمهنة القانونية، لافتا الى ان جمعية المحامين هي الجسر الطبيعي الذي يربط طلبتنا بواقع المهنة، كما انها خزانة تجارب من الخبرات المتراكمة عبر سنوات من الممارسة الفعلية امام مختلف الجهات القضائية.
وقال: «إن غاية القانون في نهاية المطاف تحقيق العدل بين الناس حيث يقول الله تعالى في محكم كتابه : ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان))، ومن ثم فحين يتقن طلبتنا وخريجونا ادواتهم القانونية ويمارسونها بحرفية واقتدار فان ذلك يسهم في تحقيق الغاية السامية التي امر بها الله عز وجل.
وشدد على ان الفجوة بين ما يدرس وما يمارس تحد يواجه التعليم القانوني في كل مكان، ومن ثم نجد ان هناك مسؤولية مشتركة بين الكلية والجمعية تستوجب العمل على تضييق هذه الفجوة، ولذلك جاءت الندوة لتعرض ما تحمله من تجارب واقعية من أروقة المحاكم كخطوة عملية في هذا الاتجاه، معبرا عن امله في ان تكون هذه الندوة بداية لتعاون مستمر بين الكلية والجمعية.

د. سارة القرح: طرح مقرر قانوني جديد في «الربيع المقبل»
أكدت الدكتورة سارة حمد راشد القرح، رئيس قسم المهارات القانونية في كلية القانون بجامعة قطر، أن دراسة القانون لم تعد قاصرة على المعرفة النظرية والإلمام بالنصوص بل تهدف الى إعداد كوادر قانونية تمتلك المعارف والمهارات والقيم المهنية لخدمة العدالة وسيادة القانون. وأوضحت أنه بناء عليه يتم مراجعة وتطوير برامجنا ومناهجنا التعليمية بشكل مستمر، حيث طرحنا مقررات جديدة منها مهارات المحاماة تتناول آلية ادارة المكاتب والتعامل مع العميل وكيفية تقديم الخدمات القانونية والمحافظة على النزاهة وتطوير مقرر أصول البحث القانوني من ناحية كيفية اعداد البحوث والنشر في الدوريات العلمية المحكمة. وأشارت الى طرح مقرر جديد لأول مرة خلال فصل الربيع المقبل يتعلق بالصياغة القانونية اذ انها من المهارات الاساسية، والاداة التي تترجم بها الافكار والحقوق، وبما يتناسب استيراتيجية كلية القانون. وأكدت أن التعاون مع المؤسسات والجهات بالدولة، يعزز نقل التجارب للطلبة بينما التعاون مع مكاتب المحاماة يمكن الطالب من الالمام بالقواعد القانونية والمهارات اللازمة.

العنود الخاجة: التدريب الجاد أقصر طريق للنضج المهني
تناولت العنود عبدالعزيز الخاجة، المحامية والمؤسس مكتب تقنين للمحاماة والاستشارات القانونية، في مداخلتها «الحياة العملية للمحامي في سنته الأولى»، وأكدت أن هذه المرحلة يقل الحديث عنها رغم أنها الأصعب، مبينة أن أول سنة في المحاماة ليست سنة قانون بقدر ما هي سنة نظام: ملف مرتب، ومستند مرقم، وميعاد لا يفوت. وأوضحت أن الفجوة بين الدراسة الأكاديمية والممارسة ليست فجوة معلومات — فالخريج يدرس القانون جيدا — بل هي فجوة في الإجراء والتنظيم والتعامل مع الناس. وأوضحت أن مشاركتها في الندوة جاءت رغبةً في أن تنقل للطلبة جزءًا من الخبرة التي اكتسبتها خلال السنوات الماضية
وقالت: اخترت أن أبدأ الممارسة الفعلية للمحاماة فور تخرجي دون تأجيل، ثم أسست مكتب تقنين في سن مبكرة. والرسالة التي أردت إيصالها للطلبة أن البداية المبكرة والتدريب الجاد في بيئة مهنية سليمة هما أقصر طريق للنضج المهني، وأن على الطالب ألا ينتظر التخرج ليبدأ في بناء نفسه. وقد أسست مكتب تقنين برؤية تجمع بين الانضباط المهني والتخصص الدقيق.
