حال قطر

قطر والأمم المتحدة.. مسيرة ممتدة من التعاون لدعم السلام والتنمية حول العالم

قطر والأمم المتحدة.. مسيرة ممتدة من التعاون لدعم السلام والتنمية حول العالم

الدوحة - سيف الحموري - ارتبطت دولة قطر والأمم المتحدة منذ عام 1971، تاريخ انضمام قطر إلى المنظمة الدولية، بشراكة وثيقة ومتنامية ترتكز على التعاون المتعدد الأطراف والدبلوماسية الإنسانية وحل النزاعات.

وعلى مدى السنوات الخمس والخمسين الماضية، ظل التعاون والتنسيق المشترك لخدمة الإنسانية عنوان العلاقات بين الجانبين، وأصبحت قطر حاضرة بقوة في أغلب أنشطة الأمم المتحدة، وفي المجموعات الإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى حلول للأزمات الإقليمية والدولية ومنع النزاعات وبناء السلام.

وتنظر الأمم المتحدة إلى دولة قطر بوصفها شريكا فاعلا وموثوقا به، لا كدولة مانحة فحسب، بل كلاعب دبلوماسي فعال يبني الجسور ويعزز العلاقات والتواصل بين الدول والشعوب ويزرع الأمل ويحول السلام والازدهار إلى واقع ملموس في شتى القارات والاتجاهات.

وتجسد العلاقة بين قطر والمنظمة الدولية نموذجا للشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين الدبلوماسية الهادئة والالتزام العملي ببناء السلام وتحقيق الازدهار للشعوب، ولم تكن هذه الشراكة مجرد بيانات مشتركة أو اتفاقيات بروتوكولية، بل امتدت لتشمل أدوارا محورية في الوساطة، ودعم العمليات الإنسانية، وتمكين المجتمعات من خلال برامج التعليم والصحة والتنمية المستدامة، وشكلت شبكة مترابطة من المبادرات التي ساهمت في تهدئة بؤر التوتر، ودعم وإغاثة ملايين المتضررين من الأزمات والحروب والكوارث على امتداد الكوكب.

وفي سبيل الأهداف الإنسانية نسجت دولة قطر على مدى العقدين الماضيين شبكة علاقات مع مختلف أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

وتكتسب الشراكة القطرية مع الأمم المتحدة أهمية إضافية في اللحظة الدولية الراهنة، فالنظام متعدد الأطراف يواجه واحدا من أصعب اختباراته منذ إنشاء المنظمة الدولية، بسبب الأوضاع والظروف الدولية الحالية المعقدة، كما تواجه أهداف التنمية المستدامة ضغوطا هائلة، ويضاف إلى ذلك تغير المناخ والأمن الغذائي والتطرف والنزوح والفقر واتساع الفجوة في فرص التعليم والتنمية والثورة الرقمية.

ووسط هذه البيئة المعقدة، تنطلق المقاربة القطرية، كما تعكسها شبكة الشراكات الأممية، عمليا من أن الأزمات الحديثة مترابطة، فالحرب تنتج الفقر والنزوح، والفقر والحرمان قد يغذيان عدم الاستقرار، وتغير المناخ يفاقم شح الموارد والهجرة، وضعف التعليم يضيق فرص المستقبل، فيما تستطيع التنمية أن تعزز قدرة المجتمعات على الصمود، فلا يمكن بناء سلام مستدام في مجتمع يفتقر إلى التعليم والفرص والأمن الاقتصادي، مثلما يصعب تحقيق التنمية في بيئة تنهكها الصراعات وعدم الاستقرار.

وتدعم استراتيجية قطر للتعاون الدولي تنفيذ الهدف المتعلق بتعزيز عملية تحقيق المزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول ذات الدخل المنخفض، وتتفق مع الأهداف العالمية لأجندة التنمية المستدامة 2030، وتدعم الشراكة العالمية من أجل التنمية للقضاء على الفقر، والحد من عدم المساواة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، وتوجه المساعدات القطرية، في أغلبها إلى الدول قليلة الدخل والأقل نموا إلى جانب الدول التي حلت بها الكوارث الطبيعية والنزاعات.

وتولي دولة قطر اهتماما خاصا للدول الأقل نموا من أجل تحقيق هذه الدول أهداف الألفية الإنمائية، كما تحرص على إيصال المساعدات إلى المنكوبين والضحايا عن طريق القنوات الثنائية والمتعددة الأطراف وفق أفضل الممارسات وبحرفية ومهنية عالية.

وشملت المساعدات القطرية أكثر من 100 دولة في مختلف قارات العالم، وتركزت على قطاعات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي، علاوة على المساعدات الإنسانية الطارئة في بعض البلدان كالكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف.

وإلى جانب المساهمات الكبيرة في مجال التنمية، أولت قطر التعليم أهمية كبيرة، كونه أداة رئيسية لبناء السلام، وقدمت مساهمات ضخمة لتوفير التعليم في مناطق عديدة من العالم، ولا سيما في مناطق النزاع. وفي هذا السياق تبرز جهود مؤسسة التعليم فوق الجميع، التي حققت إنجازات كبيرة بتوفير التعليم النوعي لملايين الأطفال المحرومين من المدارس في أكثر من 50 دولة حول العالم بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" وأكثر من 80 شريكا عالميا.

وأحدثت مؤسسة التعليم فوق الجميع أثرا ملموسا على مستوى التعليم والتنمية المستدامة حول العالم، إذ تجاوز عدد المستفيدين من برامجها 22 مليون شخص حتى نهاية عام 2023، وأسهمت في تمكين أكثر من 3.3 مليون شاب اقتصاديا عبر التدريب والتوظيف ودعم ريادة الأعمال، إضافة إلى استفادة 2.6 مليون معلم وموظف مدرسي وأفراد من المجتمع المحلي من برامج تطوير المهارات التعليمية. وفي إطار برنامج الفاخورة، حصل 10687 طالبا على فرص التعليم العالي، بينما استفاد أكثر من مليون شخص من برامج تنمية المجتمع وتمكين الشباب لتعزيز مشاركتهم في بناء مجتمعاتهم.
كما أنشئت مؤسسة "صلتك" برأسمال قدره 100 مليون دولار للتصدي للبطالة بين الشباب في العالم، وذلك من خلال توفير فرص العمل للشباب ولاسيما النساء والمحرومين، حيث نفذت المؤسسة العديد من المبادرات والمشاريع في بعض الدول العربية كاليمن والمغرب وسوريا لمعالجة مشكلة البطالة المتفشية في أوساط الشباب العربي.
ونجح برنامج "صلتك" في تحقيق هدفه الذي أطلق عام 2019، المتمثل في توفير فرص عمل لخمسة ملايين مستفيد.
كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار( 74/275) الذي قدمته دولة قطر، بإعلان يوم 9 سبتمبر يوما عالميا لحماية التعليم من الهجمات، والذي كان بمبادرة من صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، عضو المجموعة الدولية الرفيعة المستوى لمناصرة أهداف التنمية المستدامة، وتضاف هذه المبادرة إلى المبادرات الإنسانية والتنموية العديدة لسموها في مختلف مناطق العالم.
وأكد سعادة الدكتور أحمد بن محمد المريخي المستشار الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة للشراكات بين القطاعين العام والخاص والتمويل الاجتماعي الإسلامي، أن العلاقة التي بنتها دولة قطر مع الأمم المتحدة، تجاوزت منذ سنوات مفهوم العلاقة التقليدية بين دولة عضو ومنظمة دولية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الدعم السياسي والدبلوماسي، والعمل الإنساني والتنموي، والتمويل المؤسسي، واستضافة المؤسسات والبرامج الأممية، منوها بوصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا التحول، بأنه تغيير نوعي في طبيعة الشراكة، خصوصا مع الانتقال إلى التمويل متعدد السنوات ودعم الموارد الأساسية لوكالات الأمم المتحدة، وهذا يمنح الشراكة قدرا أكبر من الاستدامة والقدرة على تحقيق أثر طويل الأجل.
وأضاف سعادته أن التأثير الدبلوماسي لا يقاس بحجم الدولة بقدر ما يقاس بالمصداقية، والقدرة على بناء الثقة، والاستمرارية، والاستعداد لتحمل المسؤولية، وقد استطاعت قطر أن تبني لنفسها مساحة دولية مؤثرة من خلال الوساطة والحوار والعمل متعدد الأطراف، إلى جانب حضور إنساني وتنموي مستمر، مشيرا إلى أن الوساطة القطرية ليست نشاطا ظرفيا، وإنما أصبحت جزءا راسخا من سياستها الخارجية.
وحول ما تضيفه قنوات قطر مع الأطراف المختلفة إلى قدرة الأمم المتحدة على الوساطة، قال إن قيمة وساطة قطر تكمن في قدرتها على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع أطراف قد يصعب جمعها مباشرة، وفي المقابل، تمتلك الأمم المتحدة الشرعية الدولية والأدوات المؤسسية والخبرة الفنية، ومن هنا يمكن أن ينشأ تكامل مهم، إذ تساعد قطر في فتح المساحات السياسية وبناء الثقة وتقريب المواقف، بينما توفر الأمم المتحدة الإطار الدولي الذي يساعد على تحويل التفاهمات إلى مسارات أكثر استدامة.
وفيما يتعلق باستضافة الدوحة للمكاتب والمراكز والبرامج الأممية، قال المستشار الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة، إنها أكثر من استضافة إدارية، فهي بناء بنية تحتية للعمل متعدد الأطراف، وافتتاح "بيت الأمم المتحدة" في الدوحة، الذي وصفه الأمين العام بأنه يجمع العمل التنموي والإنساني والدبلوماسي تحت سقف واحد، يعكس هذا التوجه، معربا عن اعتقاده بأن الدوحة تمتلك المقومات لتتطور أكثر كمركز إقليمي للوساطة وبناء السلام والحوار الإنساني والتنموي.
ونوه بأن التمويل المرن ومتعدد السنوات يمثل بالفعل تحولا في مفهوم المساعدات، وهي علامة من أهم علامات نضج الشراكة، إذ يمنح التمويل المرن ومتعدد السنوات المؤسسات الأممية القدرة على التخطيط والاستجابة السريعة وتوجيه الموارد حيث تكون الحاجة أكبر، بدلا من حصر العلاقة في تمويل مشروع منفرد، مشيرا إلى قطر واصلت هذا النهج مع عدد ن المؤسسات والوكالات الأممية، وهو انتقال من مفهوم "المانح والمتلقي" إلى شريك استراتيجي يتحمل مسؤولية مشتركة عن النتائج.

من جانبه، أكد الدكتور عبدالله بندر العتيبي الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، أن الشراكة بين دولة قطر والأمم المتحدة تتسم بأنها شراكة متعددة الأبعاد تتجاوز الدعم المالي إلى العمل الدبلوماسي والتنموي والإنساني والمؤسسي.
وقال العتيبي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن قطر لا تكتفي بالمساهمة في برامج المنظمة، بل توظف علاقاتها المتوازنة وقدرتها على التواصل مع أطراف متعارضة لدعم الوساطة وتسوية النزاعات، كما تستضيف عددا من مكاتب ومراكز الأمم المتحدة في الدوحة، معتبرا أن ما يميز التجربة القطرية هو الجمع بين الدبلوماسية الوقائية والاستجابة الإنسانية والاستثمار طويل الأجل في الإنسان، أي الربط بين معالجة الأزمات الآنية وبناء السلام المستدام.
وأضاف أن تعاون قطر مع وكالات الأمم المتحدة، أسهم في تحويل المبادرات الوطنية إلى برامج دولية ذات أثر مباشر، خصوصا في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات والفقر والنزوح، فمن خلال الشراكة مع المؤسسات الأممية المعنية بالتعليم والصحة والتنمية والإغاثة، دعمت قطر إعادة الأطفال إلى المدارس، وحماية اللاجئين والنازحين، وتوفير الخدمات الصحية والغذائية، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
وأشار إلى أن أهمية هذه الشراكات تكمن في إدراك أن السلام لا يتحقق فقط بتوقيع الاتفاقات السياسية، بل يحتاج أيضا إلى تعليم يحمي الأجيال من التطرف، وصحة تحفظ الكرامة الإنسانية، وتنمية تقلل أسباب الهشاشة والنزاع.
وأكد الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر أن المبادرات القطرية دعمت أجندة الأمم المتحدة من خلال الجمع بين الوساطة السياسية والعمل الإنساني والتمويل التنموي، وقد أسهمت الوساطات القطرية في فتح قنوات للحوار، وتبادل الأسرى والمحتجزين، وتسهيل وصول المساعدات، وتهيئة الظروف للتوصل إلى تفاهمات في عدد من الأزمات، وفي الوقت نفسه، عززت المبادرات التعليمية والتنموية القطرية أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة ومكافحة الفقر، وقد انعكس ذلك على مكانة قطر باعتبارها شريكا موثوقا وفاعلا دوليا قادرا على الجمع بين النفوذ الدبلوماسي والقدرة على تحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج عملية.
وحول كيفية تطوير الشراكة الاستراتيجية بين قطر والأمم المتحدة مستقبلا لضمان استدامتها وتحقيق أهداف السلام والازدهار المشتركة، رأى الدكتور عبدالله بندر العتيبي أن تطوير هذه الشراكة مستقبلا، يتطلب الانتقال من الاستجابة للأزمات إلى بناء منظومات مشتركة للوقاية منها، ويمكن تحقيق ذلك عبر توسيع التعاون في الإنذار المبكر، والوساطة الرقمية، والأمن الغذائي والمائي، والصحة العالمية، وحماية التعليم أثناء النزاعات، وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أنه يمكن للدوحة أن تصبح منصة أوسع للحوار بين الأمم المتحدة ودول الجنوب العالمي، بما يساعد على نقل احتياجاتها إلى مراكز صنع القرار الدولي، كما أن استدامة الشراكة ستعتمد على تحديد أولويات قابلة للقياس، وتنسيق المبادرات، وربط التمويل بالنتائج، بما يجعل العلاقة بين قطر والأمم المتحدة نموذجا للشراكة التي لا تدير الأزمات فحسب، بل تعمل على منعها وبناء سلام وازدهار أكثر استدامة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا