ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 9 يناير 2026 12:51 صباحاً - تحقيق – مرفت عبدالحميد وجميلة إسماعيل
شهدت السنوات الماضية أفكاراً مبتكرة حققت ثروات طائلة واختراعات دفعت شركات ودول إلى الصدارة، حيث أصبحت الفكرة، لا المصنع هي الأصل الأغلى في اقتصاد المعرفة.
ولم تعد الثروات تقاس بالموارد الطبيعية وحدها، بل بالأفكار والبيانات والابتكارات، فالمنتج التقليدي يمكن نسخه خلال دقائق، أما الفكرة المرتبطة بالهوية والعلامة والخوارزمية والمحتوى الأصلي، هي ما يصنع الربح المستدام ويجذب الاستثمار ويمنح الميزة التنافسية.
هنا تبرز الملكية الفكرية بوصفها قضية العصر، فهي الإطار القانوني الذي يحمي نتاج العقل البشري، من كتاب وتصميم وبرمجيات، إلى براءة اختراع أو علامة تجارية يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ومعرفية.
ومع الطفرة غير المسبوقة عالمياً في تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت الآلات قادرة على إنتاج نصوص، صور، موسيقى، وأعمال فنية وهو تطور مذهل يضع تحديات جديدة ومعقدة أمام آليات وقوانين حماية الملكية الفكرية خاصة في عالمنا العربي الذي تجتهد فيه الحكومات لإصدار تشريعات تحمي حقوق المبدعين.
مختصون وخبراء أكدوا أن الواقع في بعض الدول العربية مؤلم لأن كثيراً من الأفكار الابتكارية لا تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية، مشيرين إلى أن التحدي الأكبر لم يعد في وجود القوانين بقدر ما يكمن في سرعة الإنفاذ، وحسم النزاعات، والرقابة الرقمية، وتخصص القضاء، ووعي المجتمع.
وأشاروا إلى أن العالم العربي يخسر مليارات الدولارات سنوياً بسبب انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، مشددين على ضرورة تطوير قوانين الملكية الفكرية لمواكبة الذكاء الاصطناعي.
وتفصيلاً، أكد الدكتور عبدالرحمن المعيني، الوكيل المساعد لقطاع الملكية الفكرية في وزارة الاقتصاد والسياحة في الإمارات، أن أهمية الملكية الفكرية تكمن في تمكين المبدعين والمخترعين من حماية أعمالهم من التقليد أو الاستغلال غير المشروع، وضمان حقهم في الاستفادة المادية والمعنوية من إبداعاتهم.
وأشار إلى أن دولة الإمارات، بحسب المؤشر العالمي للابتكار الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، تعتبر الأولى على مستوى المنطقة العربية، بفضل المنظومة الوطنية المتكاملة للملكية الفكرية والتي تضم 32 مبادرة، وتهدف في مجملها إلى تعزيز الابتكار، وتحفيز الإبداع، وتمكين أصحاب الأفكار من تحويل ابتكاراتهم إلى أصول اقتصادية تسهم في النمو والتنويع الاقتصادي.
قرصنة
ولفت الدكتور المعيني إلى أن الملكية الفكرية حول العالم تشهد انتهاكات متعددة أبرزها القرصنة الرقمية والاعتداء على حقوق التأليف، لافتاً إلى أن هذه الانتهاكات تشهد تصاعداً ملحوظاً في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر نسخ غير قانونية من الأعمال الأدبية والموسيقية والبرمجيات، ما يشكل تهديداً مباشراً للمبدعين والصناعات الإبداعية.
واستجابة لهذه التحديات، طورت الإمارات آليات تنفيذية حديثة تتيح الحظر الفوري للمواقع المخالفة بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات، وهي آلية مخصصة للتعامل مع انتهاكات البث الرقمي والمحتوى المتداول عبر الإنترنت، بما يعكس نهجاً عملياً وسريع الاستجابة في إنفاذ حقوق الملكية الفكرية.
وأكد أن الملكية الفكرية في الإمارات تشكل نموذجاً يحتذى من خلال تطوير التشريعات وتحديث الإجراءات، حيث رسخت الدولة مكانتها كنموذج متقدم في مجال الملكية الفكرية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأضاف الوكيل المساعد لقطاع الملكية الفكرية، أن هذا التقدم يعكس تبني سياسات متكاملة تجمع بين الحماية القانونية، وسهولة الإجراءات، والربط بين الملكية الفكرية وأهداف الابتكار والتنمية الاقتصادية، مؤكداً أن هذا النهج أسهم في تعزيز ثقة المبدعين والمستثمرين بمنظومة الملكية الفكرية، وربطها بشكل مباشر بدعم الشركات الناشئة، وتحفيز البحث والتطوير، وتعزيز تنافسية الاقتصاد القائم على المعرفة.
وأفاد أن وزارة الاقتصاد أطلقت مؤخراً مبادرة «سوق العلامات التجارية» وهو أول منصة رقمية لبيع وتداول العلامات التجارية من نوعها في الإمارات والمنطقة، مبيناً أن التطور السريع للتكنولوجيات وأدواتها، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أعاد تشكيل مشهد الملكية الفكرية عالمياً.
وطرح أسئلة قانونية جديدة حول حماية الإبداع في العصر الرقمي، مؤكداً بأن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) تقود نقاشات دولية متقدمة، من أبرزها مناقشة الملكية الفكرية والتكنولوجيات الحدودية، التي تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق التأليف وبراءات الاختراع، والتحديات المرتبطة بالأعمال الناتجة أو المدعومة بالخوارزميات.
وأوضح أن الوزارة وظفت التقنيات المتقدمة في تطوير خدمات الملكية الفكرية، بما في ذلك استخدام أدوات ذكية في فحص الطلبات، وتحليل البيانات، وتسريع الإجراءات، ورفع جودة القرارات، بما يعزز كفاءة المنظومة ويواكب التحول الرقمي الحكومي.
وقال الدكتور المعيني إن الوزارة تعمل على تسجيل العلامات التجارية غير التقليدية مثل علامة الصوت وعلامة الرائحة وعلامة المؤشر الجغرافي وعلامة الهولوجرام.
مشيراً إلى أن الاعتداء على الحقوق لا يعني خسارة مالية فقط، بل نفسية أيضاً من خلال الشعور بالإحباط، فضلاً عن تعطيل المسار المهني، وفقد الثقة في عدالة السوق.
وقال إنه من هذا المنطلق، عززت الوزارة حماية حقوق المؤلفين والمبدعين من خلال شراكات مؤسسية وآليات إنفاذ تهدف إلى ضمان عدم استغلال المحتوى أو تداوله دون موافقة أصحاب الحقوق، بما يعزز الشعور بالأمان القانوني للمبدع.
وأكد الدكتور المعيني أن انتهاك حقوق الملكية الفكرية يشكل عبئاً اقتصادياً كبيراً على الشركات والصناعات الإبداعية، إذ يؤدي إلى خسائر في الإيرادات، وتراجع الحوافز للاستثمار في الابتكار، وإضعاف القدرة التنافسية للأسواق.
منوهاً بأن القرصنة وسرقة المحتوى تمتد آثارها إلى قطاعات حيوية مثل النشر، والموسيقى، والبرمجيات، والتصميم، حيث تفقد الشركات قدرتها على استرداد تكاليف البحث والتطوير، كما يؤثر ضعف الحماية على ثقة المستثمرين، ويحد من نمو المشاريع الإبداعية الناشئة، ويجعل بعض الأسواق أقل جذباً للأفكار الجديدة.
تفعيل وتشجيع
وشدد وكيل وزارة الاقتصاد على أهمية ترسيخ مفاهيم الملكية الفكرية في نفوس الطلبة والشباب بوصفها أداة تمكينية تحمي الأفكار والإبداعات، وتمنحهم الثقة لتحويل إبداعاتهم إلى مسارات مهنية واقتصادية مستدامة، عبر تفعيل دور المؤسسات التعليمية والجامعات من خلال تشجيع الطلبة على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتطبيق، مع التأكيد على أهمية التسجيل والحماية القانونية للأعمال الإبداعية منذ المراحل المبكرة، ليتمكنوا من المنافسة بثقة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأكد أن الخدمات الرقمية المبسطة التي أطلقتها وزارة الاقتصاد، أسهمت في تسهيل تسجيل المصنفات والحقوق الفكرية، بما يشجع الطلبة والمبتكرين الشباب على حماية أعمالهم منذ مراحلها الأولى وتحويلها إلى مشاريع قابلة للنمو والتسويق، مشيراً إلى حرص الوزارة على التعاون المستمر مع المدارس والجامعات لتنظيم ورش توعوية وبرامج تثقيفية، تهدف إلى تمكين الشباب من فهم حقوقهم الفكرية وتعزيز بيئة محفّزة على الابتكار والإبداع.
تحولات متسارعة
وبين وكيل وزارة الاقتصاد أن التحولات المتسارعة في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي تشير إلى أن منظومة الملكية الفكرية ستشهد تغييرات جوهرية خلال السنوات المقبلة، مما يستدعي تبني نهج تشريعي مرن، وبنية رقمية متقدمة، ومبادرات استباقية ضمن منظومة، وتعزيز الدور الإقليمي للدولة في مجال الملكية الفكرية، وتحقيق توازن مستدام بين حماية الإبداع ودعم الاقتصاد المعرفي.
بوابات رقمية
من جهته، يرى الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، أن الدول الأكثر تقدماً هي تلك التي ربطت حماية الملكية الفكرية باقتصاد الابتكار وريادة الأعمال، ووفرت بوابات رقمية للتسجيل.
وفرق تفتيش فعالة، ورأس مال مخاطر قادر على تحويل الفكرة إلى منتج ناجح، وهو ما فعلته دولة الإمارات، لافتاً إلى اتساع فجوة الانتهاكات، فالقرصنة الرقمية لم تعد محصورة في نسخ الأقراص، بل امتدت إلى تطبيقات IPTV غير المرخصة، وحسابات إعادة النشر، ونسخ المقاطع القصيرة دون إذن.
وأشار إلى أنه خلال دقائق، يمكن إعادة نشر فيديو أو بودكاست أو تصميم بعد حذف العلامة المائية أو إجراء تعديل طفيف للهروب من الرصد، مذكراً بالقضية التي شهدتها مصر العام الماضي 2025، حين ألزمت المحكمة الاقتصادية شركة إعلان بدفع 500 ألف جنيه تعويضاً لورثة الفنان عبدالحليم حافظ لاستخدام عمل فني دون إذن، في سابقة أثارت النقاش حول حدود الاستغلال التجاري.
وقال إن دولة الإمارات قدمت نموذجاً متقدماً في حماية الملكية الفكرية عبر منظومة تشريعية حديثة، من بينها قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة (المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2021)، وقانون تنظيم وحماية الملكية الصناعية (القانون الاتحادي رقم 11 لسنة 2021).
أصالة وابتكار
وأكد البروفيسور سعيد خلفان الظاهري، مدير مركز الدراسات المستقبلية بجامعة دبي، أن الذكاء الاصطناعي أعاد تعريف مفاهيم «الأصالة» و«الابتكار»، وخلق منطقة رمادية بين الاستلهام المشروع والتعدي غير المقصود، وفي الوقت نفسه، أتاحت التقنية أدوات متقدمة لإدارة الحقوق، مثل التوثيق الزمني وتتبع الاستخدام الرقمي، ما يجعله تحدياً وفرصة في آنٍ واحد.
وقال: «خلف النصوص القانونية، يقف مبدعون يدفعون ثمناً نفسياً ومهنياً باهظاً، فهناك مصممة تسرق هويتها البصرية وتعاد نشرها دون نسب، ورائد أعمال يفقد ميزة السبق لأن فكرته سربت قبل تسجيلها، مما يؤدي إلى الإحباط، وفقدان الدافعية، وتراجع فرص التعاقد، ويتخلى الكثير من المبدعين عن الاستمرار، ليس لعجز في الموهبة، بل لغياب الإحساس بالعدالة».
تنمية اقتصادية واجتماعية
وأكدت الدكتورة منى يحيى، نائب رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، أن دولاً عربية عدة، مثل الإمارات ومصر، أطلقت استراتيجيات وطنية للملكية الفكرية، إدراكاً لأثرها المباشر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت إنه خلال العقد المقبل، ستتسع مساحة الحقوق الرقمية، من البصمة والعلامات المائية إلى إثبات الأسبقية وربما سجلات لامركزية موثوقة، وستصبح النزاعات أكثر تعقيداً مع قضايا بيانات التدريب، والاستنساخ الصوتي والبصري، والتزييف العميق.
وأضافت أن السؤال الأصح لم يعد: كيف نبتكر فقط؟ بل: كيف نحمي ما نبتكره؟، إذ إن الابتكار دون حماية هو فكرة عارية في سوق مفتوحة، أما حماية الملكية الفكرية فهي الطريق إلى اقتصاد عربي أكثر استدامة، وعدالة، وقدرة على المنافسة في عالم تحكمه الأفكار قبل أي شيء آخر.
أفكار مبتكرة
من ناحيته يرى الدكتور عصام الكردي، رئيس جامعة العلمين في مصر، أن مشروعات التخرج في الجامعات لم تعد مجرد أوراق بحثية تناقش ثم تحفظ في الأدراج، بل أصبحت في كثير من الأحيان أفكاراً مبتكرة تحمل حلولاً حقيقية لمشكلات المجتمع، وتفتح آفاقاً جديدة لريادة الأعمال والاقتصاد القائم على المعرفة.
وقال إن المؤسسات التعليمية تضع لوائح واضحة تنص على حفظ الحقوق الفكرية والأدبية للطلاب والمؤسسة، وتمنع استغلال مشروعاتهم دون موافقة رسمية ومكتوبة، كما يتم توثيق هذه المشروعات إلكترونياً داخل قواعد بيانات مؤمنة، بما يضمن إثبات أسبقية الفكرة وحماية أصحابها قانونياً.
وشدد على دور مكاتب الابتكار المحوري في توعية الطلاب بحقوقهم، ومساعدتهم في تسجيل براءات الاختراع وحقوق النشر، وتقديم الإرشاد القانوني اللازم لهم عند التعامل مع جهات خارجية. وفي حال وجود تعاون مع مؤسسات صناعية أو بحثية، يتم اللجوء إلى اتفاقيات عدم إفصاح تحمي الأفكار من السرقة أو الاستخدام غير المشروع.
كما شدد الدكتور الكردي على أهمية تعزيز حاضنات الأعمال ومسرعات ابتكار لتمكين الطلبة من تطوير مشروعاتهم وتحويلها إلى نماذج تطبيقية أو شركات ناشئة، وربط هذه المشروعات المتميزة بجهات إنتاجية وخدمية، بما يضمن استفادة المجتمع منها مع الحفاظ الكامل على حقوق الطلبة.
وأكد على أن حماية الملكية الفكرية لمشروعات الطلاب والمؤسسات أصبحت مؤشراً على جودة التعليم الجامعي، ودليلاً على إيمان المؤسسة بقدرات شبابها، فحين يشعر الطالب أن فكرته مصونة، يصبح أكثر جرأة على الإبداع، وأكثر استعداداً لتحويل علمه إلى قيمة حقيقية تخدم المجتمع وتدفعه إلى الأمام.
مناهج دراسية
من جهته، أكد اللواء الدكتور عبد القدوس العبيدلي، رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للملكية الفكرية، عزم الجمعية تعزيز الشراكة مع وزارتي التربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي، لإعداد وإدراج برامج ومناهج دراسية متخصصة في مجال الملكية الفكرية لطلبة المدارس والجامعات.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي إيماناً بأهمية غرس ثقافة احترام حقوق الملكية الفكرية منذ المراحل التعليمية المبكرة، وبناء وعي معرفي يسهم في حماية الابتكارات والإبداعات الوطنية، وأضاف:
«إن إدراج هذه المناهج سيعمل على تمكين الطلبة من فهم آليات تسجيل وحماية الأفكار والاختراعات، وتشجيعهم على الابتكار المسؤول، بما يدعم توجهات الدولة نحو اقتصاد المعرفة ويعزز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للابتكار».
قيود تقنية وزمنية
من جانبها، أكدت الدكتورة رانية عبدالله، مدير برنامج الاتصال والإعلام بجامعة العين، أن تقنيات الذكاء الاصطناعي مكنت المبدعين من توسيع آفاقهم الإبداعية، وتسريع الإنتاج، وتجاوز كثير من القيود التقنية والزمنية، غير أن هذا التمكين يواجه تحديات تتمثل في ضبابية الملكية الفكرية.
خصوصاً عندما تنتج الخوارزميات محتوى عالي الجودة بتدخل بشري محدود، حيث يتحول دور الإنسان إلى مجرد مدخل بيانات، فتنتج الخوارزمية العمل بصورة شبه مستقلة، ما يخلق فراغاً تشريعياً قد يؤدي إلى انتهاك الحقوق أو إرباك مفهوم الأصالة.
وقالت إنه لم يعد كافياً الاعتماد على التعريفات التقليدية للعمل الإبداعي، بل أصبح من الضروري إعادة صياغتها بما يتواءم طبيعة الإنتاج الهجين بين الإنسان والآلة.
مشيرة إلى أن هذه التحديات فرضت تطوير أدوات وتقنيات حديثة للكشف عن الانتحال والقرصنة، تعتمد على تحليل البصمة الرقمية والأسلوبية عوضاً عن المقارنة النصية السطحية، ورغم أهمية هذه الأدوات في حماية الحقوق وتعزيز الشفافية، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة إذا لم تدعم، بإطار قانوني واضح يلزم باستخدامها، ويحدد آليات المساءلة، ويوازن بين حماية الحقوق وحرية الابتكار.
منصات رقمية
بدورها، أوضحت الدكتورة رهف عجاج، أستاذ مشارك في جامعة أبوظبي، أن التشريعات التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة تسارع التطور الرقمي، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، فالقوانين الحالية غالباً ما تأتي متأخرة عن الواقع، وتتعامل مع نتائج التكنولوجيا بدل استباقها.
مشددة على ضرورة إنشاء منصات رقمية عربية موحدة لحماية الملكية الفكرية وتعزيز التعاون العربي وبناء تشريعات مرنة واستشرافية، قادرة على التكيف مع التطورات المستقبلية، لا مجرد تعديلات جزئية على نصوص قديمة، بحيث تعيد تعريف مفاهيم الملكية، وحقوق النشر، والمسؤولية القانونية، بما يستوعب مفاهيم جديدة مثل الإنتاج الآلي، والخوارزميات التوليدية، والبيانات الضخمة، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي وضع الحقوق الفكرية، أمام مرحلة مفصلية.
وحول التحديات التي تواجه الملكية الفكرية، ترى الدكتورة ميرفت أمين، أكاديمية في جامعة الإمارات، أن أبرزها يتمثل في غياب تعريف قانوني واضح لها في سياق الإنتاج الآلي، فالقوانين الحالية بنيت على افتراض أن الإبداع فعل إنساني واعٍ، فضلاً عن إشكالية الأصالة والابتكار.
فمع اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحليل ملايين الأعمال السابقة، يصبح من الصعب التمييز بين الإبداع الأصيل وإعادة التركيب الذكي للمحتوى، وهذا التداخل يهدد حقوق المبدعين الأصليين.
وأكد الدكتور سيف النيادي، أستاذ مساعد في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن التحدي الأبرز يتعلق بإثبات الملكية والتوثيق في البيئة الرقمية، في ظل الطبيعة العابرة للحدود للمحتوى الرقمي، فضلاً عن تمركز الملكية الرقمية بيد الشركات التكنولوجية الكبرى.
وهذه الشركات لا تمتلك فقط الخوارزميات، بل تسيطر أيضاً على البيانات، والمنصات، وقنوات النشر، وهو ما يمنحها نفوذاً غير مسبوق في تحديد من يملك المحتوى، وكيف يستخدم، ومن يستفيد منه اقتصادياً، مما يهدد مبدأ العدالة الرقمية لاسيما في الدول النامية.
وقال الدكتور رامي بيرم، النائب المشارك للبحث العلمي في جامعة الإمارات العربية المتحدة، إن الجامعة تحرص على تطوير محفظتها من براءات الاختراع من خلال دعم الأبحاث المتطورة.
وتقديم الحوافز للابتكار، وتمويل مشاريع بحثية نوعية، وتوسيع منظومتها البحثية وتعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز البحوث والصناعة في العالم، واستكشاف مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، والاستدامة والأمن الغذائي والصحي.
وأضاف أن جامعة الإمارات العربية المتحدة صنفت في عام 2021 ضمن أفضل 100 جامعة عالمياً من حيث عدد براءات الاختراع الأمريكية الممنوحة، حيث أحرزت المرتبة الـ90 عالمياً، وفقاً لتقرير مشترك صادر عن الأكاديمية الوطنية للمخترعين ورابطة مالكي الملكية الفكرية في الولايات المتحدة.
وقال الدكتور سائد الرباعي، مدير مركز التميز للتعلم والتعليم، وأستاذ مشارك في قسم نظم وأمن المعلومات بجامعة الإمارات: «إن الدولة عززت النظم البيئية للابتكار لدعم تطوير الملكية الفكرية وتسويقها.
حيث استثمرت بكثافة في إنشاء مجمعات تكنولوجية تزود رواد الأعمال والشركات الناشئة والشركات القائمة ببنية تحتية حديثة، ومرافق بحثية، كما تعمل حاضنات للصناعات تعتمد على الملكية الفكرية بكثافة، مثل التكنولوجيا، والتكنولوجيا الحيوية، والتصنيع المتقدم».
عقوبات
وحول قوانين وتشريعات الملكية الفكرية، أكد المحامي والمستشار القانوني علي مصبح ضاحي، أن الملكية الفكرية من أهم الأصول القانونية والاقتصادية التي تحرص الدول الحديثة على حمايتها، لما تمثله من قيمة حقيقية للأفراد والشركات والمجتمع.
مشيراً إلى أن جريمة سرقة الملكية الفكرية تعد أحد أخطر الاعتداءات القانونية في العصر الحديث. وبين أن سرقة الملكية الفكرية هي كل اعتداء غير مشروع على الحقوق الفكرية المحمية قانوناً، ويشمل ذلك استخدام، أو نسخ أو تقليد أو نشر أو استغلال أي مصنف أو ابتكار أو علامة تجارية أو اختراع أو تصميم صناعي دون إذن أو ترخيص من صاحبه الشرعي، وبما يخل بحقوقه الأدبية أو المالية.
وأفاد بأن هذه الجريمة تتخذ 6 صوراً وهي: نسخ أو إعادة نشر المصنفات الأدبية أو الفنية دون إذن، تقليد العلامات التجارية أو استخدام علامات مشابهة بقصد التضليل، الاستيلاء على براءات الاختراع أو الأسرار التجارية، القرصنة الرقمية، سرقة المحتوى الإلكتروني والبرمجيات، استخدام التصاميم أو الشعارات أو المحتوى الإبداعي دون موافقة.
وأكد حرص المشرع الإماراتي على توفير حماية تشريعية متكاملة للملكية الفكرية، من خلال مجموعة من القوانين الاتحادية، من أهمها: قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة، الذي يحمي المصنفات الأدبية والفنية والبرمجيات، قانون العلامات التجارية الذي يجرّم تقليد أو تزوير أو استخدام العلامة دون حق، قانون براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية، قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في ما يتعلق بالاعتداءات الرقمية.
هذا إلى جانب النصوص العامة الواردة في قانون العقوبات الاتحادي، حيث جاء هذا الإطار القانوني متوافقاً مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها الدولة، بما يعكس التزام الإمارات بحماية حقوق المبدعين والمستثمرين.
وقال إن العقوبة تختلف باختلاف نوع الاعتداء وطبيعته، إلا أن القانون الإماراتي شدد العقوبات لتشمل: الغرامات المالية الكبيرة التي قد تصل إلى ملايين الدراهم، الحبس في بعض صور الجرائم الجسيمة، خاصة في حالات التزوير أو القرصنة المنظمة، مصادرة المواد أو المنتجات المخالفة وإتلافها، إغلاق المنشأة المخالفة مؤقتاً أو نهائياً في بعض الحالات، التعويض المدني لصاحب الحق عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به.
وقال ضاحي: لا يشترط لتحقق الجريمة وجود ضرر فعلي، بل يكفي الاعتداء ذاته متى ثبتت أركانه القانونية. وحول الأبعاد العملية لسرقة الملكية الفكرية أشار ضاحي إلى أنه لا تقتصر خطورة سرقة الملكية الفكرية على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد آثارها إلى الإضرار بسمعة الشركات والمؤسسات، وفقدان الثقة في البيئة الاستثمارية.
وأكدت الدكتورة منى آل علي، أستاذ مساعد في أكاديمية ربدان بأبوظبي، ضرورة بحث مستقبل الابتكار والملكية الفكرية في ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، لا سيما أن الجهات المعنية في الدولة تجتهد وتحرص دائماً على تحقيق التطوير المستمر لمنظومة الملكية الفكرية من خلال الاستراتيجية الوطنية.
وقالت إن الإسهام في تبني تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يرفع ويزيد من كفاءة الفحص وتسريع دورة الاختراع أو الابتكار واحتضان الإبداع. وشددت على أهمية تعزيز التعاون الدولي مع مؤسسات الملكية الفكرية العالمية، حيث تمثل الملكية الفكرية الإطار الضامن لحماية هذا الابتكارات أو الاختراعات وتوجيهها نحو التنمية الشاملة.
مبدعون: تشريعات الإمارات تحمي الحقوق والابتكارات
أكد مبدعون ومخترعون إماراتيون أن الإمارات وفرت تشريعات داعمة للملكية الفكرية، وحاضنات أعمال، ومسرعات ابتكار، وتمويلاً تنافسياً، أسهم في خلق بيئة محفزة تحمي حقوق المبدعين وتفتح أمامهم آفاقاً عالمية، لتصبح الإمارات منصة إقليمية تحتضن العقول الخلّاقة وتراهن على المعرفة بوصفها ثروة لا تنضب.
وقال حارب الشحي، إن الاستخدام المتزايد لأنظمة الذكاء الاصطناعي في إنشاء المحتوى الإبداعي أدى لتغيير جذري في المشهد القانوني للملكية الفكرية، وهناك العديد من الدراسات حول ماهية استكشاف التحديات القانونية الرئيسة التي تفرضها هذه الثورة التكنولوجية، لا سيما فيما يتعلق بحقوق النشر والمسؤولية القانونية والقضايا الأخلاقية.
مشيراً إلى التشريعات الإماراتية الداعمة للملكية الفكرية والتي تحمي حقوق المبدعين. ولفت إلى أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية «الويبو» تحرص دائماً على التوعية بأهمية حقوق الملكية الفكرية، والتعريف بمجالاتها المختلفة كالعلامات التجارية وبراءات الاختراع والتصاميم الصناعية وحق المؤلف وغيرها من المجالات والصناعات الإبداعية.
وأكد مشعل المرزوقي أن تشريعات حماية الملكية الفكرية ضرورية للحفاظ على المبتكرين ومنع هجرتهم، مثمناً جهود الإمارات في حماية حقوق الملكية الفكرية بما يعكس رؤيتها بأن تصبح اقتصاداً قائماً على المعرفة ورائدة عالمياً في مجال الابتكار.
بدوره، قال عزيز جميل: «في الإمارات لا تهمش الأفكار الجريئة، بل تمنح الفرصة لتكبر، وتدعم لتنافس عالمياً، وهو ما جعلها بيئة ملهمة لكل من يؤمن بأن الابتكار هو لغة المستقبل».
مؤكداً أن ما يميز التجربة الإماراتية هو الانتقال من مرحلة الاحتفاء بالأفكار إلى مرحلة تمكين المخترعين من تحويل ابتكاراتهم إلى منتجات قابلة للتطبيق والتسويق، في بيئة تحمي الملكية الفكرية وتوفر مسارات واضحة للتجربة والاختبار.
وأضاف أن وجود حاضنات الابتكار والمسرعات، إلى جانب الدعم الحكومي والخاص، منح المخترعين ثقة حقيقية في أن أفكارهم يمكن أن ترى النور داخل الدولة وتصل إلى العالمية.
توصيات
تحديث وتطوير التشريعات بشكل مستمر
توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المخالفات
تعزيز التعاون وتبادل الخبرات بين الدول العربية
تطوير الاتفاقيات والتشريعات الدولية لحماية الأعمال
تحديد الشخصية القانونية لتقنية الذكاء الاصطناعي
وضع معايير أخلاقية لاستخدام التقنيات الذكية
رفع الوعي المجتمعي وتعزيز الابتكار في الجامعات
