حال الإمارات

قصص الزواج في «السوشيال ميديا» مثالية زائفة تهدد استقرار الأسرة

قصص الزواج في «السوشيال ميديا» مثالية زائفة تهدد استقرار الأسرة

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 19 فبراير 2026 12:21 صباحاً - مريم العدان وريد السويدي

حياة زوجية مثالية يصورها المشاهير على «السوشيال ميديا»، تتضمن حفلات أسطورية وهدايا ورحلات ومواقف رومانسية على طريقة أفلام السينما، وهو ما يجعل البعض في حالة دهشة ترسم في أذهانهم صورة غير واقعية عن الحياة الزوجية وتكوين الأسرة، صورة تتجاهل التحديات والمواقف الصعبة التي تعترض حياة الأزواج ويعبرونها بالصبر والتكاتف والمودة والفهم الحقيقي لمعنى التماسك الأسري.

الحياة الزائفة المصنوعة رقمياً، والتي يعرضها المشاهير لجذب المتابعين وتحقيق المشاهدات، لا تعكس واقع حياتهم العادية التي تعصف بها الأزمات أحياناً، لكنها تخلق مقارنات في أذهان غير الناضجين وتعرضهم لضغوط نفسية وإحباطات تعكر صفو حياتهم.

ولم تعد الصورة الحقيقية للزواج في أذهان كثير من الشباب تنطلق فقط من الواقع الأسري أو من التجارب الاجتماعية المباشرة، بل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي لاعباً رئيسياً في تشكيل هذه الصورة وإعادة تعريف ملامحها، بعدما تحولت إلى منصة يومية تعرض نماذج مثالية للحياة الزوجية تركز على مظاهر السعادة والانسجام والرفاه، وتغفل في المقابل التحديات الطبيعية والمسؤوليات والخلافات التي تعد جزءاً أساسياً من أي علاقة زوجية ومع التدفق المستمر لهذا النوع من المحتوى، لم يعد ينظر إلى الزواج باعتباره شراكة تقوم على التفاهم والصبر والتكيف، بل بات في نظر البعض تجربة مثالية خالية من الضغوط، كما تعكسها الصور ومقاطع الفيديو التي يتم انتقاؤها بعناية ونشرها بصورة متكررة.

ومع تكرار هذا النموذج الرقمي، تسببت مواقع التواصل الاجتماعي في تغيير الصورة الحقيقية للزواج، ورفعت سقف التوقعات إلى مستويات لا تتوافق مع طبيعة الحياة اليومية، وفرضت ضغوطاً غير مباشرة على الأزواج من خلال المقارنة المستمرة بما يتم عرضه من نماذج مثالية.

منظومة حيوية

وأكدت الدكتورة رحاب يوسف، طبيبة أسرة، أن الزواج ليس مجرد ارتباط اجتماعي، بل منظومة حيوية متكاملة تؤثر في الصحة النفسية والهرمونية والسلوكية للفرد، فالدراسات الطبية تربط بين الاستقرار الزوجي وانخفاض معدلات القلق والاكتئاب، وتحسن جودة النوم، وتوازن هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، مشيرة إلى أن «السوشيال ميديا» غيرت الإطار الذي يُفهم من خلاله الزواج، فبعد أن كان يقوم على الخصوصية والهدوء وتكوين ترابط عاطفي عميق، أصبح جزء من العلاقات يُعرض في مساحة مفتوحة للتقييم العام.

وأشارت إلى أن الإفراط في مشاركة التفاصيل اليومية يجعل العلاقة عرضة لضغط خارجي مستمر، محذرة من أن بناء الزواج على معايير استعراضية يرفع احتمالات الصدمات العاطفية والانفصال، وما يصاحبه من اضطرابات قلق وتكيف لدى الطرفين.

وأوضحت أن وهم الخيارات غير المحدودة قد يضعف الصبر ويقلل من مهارات إدارة الخلاف، مؤكدة أن الزواج الصحي يحتاج إلى بيئة نفسية آمنة وحدود واضحة للخصوصية وفصل بين الواقع والصورة الرقمية.

مسؤوليات

ومن منظور الطب النفسي، أكد الدكتور رياض خضير أن المقارنة المستمرة بالحياة الرقمية المثالية أصبحت عاملاً مؤثراً في إضعاف الرضا الزوجي، فالمحتوى المتداول يعرض لحظات منتقاة بعناية تتضمن سفر، ومفاجآت رومانسية، وانسجام دائم، ما يدفع الدماغ لاعتمادها معياراً للحياة الطبيعية. وقال: «مع الوقت تتسع الفجوة بين الواقع المليء بالمسؤوليات وضغط العمل، وبين الصورة المثالية المتخيلة، فينشأ شعور بالنقص أو الإحباط رغم أن العلاقة قد تكون مستقرة».

ولفت إلى أن المشكلة لا تكمن في الزواج ذاته، بل في المعيار الذي يُقاس به، فالصورة الوردية التي تروج لانسجام دائم تتجاهل أن الخلاف جزء طبيعي من أي علاقة ناضجة، وعندما يُفهم أي اختلاف بسيط على أنه فشل، يتزايد الضغط النفسي ويتراجع الرضا العام، كما يشير إلى أن المقارنة المزمنة تستنزف الامتنان، فيتحول التركيز من عناصر الدعم والمشاركة إلى ما ينقص، فتفقد اللحظات اليومية البسيطة قيمتها النفسية، وتتكوّن فجوة عاطفية صامتة داخل العلاقة.

معايير الاختيار

وفي السياق المجتمعي، قالت شيخة سرحان «خطابة»، إن مواقع التواصل غيرت معايير الاختيار لدى البعض، فلم تعد الأخلاق والتوافق والقيم وحدها حاضرة، بل برزت معايير مرتبطة بالصورة والانطباع الخارجي والمستوى المادي، مشيرة إلى أن المقارنة المستمرة رفعت سقف التوقعات لدى الفتيات والشباب، ما يدفع بعضهم إلى رفض فرص مناسبة بحثاً عن نموذج مثالي غير واقعي.

وأشارت إلى أن سرعة تداول النصائح والتجارب الفردية عبر المنصات قد تؤثر في قرارات مصيرية دون فهم خصوصية كل علاقة، مؤكدة أن الزواج الناجح يقوم على التفاهم والتكافؤ وتحمل المسؤولية، لا على المظاهر أو عدد المتابعين، مشددة على أهمية دور الأسرة في توجيه الأبناء حتى لا تتشكل تصوراتهم بالكامل عبر الشاشات.

فخ المقارنات

وأكدت الدكتورة مايا الهواري، دكتورة متخصصة في القيادة الذكية التربوية والذكاء العاطفي، أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تغير الزواج بحد ذاته، لكنها أعادت تشكيل طريقة التفكير فيه، خاصة لدى الجيل الجديد، فالمشكلة لا تكمن في عرض نماذج إيجابية، بل في تحويلها إلى معيار ثابت يُقاس به الجميع.

وأوضحت أن الدماغ يميل بطبيعته إلى المقارنة، ومع التعرض اليومي لصور مثالية منتقاة، يعيد ضبط توقعاته تلقائياً، فيصبح الرضا مرتبطاً بما يُرى خارج العلاقة لا بما يُعاش داخلها.

وحذرت من ثقافة الاستحقاق الفوري التي تعزز توقع مستوى عالٍ من الإشباع العاطفي الدائم، دون إدراك أن العلاقات تمر بدورات طبيعية من الاستقرار والتوتر والنمو، وعندما لا تتطابق التجربة الواقعية مع الصورة الرقمية، يظهر الشعور بالخيبة أو الشك.

ونوهت بأن الحل لا يكمن في الانسحاب الكامل من المنصات، بل في تعزيز الوعي النقدي وإعادة تعريف النجاح الزوجي بعيداً عن معايير العرض الرقمي.

سلاح ذو حدين

ووصفت علياء العامري، المحامية والقانونية، مواقع التواصل الاجتماعي بأنها سلاح ذو حدين، مؤكدة أن تأثيرها السلبي بات واضحاً على العلاقات الزوجية والأبناء والمراهقين، خصوصاً في بدايات الزواج، مشيرة إلى أن كثيراً من الصور المثالية التي تُعرض عن الزواج والسفر والهدايا ليست سوى مشاهد منتقاة أو تمثيلية تهدف إلى زيادة المشاهدات وتحقيق أرباح، بينما الواقع بحسب ما تكشفه القضايا القانونية مختلف تماماً.

وترى أن تقليد هذه الأنماط الزائفة رفع سقف التوقعات داخل البيوت، وأسهم في زيادة الخلافات وضعف الروابط الأسرية.

وحذرت العامري من أن سوء استخدام هذه المنصات ارتبط بارتفاع نسب الطلاق والتفكك الأسري، إلى جانب مظاهر العزلة الاجتماعية وإدمان الاستخدام، ما ينعكس سلباً على الصحة النفسية، ويجعل الأبناء الحلقة الأضعف في النزاعات، مشددة على ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بالحقوق والواجبات، والعودة إلى مفهوم الأسرة المتماسكة القائمة على المسؤولية والاحترام، مؤكدة أن حماية تماسك البيت تبدأ بالتعامل الواعي مع هذه المنصات.

رؤية شبابية

وأكد عدد من الشباب أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى عامل مؤثر في تشكيل صورة مثالية غير واقعية عن الزواج، وتسببت في أزمات ومشاكل أسرية، لكنها أيضاً تحمل جوانب إيجابية، مثل التعرف إلى الحقوق والواجبات الزوجية واكتساب مهارات التعاون وإدارة المنزل.

وتفصيلاً، قالت غالية منصور الشامسي إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملاً مؤثراً بشكل واضح في العلاقات الزوجية، خصوصاً لدى جيلنا.

وأوضحت أنها، من خلال نقاشاتها في المراحل الدراسية ومع صديقاتها، لاحظت تصاعد الحديث حول تأثير هذه المنصات على الحياة الأسرية، مؤكدة أن وعي الشباب بهذه القضايا بات أكبر مع اقترابهم من مرحلة الجامعة وتحمل المسؤولية.

وأكدت أن سوء استخدام وسائل التواصل يسهم في زيادة الخلافات بين الأزواج، إلى جانب الإهمال تجاه الأبناء، موضحة أن الانشغال المفرط بالهواتف الذكية قلل من مساحة الحوار المباشر بين الزوجين، وأضعف الترابط العاطفي داخل الأسرة.

وأضافت أن هذا الاستخدام السلبي يخلق حالة من الفراغ وغياب التواصل الحقيقي بين أفراد البيت، وتطور بعض العلاقات الإلكترونية إلى ما يُعرف بـ«الخيانة الرقمية»، التي قد تهدد استقرار الزواج وتؤدي إلى تفكك الأسرة وضياع الأبناء.

وقالت إيمان محروس محمد إن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل تحولت إلى عامل مؤثر في تشكيل صورة مثالية غير واقعية عن الزواج، خاصة مع انتشار حسابات تعرض حياة تبدو خالية من الخلافات ومليئة بالسفر والهدايا الباهظة.

وأشارت إلى أن تكرار هذه الصور يدفع كثيرين إلى تصديقها بوصفها نموذجاً للحياة الطبيعية، رغم أنها لا تعكس تفاصيل الواقع اليومي.

وأوضحت أن المقارنات المستمرة تنتقل إلى داخل البيوت، فتخلق شعوراً بعدم الرضا وتفتح باب الخلافات بين الأزواج، مؤكدة أن تأثير هذا المحتوى لا يقتصر على العلاقة الزوجية فحسب، بل يمتد إلى الأبناء والمجتمع، من خلال ترسيخ قيم استهلاكية ومبالغات مالية غير صحية.

وقال حسن سليمان سعيد الوتري إن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل مباشر في رفع تكاليف الزواج، عبر تعزيز ثقافة المباهاة والتقليد الأعمى للمشاهير، وفرض معايير غير واقعية لحفلات الزفاف والتجهيزات، ما شكل عبئاً مالياً على الزوجين، وانعكس سلباً على استقرارهما المادي والنفسي.

ولفت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت تؤثر بوضوح على المقبلين على الزواج، إذ ترفع سقف التوقعات من خلال الترويج لصورة مثالية للعلاقات، الأمر الذي قد يدفع بعضهم إلى اتخاذ قرارات مبنية على انطباعات رقمية لا تعكس الواقع، بما في ذلك الاعتماد على نصائح مؤثرين دون مراعاة الفروق الفردية لكل علاقة.

وأضاف أن تأثير وسائل التواصل يحمل جوانب إيجابية، مثل التعرف إلى الحقوق والواجبات الزوجية واكتساب مهارات التعاون وإدارة المنزل، إلا أن خطورتها تكمن في الانجراف وراء الصورة المثالية والمبالغة في الكماليات، مشدداً على ضرورة توجيه استخدام هذه المنصات لخدمة الحياة الزوجية بدلاً من ترسيخ مفاهيم استعراضية، وأن الاحترام والتقدير وتحمل المسؤولية تبقى الأسس الحقيقية لعلاقة مستقرة، إلى جانب دور الأسرة والمجتمع في توعية الشباب لاتخاذ قرارات واقعية ومتزنة.

وقال منصور بطي الشامسي إن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الأزواج لا يتخذ اتجاهاً واحداً، بل يتأرجح بين الإيجاب والسلب وفقاً لمدى وعي الطرفين وقدرتهما على التفاهم وترتيب الأولويات، فالصورة التي تروجها، بما تتضمنه من حفلات فاخرة وسفر متكرر وهدايا باهظة، تسهم في خلق توقعات غير واقعية، وتدفع إلى رفع تكاليف الزواج دون مبرر حقيقي.

ولفت إلى أن تفاصيل الحياة الخاصة، من مستوى المعيشة إلى الهدايا والسفر وتربية الأبناء، ليست مادة للنشر، موضحاً أن ما يُعرض عبر المنصات، خصوصاً من قبل بعض المؤثرين، لا يعكس بالضرورة الواقع. كما يرى أن الانسياق خلف هذه الصور يرسخ ثقافة المظاهر على حساب الاستقرار، مبيناً أن غياب الشخصية الاستقلالية لدى الزوجين قد ينعكس على تنشئة الأبناء، فينشأ جيل تابع لا قائد. ويضيف أن كثيراً مما يُعرض رقمياً قد يكون قائماً على ديون لشراء كماليات، لا على استثمارات حقيقية تُبنى عليها حياة مستقرة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا