حال الإمارات

مستقبل الابتكار المستدام يبدأ من النظم الحيوية ودعم البحث

مستقبل الابتكار المستدام يبدأ من النظم الحيوية ودعم البحث

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 22 فبراير 2026 12:06 صباحاً - تحقيق: جميلة إسماعيل، ومرفت عبد الحميد

تمثل النظم الحيوية والابتكارات القائمة على الطبيعة (المحاكاة الحيوية) مستقبل الاستدامة، من خلال تقديم حلول دائرية ذكية تحاكي الطبيعة لمعالجة تحديات تغير المناخ، وإدارة الموارد، والتصنيع النظيف. وتسهم التكنولوجيا الحيوية والتقنيات البيولوجية الصناعية بشكل كبير في تحقيق الأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، وتقليل النفايات، ما يضمن التوازن البيئي والتنافسية الصناعية.

وبينما تتقدم العلوم الهندسية وعلوم المواد والتقنيات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، يبرز توجه عالمي متنامٍ يستلهم النظم الطبيعية بوصفها مرجعاً للابتكار، لا عائقاً أمامه. هذا التحول يضع نقطة التلاقي بين العلم والطبيعة في قلب النقاش العالمي حول الاستدامة، ويطرح سؤالاً جوهرياً: «كيف يمكن للتقدم العلمي أن يعزز النظم البيئية ويتعاون معها، بدلاً من استنزافها أو تجاوز حدودها؟».

تكيف ومرونة

وفي هذا الإطار، يرى أكاديميون وخبراء في علوم الاستدامة لـ«حال الخليج» أن الطبيعة تمثل نموذجاً بالغ التعقيد والكفاءة، حيث طورت عبر ملايين السنين أنظمة عالية القدرة على التكيف والمرونة والتجدد.

وأكدوا أن الاستثمار في هذا المجال يتطلب دعماً بحثياً طويل الأمد، وتعاوناً وثيقاً بين الجامعات والقطاع الخاص وصناع القرار، مشددين على أن الرهان القادم لم يعد على ابتكار أسرع أو أقوى فحسب، بل على ابتكار أذكى وأكثر انسجاماً مع الكوكب، قادر على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو، وبناء نموذج تنموي يحترم حدود الطبيعة ويستفيد من حكمتها المتراكمة.

وأشاروا إلى أن دولة العربية المتحدة تمثل نموذجاً مهماً لتكامل البحث العلمي مع خصوصية البيئة المحلية، حيث تبرز أهمية تطوير حلول علمية تراعي طبيعة المناخ والموارد، وتعزز مسارات الابتكار المستدام القائم على الكفاءة والتوازن، بما يدعم بناء مستقبل متوازن يخدم الأجيال القادمة، لافتين إلى أن انعقاد القمة العالمية للعلماء لأول مرة في دبي يسلط الضوء على أهمية توظيف المعرفة العلمية وتعزيز دور البحث العلمي في دعم مسارات التنمية المستدامة.

واقع ملموس

من جهتها قالت الدكتورة منار بني مفرج، أستاذ مساعد في علوم الاستدامة والإدارة البيئية بكلية العلوم الطبيعية والصحية بجامعة زايد: «إن النقاش حول تغير المناخ وتدهور البيئة ونضوب الموارد الطبيعية لم يعد حكراً على المؤتمرات العلمية أو التقارير الدولية، بل أصبح واقعاً ملموساً ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية والاقتصادات الوطنية وخيارات التنمية المستقبلية».

وأضافت: «وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة لإعادة تعريف مفهوم التقدم العلمي، ليس بوصفه تراكماً تقنياً فحسب، بل بوصفه مساراً واعياً قادراً على التفاعل مع حدود الطبيعة بدلاً من تجاوزها، حيث أثبتت التجربة أن النماذج التنموية القائمة على الاستهلاك المكثف للموارد والطاقة لم تعد قابلة للاستمرار، فالكوكب يمتلك قدرة محدودة على التعافي، وأي تقدم علمي لا يضع هذه الحقيقة في صميم تصميمه هو تقدم مؤقت مهما بلغت درجة تطوره».

وأشارت إلى أن التوجه نحو التعلم أصبح يكتسب من الطبيعة أهمية متزايدة، ليس كطرح فلسفي أو بيئي رومانسي، بل كضرورة علمية ومنهجية. وأكدت أن النظم الطبيعية تعمل وفق مبادئ دقيقة من التوازن والكفاءة والتكيف، فهي لا تعرف الهدر، ولا تفصل بين الإنتاج والحفاظ على الموارد، ولا تعتمد على حلول قصيرة المدى، ما يقدم للعلم نموذجاً مختلفاً في التفكير والتصميم، يسهم في تطوير تقنيات وأنظمة أكثر مرونة وقدرة على الصمود في مواجهة التغيرات البيئية والمناخية.

كما أوضحت أن مسؤولية العلماء والباحثين تتحول من مجرد إنتاج المعرفة إلى توجيهها نحو خدمة الاستدامة الشاملة، فالعلم اليوم مطالب بأن يكون جزءاً من الحل، لا عاملاً إضافياً في تعقيد الأزمة البيئية، وهو ما يتطلب تبني مقاربات بحثية متعددة التخصصات، تدمج بين العلوم الطبيعية والهندسية والإنسانية، وتضع الإنسان ضمن سياقه البيئي، لا خارجه.

حلول أكثر كفاءة

ومن جانب آخر أشار البروفيسور أفرام هيرشكو، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، إلى أن الكثير من الحلول الأكثر كفاءة اليوم مستوحاة مباشرة من الطبيعة، سواء في تصميم المواد، أو إدارة الطاقة، أو أنظمة التبريد والتهوية وغيرها.

وقال إن مفاهيم مثل الهندسة الحيوية والتصميم المستوحى من الطبيعة باتت تشكل اتجاهاً رئيسياً في البحث العلمي، إذ تستخدم أنماط نمو النباتات، وهياكل العظام، وحتى سلوكيات الكائنات الحية نماذج لتطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للموارد.

وأكد الأستاذ الدكتور فارس الهواري، الخبير في علوم البيئة وإدارة الموارد بجامعة عجمان، أن الحلول الناجحة والفاعلة للتحديات المناخية غير المسبوقة التي يواجهها العالم لا توجد في المختبرات المغلقة فحسب، بل في «المختبر المفتوح» الذي صقلته الطبيعة عبر مليارات السنين.

ويرى الدكتور الهواري أن البشرية تقف اليوم عند منعطف تاريخي في علاقتها مع الكوكب، فبعد عقود من محاولات «السيطرة» على الطبيعة، ننتقل الآن إلى مرحلة «التعلم» منها.

وبناء على مسيرة الدكتور الهواري البحثية الممتدة إلى 25 عاماً في علوم البيئة والذكاء الاصطناعي، أوضح أن الانتقال من مرحلة السيطرة إلى التكامل مع الطبيعة بات اليوم ضرورة علمية واستراتيجية، وليس مجرد خيار، مشيراً إلى أن مفهوم المحاكاة الحيوية يتجاوز مجرد التقليد الشكلي للطبيعة، ليصبح عملية تحليل عميق للمبادئ الحيوية التي تمنح الأنظمة الطبيعية كفاءتها ومرونتها.

وقال: «إن هذه المبادئ ألهمت سلسلة من الابتكارات الثورية، فمن كفاءة الطاقة المستوحاة من أنظمة التهوية في أعشاش النمل الأبيض إلى المواد الذكية مثل الطلاءات ذاتية التنظيف المبنية على خصائص أوراق اللوتس، وصولاً إلى تطورات في الطاقة والنقل تشمل خلايا شمسية تحاكي آليات التمثيل الضوئي وتصميم طائرات تعتمد على انسيابية حركة الطيور»، مؤكداً أن المستقبل يتطلب علماً يستلهم من الطبيعة، ولا يتجاهل حدودها، فالحلول الأكثر استدامة هي تلك التي تعزز قدرة النظم الطبيعية بدلاً من استنزافها، لافتاً إلى أن الدمج بين العلوم الطبيعية والذكاء الاصطناعي يمثل حجر الزاوية في التنمية المستدامة، حيث يسمح بفهم أعمق لكيفية عمل النظم البيئية وتطبيقها في المدن الذكية ومعالجة المياه.

كما قال البروفيسور ألويزي زي. نوفاك، الرئيس الأكاديمي لجامعة وارسو: «إن استلهام الطبيعة في البحث العلمي لا يعني محاكاة أشكالها السطحية، بل فهم آلياتها العميقة وكيفية إدارتها للطاقة والمواد والعلاقات داخل النظام الواحد، ومن خلال هذا الفهم تستطيع العلوم المتقدمة إعادة توجيه مسار الابتكار نحو حلول تتكامل مع النظم الطبيعية، بدلاً من السعي إلى تجاوزها أو تعويض اختلالاتها بتقنيات منفصلة عنها، فحين يستوعب العلم هذه الآليات يصبح قادراً على تقديم حلول تحقق الكفاءة دون استنزاف، والتطور دون الإضرار بالبيئة، والابتكار دون تحميل الأجيال القادمة كلفة باهظة».

وأكد البروفيسور لويس مانويل دوس أنجوس فيريرا، الرئيس الأكاديمي لجامعة لشبونة، أن استلهام الطبيعة في مسارات العلم والابتكار يفتح آفاقاً أوسع لبناء مستقبل أكثر انسجاماً مع البيئة، يوظف فيه التقدم العلمي لخدمة الإنسان دون الإضرار بالكوكب.

وأشار الدكتور سيف النيادي، أستاذ مساعد في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، إلى أن دولة الإمارات تحفل بمؤسسات أكاديمية عليا لها خبرتها اللامحدودة في مجال البحوث البيئية، وريادة الاستدامة، والمبادرات العالمية في مجال حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية. وتأخذ تلك المؤسسات على عاتقها تقديم حلول مبتكرة لمواجهة التحديات العالمية لبناء إرث مستدام للأجيال القادمة، إلى جانب الحفاظ على أدوارها الرائدة في مجال رعاية البيئة وإسهاماتها البحثية الرائدة في العمل المناخي.

وأوضحت الدكتورة منى آل علي، أستاذ مساعد في أكاديمية ربدان، أن التحديات التي تواجه كوكب الأرض يمكن التغلب عليها بكثير من الحلول، ويعد أبرزها تعزيز العمل البحثي، بحيث نمتلك قدرات وممكنات تضع نهاية للكثير من الأزمات الراهنة والمستقبلية في مختلف المجالات، كما أن قدرة الباحثين على تحويل التحديات إلى فرص تحقق الجودة في الأداء، والدقة في المنتج البحثي.

وأكدت ضرورة تركيز العلماء والباحثين والأكاديميين المتخصصين على أهم القضايا الملحّة على الساحة البحثية، وآثار الأبحاث في ملفات حيوية متنوعة، أبرزها البيئة وتغيرات المناخ والطاقة والأمراض الجديدة التي بدأت تطفو على الساحة في جميع دول العالم أخيراً، إلى جانب أهمية دعم الباحثين الشباب بتقديم برامج تدريبية وتمويلية لهم لتطوير مهاراتهم وتعزيز قدراتهم وتوظيف إمكاناتهم في مجال البحث العلمي.

Advertisements

قد تقرأ أيضا