ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 22 فبراير 2026 12:06 صباحاً - منذ أن أضيئت فوانيس رمضان في الشوارع، ومدت موائد الإفطار، هناك جيش صامت يعمل بلا ضجيج، جنود مجهولون لا تتصدر أسماؤهم العناوين، لكن أثرهم حاضر في كل وجبة إفطار، وكل طرد غذائي، وكل ابتسامة ترسم على وجه محتاج. إنهم المتطوعون، ركيزة العمل الإنساني وروح المبادرات الرمضانية، حيث تتلاقى جهود المواطنين والمقيمين على هدف واحد: خدمة الإنسان، وصناعة الأثر الإيجابي، ورد الجميل لهذا الوطن المعطاء.
وقبل دخول شهر رمضان المبارك، بدأت عجلة العمل التطوعي في الدوران مبكراً، قبل أسابيع من بدء الشهر الفضيل، بل أحياناً قبل أشهر، فرق شبابية، وأفراد من مختلف الأعمار والجنسيات، يجتمعون تحت مظلة مؤسسات وهيئات خيرية وإنسانية، أو عبر مبادرات مجتمعية، لوضع خطط دقيقة تشمل حصر الأسر المتعففة، وتجهيز السلال الغذائية، وتنظيم موائد الإفطار، وحملات توزيع الوجبات. ومع كل عام، يثبت المتطوعون أنهم القلب النابض للمبادرات الرمضانية، وأن الجنود المجهولين هم من يمنحون هذا الشهر روحه الحقيقية، إيماناً بأن العطاء لا يقاس بعدد الساعات، بل بصدق النية وعمق الأثر.
وأكد عدد من المتطوعين أن العمل التطوعي خلال الشهر الفضيل يحمل معنى مختلفاً، كونه يجمع بين العبادة وخدمة المجتمع، لافتين إلى أن الاستعداد لرمضان يبدأ مبكراً، عبر تجهيز الطرود الغذائية وتنظيم فرق التوزيع، مؤكدين أن أجمل ما في التطوع هو الإحساس بأنك جزء من منظومة إنسانية تدخل الفرح إلى بيوت قد لا نعرف أصحابها، لكننا نشعر بقربهم.
رسالة إنسانية
ويقول علي البلوشي، مسؤول العلاقات الحكومية في جمعية بيت الخير ومسؤول الفريق الميداني لتوزيع الوجبات: إن العمل الميداني يشكل إحدى الركائز الأساسية في تحقيق رسالة الجمعية الإنسانية، وترجمة قيم العطاء والمسؤولية المجتمعية على أرض الواقع.
وأوضح أن فرق التوزيع الميداني تحرص على الوصول إلى العمال المقيمين والأسر المتعففة في مختلف المناطق، وتقديم الوجبات بأسلوب يحفظ كرامتهم ويعكس احترام إنسانيتهم، مشيراً إلى أن هذا الدور يتطلب تنسيقاً عالياً وروح فريق متكاملة وإحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع.
وأضاف أن ما تقوم به الجمعية لا يقتصر على توزيع المساعدات، بل يهدف إلى تعزيز التلاحم الاجتماعي وبث الطمأنينة في نفوس المستفيدين، انسجاماً مع نهج دولة الإمارات في دعم العمل الخيري وترسيخ ثقافة التكافل دون تمييز.
من جانبه، يؤكد زياد اليافعي، سكرتير قسم الخدمات والمخازن في الجمعية ومتطوع في الفريق الميداني، أن العمل التطوعي رسالة إنسانية يعتز بها، مشيراً إلى أن مشاركته في توزيع الوجبات عززت قناعته بأن التطوع أحد أعمدة التماسك المجتمعي في دولة الإمارات. وقال: «لا تقتصر المسؤولية المجتمعية على تقديم المساعدة، بل تشمل حسن التعامل، والإنصات، واحترام كرامة المستفيدين، وهو نهج مؤسسي نلمسه في العمل الجماعي والتخطيط الميداني المنظم».
بدوره، يرى عيسى عبدالله، متطوع في فريق التوزيع الميداني، أن العمل التطوعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية، لما يمنحه من شعور بالسعادة والرضا، مؤكداً أن كل وجبة تقدم ليست مجرد طعام، بل رسالة اهتمام ورحمة.
ويشاركه الرأي أحمد سعيد، متطوع في الفريق ذاته، الذي وصف العمل التطوعي بأنه ترجمة عملية لقيم التراحم التي قامت عليها دولة الإمارات، مؤكداً أن الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة جزء أصيل من رسالة العمل الخيري.
ويقول جمعة المنصوب، متطوع: إن ساعات العمل الطويلة لا تشكل عبئاً بقدر ما تمثل دافعاً للاستمرار، مضيفاً: «قد نعمل حتى وقت متأخر، لكن التعب يزول فور رؤية الامتنان في عيون المستفيدين»، مشدداً على أن العطاء في رمضان يمارس بصمت، بعيداً عن الأضواء.
صبر وتعاون
وتؤكد الطالبة مريم محمد أن العمل التطوعي غيّر نظرتها للحياة، وعلمها الصبر والقيادة والتعاون، مشيرة إلى أنها أصبحت تشارك أسرتها في هذه الأنشطة حتى تحولت إلى ثقافة عائلية.
وقالت: إن المبادرات التطوعية تتيح للشباب رد الجميل لهذا البلد، وتعزز قربهم من الناس وقيم التسامح التي يعيشونها يومياً.
أسلوب حياة
من جهتها، أوضحت جمعية بيت الخير، أن مؤسسات العمل الخيري تلعب دوراً محورياً في تنظيم الجهود التطوعية، وتوفير التدريب، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بكفاءة، فضلاً عن تعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والمجتمعي.
وأكدت أن العمل المنظم يقلل الهدر، ويضمن عدالة التوزيع، ويحفظ كرامة المستفيدين، مشيرة إلى أن التطوع في الإمارات لم يعد نشاطاً موسمياً، بل ثقافة متجذرة وأسلوب حياة يعكس قيم الخير والتسامح.
وفي السياق ذاته، أفادت هيئة تنمية المجتمع بدبي بأن عدد المتطوعين خلال عام 2025 بلغ نحو 105 آلاف متطوع، فيما بلغ عدد الفرق التطوعية 31 فرقة، ووفرت منصة دبي للتطوع 6122 فرصة تطوعية، من بينها 269 فرصة تخصصية. وأشارت الهيئة إلى أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من المتطوعين في المبادرات الرمضانية، مدفوعين بقيم العطاء والانتماء والمسؤولية المجتمعية.
دور محوري
ويؤكد الدكتور جاسم المرزوقي، اختصاصي نفسي وأسري، أن التطوع لا سيما خلال شهر رمضان، يلعب دوراً محورياً في تعزيز التماسك الأسري وبناء منظومة قيمية إيجابية داخل المجتمع.
وأوضح أن مشاركة أفراد الأسرة، خصوصاً الآباء والأمهات مع أبنائهم، في المبادرات التطوعية، تسهم في غرس مفاهيم العطاء، والتعاطف، والمسؤولية المجتمعية لدى الأبناء، وتحول التطوع من نشاط موسمي إلى ثقافة حياتية مستدامة.
ويشير إلى أن التطوع يمنح الأسرة شعوراً بالإنجاز المشترك، ويعزز التواصل بين أفرادها، كما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية، من خلال تنمية الإحساس بالرضا والطمأنينة والانتماء.
