ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 7 أبريل 2026 12:36 صباحاً - دبي-سارة البلوشي ومرفت عبدالحميد
لم تعد الألعاب الرقمية مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحولت إلى واحدة من أسرع الصناعات نمواً على مستوى العالم، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الاقتصاد، والثقافة مع الابتكار، والتعليم مع الاستثمار.
وفي ظل هذا التحول العالمي المتسارع، يبرز سؤال محوري في المنطقة العربية: متى تنتقل صناعة الألعاب الرقمية من مبادرات فردية قائمة على الشغف إلى قطاع اقتصادي إبداعي مؤثر؟ وما الذي ينقص لتحقيق ذلك في دبي والعالم العربي؟
يتفق خبراء الصناعة على أن التحول الحقيقي لا يبدأ بالمواهب وحدها، بل يتطلب وجود منظومة متكاملة تشمل التشريعات الداعمة، والتمويل المستدام، والتعليم المتخصص، والبنية التحتية الرقمية. وفي دبي بدأت ملامح هذه المنظومة تتشكل عبر استراتيجيات حكومية واضحة تستهدف الاقتصاد الإبداعي، مع وضع صناعة الألعاب الرقمية ضمن القطاعات الواعدة.
غير أن التحدي الأبرز، بحسب المختصين، يتمثل في الاستمرارية المؤسسية، أي الانتقال من دعم المبادرات الفردية والمسابقات المؤقتة، إلى بناء شركات واستوديوهات وسلاسل قيمة قادرة على الإنتاج والتصدير والمنافسة عالمياً.
وتمتلك دبي مقومات المنافسة العالمية في صناعة الألعاب الرقمية، إلا أن معظم الإنتاج العربي لا يزال مستنداً إلى نماذج عالمية جاهزة من حيث أسلوب اللعب أو السرد البصري.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للألعاب الرقمية أن تتحول إلى أداة لصناعة سرد ثقافي عربي معاصر يصل إلى العالم؟
يرى الخبراء أن السوق العالمية لا ترفض الهوية، لكنها ترفض السطحية. فالعالم بات أكثر انفتاحاً على القصص المحلية ذات الطابع الإنساني العميق، شريطة تقديمها بجودة عالية وسيناريو مدروس وتجربة لعب متكاملة. وعليه، فإن الرهان ليس على «تعريب» الألعاب فقط، بل على ابتكار محتوى أصيل ينطلق من الثقافة العربية ويخاطب العالم بلغة عالمية.
التعليم شريكاً
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، أن ردم الفجوة بين الطموح والواقع يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص. وقال: «يجب ألا يقتصر الدعم على الفعاليات المؤقتة، بل يمتد إلى بناء مسارات مهنية واضحة تربط التعليم بسوق العمل واحتياجاته المستقبلية».
وأشار إلى أن المؤشرات العالمية تؤكد أن مستقبل صناعة الألعاب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR)، التي تمنح اللاعبين تجارب غامرة وغير مسبوقة. كما يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تخصيص تجربة اللعب، وتطوير الشخصيات الذكية، والمساهمة في تصميم العوالم الافتراضية.
وأكد عبد الله القعود، مدير العمليات الرقمية في غرفة دبي للاقتصاد الرقمي، أن صناعة الألعاب الرقمية تتحول إلى قطاع اقتصادي إبداعي عندما تتوافر منظومة متكاملة تجمع بين دعم المواهب، وتوفير البنية التحتية الرقمية، وجذب الاستثمارات، وتسهيل التشريعات، وتعزيز الابتكار.
وأوضح أن هذه المعادلة أصبحت واقعاً ملموساً في دبي من خلال «برنامج دبي للألعاب الإلكترونية 2033»، الذي يهدف إلى جعل دبي ضمن أفضل 10 مراكز عالمية في هذا القطاع، وتوفير نحو 30 ألف وظيفة جديدة، إلى جانب تعزيز مساهمته في الاقتصاد الرقمي والناتج المحلي الإجمالي للإمارة بنحو مليار دولار بحلول عام 2033.
وأشار إلى أن البرنامج يعمل على إنشاء منصة عالمية تجمع صناع المحتوى الرقمي، وتوفر فرص التدريب والعمل بالشراكة مع شركات عالمية وجامعات ومؤسسات أكاديمية، إضافة إلى دعم رواد الأعمال وأصحاب الأفكار المبتكرة، وإطلاق برامج تعليمية وتدريبية متخصصة.
من جانبها قالت عائشة فاروق، المتخصصة في الأمن السيبراني، إن تحويل صناعة الألعاب الرقمية من شغف فردي إلى قطاع اقتصادي مؤثر يتطلب بيئة تنظيمية واستثمارية قوية، وبنية تحتية تقنية متطورة، إلى جانب تكامل فعّال بين التعليم والتمويل.
وأضافت: «الفجوة الأكبر اليوم تتمثل في غياب الربط العملي بين المواهب الشابة وسوق العمل، ما يستلزم دعماً مؤسسياً طويل الأمد يجمع بين الإرشاد، والتمويل المبكر، والتجربة العملية داخل الصناعة نفسها».
وأكدت فاطمة محمد، صانعة محتوى، أن الألعاب الإلكترونية جزء كبير من حياة الأطفال والمراهقين والشباب، ووسيلة من وسائل الترفيه المعاصرة، لكنها تحمل مخاطر عديدة مثل الإدمان الذي يؤثر على الصحة النفسية والجسدية والأكاديمية والاجتماعية.
وقالت: «الألعاب تتطلب تفاعلاً مستمراً ومكثفاً، مما قد يؤدي إلى زيادة القلق والاكتئاب والسمنة، فضلاً عن التأثير السلبي على النوم والتركيز».
وأضافت: «تزداد خطورة الألعاب الإلكترونية في زيادة السلوك العدواني لدى الأطفال والمراهقين بسبب مشاهد العنف، واحتمالية التعرض للتنمر والتحرش عبر الإنترنت. لذلك من المهم اختيار الألعاب المناسبة وفقاً للفئة العمرية، ومراقبة محتواها».
من جانبها، قالت الدكتورة آمنة المسماري، طبيبة نفسية: «ما نشاهده من استخدام مكثف للشاشات والألعاب يرسل إشارات للعقل تحفزه لفترة محددة، وقد تؤدي مشاهدة الشاشات لفترات طويلة قبل النوم إلى صعوبة في بداية النوم، مؤقتة أو مزمنة. الأطفال والبالغون المصابون بفرط الحركة وتشتت الانتباه أكثر عرضة للتشتت عند استخدام الأجهزة لفترات طويلة».
بدوره أكد الدكتور سيف النيادي، أستاذ مساعد في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن «أقلمة الألعاب الرقمية لا تقتصر على الجانب اللغوي فقط، بل تشمل التكيف مع السياقات العربية والثقافية، ما يستلزم فهماً عميقاً للثقافة المستهدفة وإعادة صياغة المحتوى بطريقة تحترم وتبرز هذه الثقافة بشكل إيجابي وجميل».
وأوضحت الدكتورة رانية عبد الله، مدير برنامج الاتصال والإعلام في جامعة العين بأبوظبي، أن «الألعاب الرقمية عند أقلمتها بشكل هادف تصبح أداة تعليمية ومهارية، وتعزز الحوار الثقافي بين لاعبين من خلفيات ثقافية مختلفة، وتسهم في الترويج للهوية العربية عالمياً».
فرص جديدة
رغم التحديات، تفتح الألعاب السحابية آفاقاً واسعة أمام المطورين العرب من خلال توسيع قاعدة المستخدمين دون الحاجة إلى أجهزة متطورة، ما يجعل الألعاب أكثر انتشاراً في الشرق الأوسط.
كما تشهد المنطقة نمواً في الرياضات الرقمية الجسدية، التي تمزج بين الرياضات التقليدية والألعاب الإلكترونية، مدفوعة بشباب متمرس في التكنولوجيا واستثمارات متزايدة في البنية التحتية.
وتشير المؤشرات إلى أن المنطقة تمتلك المواهب، التكنولوجيا، والدعم الحكومي، لكن التحول إلى صناعة متكاملة يتطلب قراراً استراتيجياً طويل الأمد. فالألعاب الرقمية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة اقتصادية وثقافية وتعليمية قادرة على إعادة تشكيل مستقبل الترفيه والاقتصاد الإبداعي في دبي والعالم العربي.
