ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 12 مايو 2026 12:21 صباحاً - تشهد دبي مرحلة تنموية متسارعة تعيد من خلالها صياغة مفهوم البنية التحتية ودورها في تشكيل مستقبل المدنية، إذ لم تعد مشاريع الطرق والنقل والخدمات مجرد استجابة للنمو العمراني والسكاني، بل أصبحت جزءاً من رؤية استراتيجية أشمل تستهدف بناء مدينة أكثر كفاءة واستدامة وجودة للحياة.
وفي هذا الإطار تواصل الإمارة ترسيخ نموذج «مدينة العشرين دقيقة»، الذي يقوم على تقليل زمن التنقل وتقريب الخدمات والمرافق الحيوية من السكان، بما يعزز سهولة الحركة ويرفع كفاءة الحياة اليومية.
مشاريع تطويرية
ويعكس حجم الاستثمارات الجديدة بوضوح التحول المتسارع في الرؤية التنموية لدبي، حيث رصدت «حال الخليج» مضي الإمارة منذ العام الماضي في تنفيذ حزمة من مشاريع البنية التحتية النوعية التي تتجاوز قيمتها الإجمالية 92 مليار درهم، والمقرر إنجازه آخر المشاريع في الثلث الأخير من عام 2032.
كما يبقى هذا الرقم مرشحاً للارتفاع، في ظل استمرار دبي بالإعلان عن مشاريع تطويرية جديدة قيد الدراسة والتنفيذ، إلى جانب كلفة المشاريع السنوية التي تنفذها هيئة الطرق والمواصلات في دبي، وفق خططها الاستراتيجية المستمرة لتطوير شبكة الطرق والنقل والبنية التحتية في الإمارة.
وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية استثنائية عند مقارنتها بحجم الإنفاق التاريخي على القطاع، إذ تمثل المشاريع المعلنة، والتي يجري تنفيذ بعضها نحو 52.5 % من إجمالي ما أنفقته دبي على مشاريع البنية التحتية خلال العشرين عاماً الماضية، والبالغ قرابة 175 مليار درهم، ما يعكس تسارعاً لافتاً في وتيرة الإنفاق التنموي خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
ويؤكد في الوقت ذاته دخول الإمارة مرحلة جديدة من التخطيط الحضري المكثف القائم على تعزيز جاهزية المدينة المستقبلية، ورفع كفاءة شبكات الطرق والنقل والخدمات، بما يواكب النمو المتسارع في أعداد السكان والسياح والأنشطة الاقتصادية، إلى جانب الارتفاع في أعداد المركبات.
الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير بنية تحتية أكثر مرونة وكفاءة واستدامة، قادرة على الحفاظ على انسيابية الحركة، وتقليص زمن التنقل ودعم جودة الحياة، بما يرسخ في الوقت نفسه تنافسية دبي، ومكانتها كواحدة من أكثر المدن العالمية تطوراً وجاهزية للمستقبل.
النمو العمراني
وتتضمن قائمة المشاريع التطويرية في الإمارة تنفيذ 72 مشروعاً لتطوير شبكة الطرق، بما في ذلك مشاريع المناطق التطويرية الجديدة، وذلك خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027، وبإجمالي استثمارات تقدر بنحو 35 مليار درهم، في خطوة تعكس حجم التوسع الذي تشهده الإمارة في تطوير منظومة النقل والبنية التحتية لمواكبة النمو العمراني والسكاني المتسارع.
ويأتي ضمن أبرز هذه المشاريع، مشروع تطوير دوار المركز التجاري وشارع المستقبل، الذي يعد واحداً من المشاريع الاستراتيجية الهادفة إلى تعزيز انسيابية الحركة المرورية في قلب دبي التجاري والمالي.
ويتضمن المشروع تنفيذ سبعة جسور وثلاثة أنفاق، بطول إجمالي يصل إلى نحو 6500 متر، وبتكلفة تقدر بنحو 1.3 مليار درهم، بما يسهم في رفع كفاءة الربط المروري بين عدد من أكثر المناطق الحيوية في الإمارة.
سهولة التنقل
ويخدم المشروع سبع مناطق سكنية وتطويرية رئيسة، إلى جانب عدد من أبرز المعالم الاقتصادية والسياحية في دبي، تشمل مركز دبي التجاري العالمي، ومركز دبي المالي العالمي، وأبراج الإمارات، ومتحف المستقبل.
ومنطقة وسط مدينة دبي، ما يجعله أحد المشاريع المحورية الداعمة للحركة الاقتصادية والسياحية والتنموية في الإمارة، ويتوقع أن يستفيد من المشروع أكثر من مليون ساكن وزائر، في ظل دوره الكبير في تخفيف الكثافة المرورية، وتحسين سهولة التنقل بين مختلف الوجهات الحيوية.
ومن المنتظر أن يسهم المشروع، بعد اكتماله، في خفض زمن الرحلات بنسبة تصل إلى 75 %، الأمر الذي يعزز كفاءة الحركة المرورية، ويرفع جودة التنقل اليومي، بما يتماشى مع توجهات دبي نحو تطوير بنية تحتية أكثر مرونة واستدامة، ووفقاً للبيانات المعلنة من قبل هيئة الطرق والمواصلات، بلغت نسبة الإنجاز في المشروع حتى الآن نحو 65 %، ما يعكس تقدماً متسارعاً في وتيرة التنفيذ ضمن الجداول الزمنية المعتمدة.
سرعة الإنجاز
كما تضم قائمة الاستثمارات المليارية مشروع الخط الأزرق لمترو دبي، الذي تبلغ تكلفته 20.5 مليار درهم، وبدأ تنفيذه في يونيو 2025، حيث وصلت نسبة الإنجاز الحالية إلى نحو 20 %، وسط تقدم متسارع في الأعمال الإنشائية، يعكس كفاءة التنفيذ وسرعة الإنجاز في مختلف مراحل المشروع.
ويعمل على تنفيذ المشروع بشكل متواصل أكثر من 10 آلاف عامل، إضافة إلى أكثر من 500 مهندس وخبير، بقيادة كفاءات إماراتية، فيما تجاوزت ساعات العمل المنجزة 13 مليون ساعة دون تسجيل إصابات مهدرة للوقت، ما يعكس الالتزام بأعلى معايير السلامة والجودة في مواقع العمل.
وتتواصل أعمال تنفيذ الجسور والمحطات الرئيسة في المشروع بوتيرة متسارعة، بما في ذلك إنشاء أول جسر لمترو دبي يعبر خور دبي بطول 1.3 كيلومتر، حيث بدأت أعمال تركيب الركائز والأعمدة، على أن تبدأ الملامح الإنشائية للجسر بالظهور اعتباراً من يونيو المقبل، ووفقاً للبرنامج الزمني المعتمد، من المتوقع أن ترتفع نسبة الإنجاز إلى 30 % بنهاية عام 2026، على أن يتم افتتاح المشروع رسمياً في 9 / 9 / 2029.
دبي لوب
كما تندرج ضمن قائمة المشاريع النوعية والطموحة في قطاع النقل مشروع «دبي لوب»، الذي يمثل أحد الحلول التنقلية الحديثة الهادفة إلى تعزيز كفاءة الحركة في المناطق الحيوية ذات الكثافة المرتفعة.
ويتضمن المشروع في مرحلته الأولى تنفيذ مسار تجريبي بطول 6.4 كيلومترات يضم أربع محطات، ليربط بين منطقة مركز دبي المالي العالمي ودبي مول، تمهيداً للتوسع لاحقاً في تنفيذ المسار الكامل للمشروع بطول يصل إلى 22.2 كيلومتراً، يضم 19 محطة تربط بين منطقتي المركز التجاري والمالي ومنطقة الخليج التجاري.
ويعتمد المشروع على إنشاء أنفاق بقطر 3.6 أمتار مخصصة لنقل المركبات، باستخدام تقنيات حفر متطورة، تسهم في تسريع وتيرة التنفيذ، وتقليل التكاليف والحد من التأثير في الطرق والبنية التحتية القائمة، مقارنة بأنظمة النقل التقليدية.
وتقدر تكلفة تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع بنحو 600 مليون درهم، على أن تستغرق أعمال التنفيذ قرابة عام واحد، بعد استكمال التصاميم والتجهيزات الفنية.
فيما تصل التكلفة التقديرية للمسار الكامل إلى نحو 2.5 مليار درهم، مع مدة تنفيذ متوقعة تبلغ نحو ثلاثة أعوام، في إطار توجه دبي نحو تبنّي حلول نقل مبتكرة ومستدامة، تدعم مستقبل التنقل الذكي في الإمارة.
كما تضم قائمة المشاريع «الخط الذهبي لمترو دبي»، آخر المشاريع التي أعلنت الإمارة عن تنفيذها، وتعد الأضخم في تاريخ النقل المستدام بالإمارة، باستثمارات تقدر بنحو 34 مليار درهم، ويمتد الخط بطول 42 كيلومتراً، ويضم 18 محطة، ليشكل أول مسار مترو متكامل تحت الأرض في دبي، في خطوة تعكس توجه الإمارة نحو تعزيز حلول النقل الجماعي المتطورة، ورفع كفاءة الربط بين مختلف المناطق الحيوية.
ويتميز المشروع بتكامله مع الخطين الأحمر والأخضر لمترو دبي، بما يسهم في تعزيز مرونة شبكة النقل الجماعي، وتوسيع نطاق التغطية داخل الإمارة، كما يرتبط بمنظومة قطار الاتحاد، في إطار توجه يستهدف ربط دبي بشبكة النقل الوطنية الشاملة.
ودعم التكامل بين وسائل النقل المختلفة، بما يعزز سهولة التنقل، ويرفع كفاءة البنية التحتية المستدامة على مستوى الدولة، وعند إنجازه، سيرتفع إجمالي طول شبكة مترو دبي بعد تنفيذ الخط الذهبي إلى 162 كيلومتراً، وسيرتفع عدد المحطات إلى 85 محطة.
وبهذه المشاريع النوعية، تواصل دبي ترسيخ نهج تنموي لا يعرف التوقف، حيث تتحول البنية التحتية إلى أداة لصناعة المستقبل، لا مجرد استجابة لمتطلبات الحاضر، فالإمارة تمضي برؤية تقوم على الابتكار واستباق التحولات، مع استمرار العمل على مشاريع جديدة قيد الدراسة والتنفيذ.
تعكس طموح مدينة لا تتوقف عن الحلم، ولا تكتفي بما حققته من إنجازات، بل تواصل إعادة تعريف مفاهيم التنقل والحياة الحضرية وجودة العيش، بما يعزز مكانتها واحدة من أكثر مدن العالم جاهزية للمستقبل.
معدلات تنفيذ
ويترجم هذا النهج الطموح نفسه في مؤشرات الأداء العالمية، التي تعكس كفاءة دبي العالية في تطوير شبكة الطرق والنقل، إذ سجلت الإمارة معدلات تنفيذ تفوقت على العديد من المدن الكبرى حول العالم.
حيث بلغ متوسط أطوال الطرق التي تنفذها هيئة الطرق والمواصلات سنوياً نحو 829 كيلومتراً، أي ما يقارب ضعف المعدل العالمي البالغ نحو 400 كيلومتر، ما يعكس سرعة الإنجاز وكفاءة التخطيط والتنفيذ.
كما حققت دبي مستويات متقدمة في كفاءة التكلفة لكل كيلومتر في مشاريع الطرق السريعة والمترو، بواقع يتراوح بين 1.5 و2.5 مرة أفضل، مقارنة بمدن عالمية مثل موسكو وشنجن وميلان، في مؤشر على قدرة الإمارة على تطوير بنية تحتية عالمية، بكفاءة تشغيلية ومالية عالية.
قيمة الاستثمارات مرشحة للزيادة مع استمرار الإمارة في إطلاق مشاريع تطويرية جديدة
مرحلة جديدة من التخطيط الحضري المكثف لتعزيز جاهزية دبي للمستقبل
المؤشرات العالمية تؤكد الكفاءة العالية في تطوير شبكة الطرق والبنية التحتية
