حال الإمارات

حين يجتمع الجسد وتغيب القلوب.. الشاشات تسرق «اللمة»

  • حين يجتمع الجسد وتغيب القلوب.. الشاشات تسرق «اللمة» 1/3
  • حين يجتمع الجسد وتغيب القلوب.. الشاشات تسرق «اللمة» 2/3
  • حين يجتمع الجسد وتغيب القلوب.. الشاشات تسرق «اللمة» 3/3

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 31 مايو 2026 12:51 صباحاً - هيمنة التكنولوجيا وضغوط العمل وتسارع إيقاع الحياة اليومية أبرز أسباب الظاهرة

تضارب الجداول اليومية أسهم في تفكك «الزمن الأسري المشترك»

لم تعد المائدة الأسرية ذلك الفضاء الذي تلتقي عنده القلوب قبل الأجساد، وتنسج عبره الأحاديث تفاصيل الذاكرة اليومية، بل تحوّلت في كثير من البيوت إلى مشهد صامت، يجتمع الأفراد في حضور شكلي فيما تتباعد اهتماماتهم خلف شاشات الهواتف الذكية.

ولم يعد هذا التحول مجرد مظهر عابر من مظاهر الحداثة، بل بات يعكس تغيراً عميقاً في بنية العلاقات داخل الأسرة، ويطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل الحوار الأسري.

وكشفت دراسة نوعية حديثة أعدها الدكتور رامي عبدالحميد الجبور، أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة الفجيرة عن تراجع ملحوظ في «لمة الطعام»، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، في مقدمتها هيمنة التكنولوجيا، وضغوط العمل، وتسارع إيقاع الحياة اليومية، إلى جانب تحولات متسارعة في أنماط الاستهلاك الغذائي.

وأظهرت الدراسة أن المائدة لم تعد تؤدي، في كثير من الحالات، دورها التقليدي كمنصة للحوار، بل باتت تجسد ما يمكن وصفه بـ«الحضور الغائب»، حيث يجتمع أفراد الأسرة حول الطعام، بينما ينشغل كل منهم بعالمه الرقمي الخاص، ما يحدّ من فرص التفاعل المباشر ويضعف روابط القرب الإنساني داخل البيت.

ولا يقتصر تأثير هذا المشهد على طبيعة العلاقة بين الأفراد، بل يمتد إلى جودة التواصل الأسري، وقدرة الأسرة على الاحتواء ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية، وهي أدوار كانت تتحقق تلقائياً عبر جلسات الطعام المشتركة.

تفكك الزمن الأسري

وبيّنت النتائج أن تضارب الجداول اليومية، وخاصة في ظل أنماط العمل المتغيرة ونظام المناوبات، أسهم في تفكك «الزمن الأسري المشترك»، ما جعل اجتماع جميع أفراد الأسرة على وجبة واحدة أمراً أقل حدوثاً.

ومع هذا التراجع، فقدت المائدة تدريجياً جانباً من وظيفتها الاجتماعية، وتحول تناول الطعام لدى البعض إلى نشاط سريع تحكمه اعتبارات الوقت والكفاءة، بعيداً عن قيم المشاركة والتفاعل.

كما رصدت الدراسة تنامي ظاهرة «الفردانية الغذائية»، مدفوعة بانتشار تطبيقات توصيل الطعام، حيث بات كل فرد يختار وجبته بشكل مستقل، في انعكاس واضح لتراجع مفهوم «المائدة الجامعة»، وصعود أنماط الأكل الفردي على حساب روح الجماعة.

ورغم هذه التحولات، تؤكد الدراسة أن المائدة الأسرية لا تزال تحتفظ بمكانتها الرمزية والوجدانية لدى كثير من الأسر، التي ترى فيها أحد أهم تجليات الترابط والانتماء، ما يعكس وجود رغبة كامنة في استعادة هذا الدور، رغم التحديات المتزايدة.

بعد ديني

من جانبه، أكد فضيلة الشيخ الدكتور سالم الدوبي، مدير إدارة التوجيه الديني بدائرة الشؤون الإسلامية في الشارقة أن الاجتماع على الطعام في الإسلام يتجاوز كونه تلبية لحاجة بيولوجية، ليحمل أبعاداً تربوية واجتماعية عميقة، مشيراً إلى أن السنة النبوية حثّت على الاجتماع لما فيه من بركة وتعزيز للألفة بين القلوب.

وأضاف أن المائدة تمثل مساحة يومية لترسيخ قيم التراحم والضيافة، وتعزيز التواصل، فضلاً عن دورها في التربية وغرس القيم من خلال الحوار العفوي بين أفراد الأسرة.

بدوره، أوضح الدكتور أحمد سعيد استشاري نفسي ومرشد تربوي أن الجلوس الأسري على المائدة يشكّل بيئة طبيعية لفهم سلوك الأبناء وبناء شخصياتهم، حيث يتيح الحوار خلال الوجبات فرصة لاحتواء الطفل والتعرّف إلى احتياجاته النفسية، بما يعزز شعوره بالأمان والاستقرار.

وأشار إلى أن التعامل مع سلوكيات الأطفال يتطلب تكاملاً بين الأسرة والمدرسة، لافتاً إلى أن التقنيات الحديثة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تسهم في تحليل السلوك، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن التفاعل الإنساني المباشر، وخاصة في لحظات المائدة.

صوت من الواقع

وفي السياق ذاته، شددت ولية الأمر علياء بسام جبان على أن تخصيص وقت يومي للاجتماع مع الأبناء على المائدة يمثل ضرورة تربوية، وليس مجرد خيار، مؤكدة أهمية استثمار هذه اللحظات في الحوار ومتابعة احتياجات الأبناء.

من جهته، عبّر الطفل عبدالهادي وسيم المصري عن أهمية هذه الجلسات، مشيراً إلى أن حرص أسرته على الاجتماع اليومي يمنحه مساحة للتعبير عن أفكاره وفهم متطلباته الدراسية والحياتية، واصفاً هذا الوقت بأنه «ضروري ومهم» في حياته اليومية.

وفي ختامها، دعت الدراسة إلى إعادة الاعتبار للمائدة الأسرية من خلال تخصيص أوقات منتظمة للاجتماع بعيداً عن الهواتف الذكية، وتعزيز ثقافة «التوازن الرقمي» داخل الأسرة، إلى جانب توظيف تطبيقات توصيل الطعام كوسيلة داعمة للتجمع لا بديلاً عنه.

وأكدت أن استعادة «لمة الطعام» تمثل خطوة أساسية نحو تعزيز التماسك الأسري، وإحياء مساحات الحوار داخل البيت، في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتزايد فيه الحاجة إلى روابط إنسانية أكثر دفئاً واستقراراً.

Advertisements

قد تقرأ أيضا