ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 23 يونيو 2026 07:06 مساءً - تشهد منصات التواصل الاجتماعي مع اقتراب موسم الاختبارات النهائية، انتشاراً واسعاً لمقاطع فيديو تروج لوسائل وأساليب مختلفة للغش داخل قاعات الامتحانات، مستهدفة الطلبة بشكل مباشر عبر محتوى يقدم هذه الممارسات أنها حلول ذكية وسريعة لتحقيق النجاح وهو ما تتصدى له وزارة التربية والتعليم بعقوبات صارمة.
ورصدت «حال الخليج» خلال متابعة محتوى متداول على منصة «تيك توك» عشرات المقاطع التي تستعرض أدوات متنوعة للغش، من بينها الأقلام السحرية التي تحتوي على أوراق مخفية، والآلات الحاسبة المعدلة لتخزين المعلومات، والنظارات المزودة بكاميرات دقيقة، والسماعات اللاسلكية الصغيرة، إلى جانب أدوات حديثة مرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تدعي قدرتها على توفير إجابات فورية للأسئلة أثناء الاختبارات.
وتكشف هذه المقاطع عن سباق مستمر بين مطوري وسائل الغش والجهات التعليمية التي تعمل باستمرار على تطوير آليات الرقابة والكشف داخل اللجان الامتحانية، فيما يؤكد مختصون أن ما يتم الترويج له عبر الإنترنت لا يعكس الواقع داخل المدارس التي تطبق إجراءات صارمة للحفاظ على نزاهة الاختبارات.
أشهر الحيل
ويعد ما يعرف بـ«القلم السحري» من أكثر الأدوات انتشاراً بين المقاطع المتداولة، حيث يحتوي القلم على ورقة صغيرة مخفية داخل جسمه يمكن للطالب تدوين القوانين أو التعريفات أو الملخصات عليها وسحبها عند الحاجة ثم إخفاؤها مرة أخرى.
كما تنتشر مقاطع أخرى تشرح كيفية إخفاء المعلومات داخل الآلات الحاسبة أو خلف أغلفتها أو برمجتها لتخزين بعض البيانات، إضافة إلى مقاطع تعرض نظارات مزودة بكاميرات وسماعات دقيقة يصعب ملاحظتها ظاهرياً، ولم تتوقف الأساليب عند الأدوات التقليدية، بل ظهرت مؤخراً إعلانات لأجهزة وأقلام ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يتم الترويج لها باعتبارها قادرة على مساعدة المستخدم على الحصول على إجابات مباشرة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة في الأوساط التعليمية بشأن سوء استخدام التكنولوجيا.
وفي الوقت ذاته أصدرت وزارة التربية والتعليم «دليل مكافحة الغش والإخلال بنظام الاختبارات» الذي يهدف إلى حماية منظومة التقييم من أي ممارسات تمسّ نزاهتها وعدالتها، ويأتي الدليل لترسيخ القيم الأكاديمية السليمة بين الطلبة والعاملين في الميدان التربوي، وضمان تطبيق الإجراءات الموحدة أثناء سير الامتحانات في جميع المراحل التعليمية.
وأشار الدليل إلى أن الطالب الذي يثبت تورطه في أي من وسائل الإخلال بنظام الاختبار يتعرض لعقوبات تأديبية واضحة، تشمل خصم 12 درجة من سلوك الطالب، واحتساب درجة «صفر» في المادة الدراسية في حال الغش أو المشاركة فيه، أو إتلاف ورقة الإجابة عمداً لمنع دخولها في التقييم الرسمي.
تحذير
وحذر تربويون وخبراء من خطورة تقليد هذه السلوكيات وما قد يترتب عليها من عقوبات أكاديمية وتداعيات أخلاقية ونفسية طويلة المدى.
وقال الدكتور محمد فتح الباب إن بعض الطلبة أصبحوا يتابعون هذه المقاطع باعتبارها وسائل سهلة لتجاوز الاختبارات، مؤكداً أن النجاح الحقيقي لا يتحقق عبر أدوات الغش وإنما من خلال الاجتهاد والاستعداد الجيد.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في الأداة فقط، بل في الرسالة التي يتم تسويقها للطلبة، إذ توحي لهم بأن بإمكانهم تحقيق النتائج دون بذل جهد حقيقي، وهو مفهوم يتعارض مع أهداف العملية التعليمية القائمة على اكتساب المعرفة والمهارات.
وأضاف أن المدارس تمتلك اليوم خبرات واسعة في رصد السلوكيات غير الطبيعية داخل اللجان، كما أن معظم وسائل الغش التي يتم الترويج لها عبر الإنترنت أصبحت معروفة لدى الإدارات المدرسية والمراقبين.
من جانبها قالت رائدة فيصل إن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة مفتوحة لتسويق أدوات الغش وبيعها بشكل مباشر أو غير مباشر، مشيرة إلى أن بعض الحسابات تحقق نسب مشاهدة مرتفعة من خلال نشر مقاطع تستعرض طرق إخفاء المعلومات أو استخدام الأجهزة الإلكترونية داخل الامتحانات، ما يدفع بعض الطلبة إلى تقليدها بدافع الفضول أو الرغبة في تحقيق درجات مرتفعة دون دراسة.
وأكدت أن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تزرع لدى الطالب قناعة خاطئة بأن النجاح يمكن الحصول عليه عبر الخداع بدلاً من المثابرة والعمل الجاد.
إساءة الاستخدام
وقالت ياسمين عبد الحميد إن الذكاء الاصطناعي يمثل إحدى أهم أدوات التعليم الحديثة إذا استخدم بالشكل الصحيح، إلا أن توظيفه في الغش يعد انحرافاً عن الهدف الأساسي لهذه التقنيات، موضحة أن الذكاء الاصطناعي صمم لمساعدة الطلبة على الفهم والتدريب وحل المشكلات وتنمية التفكير، وليس للحصول على إجابات جاهزة داخل قاعات الامتحان.
وأشارت إلى أن المؤسسات التعليمية حول العالم بدأت تطوير أساليب تقييم جديدة تعتمد على التفكير النقدي والتحليل والإبداع للحد من فرص استغلال التكنولوجيا بصورة خاطئة.
الأسرة شريك أساسي
وأكدت حنان محمود أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، لافتة إلى أن على أولياء الأمور متابعة المحتوى الذي يتابعه أبناؤهم عبر المنصات الرقمية، والتحدث معهم بشكل مستمر حول قيم الأمانة والنزاهة الأكاديمية.
وأضافت أن كثيراً من الطلبة قد يشاهدون مثل هذه المقاطع بدافع الفضول فقط، لكن التوعية الأسرية المبكرة تساعد على ترسيخ القناعة بأن الغش لا يمثل طريقاً للنجاح.
خسارة أكبر
وبدورها قالت فوزية الشيخ إن الطالب الذي يغش قد يعتقد أنه كسب درجة أو نجح في اختبار، لكنه في الحقيقة يخسر مهارات أساسية يحتاجها في حياته العلمية والعملية، موضحة أن المشكلة تظهر بوضوح في المراحل اللاحقة عندما ينتقل الطالب إلى الجامعة أو سوق العمل ويكتشف أنه يفتقد كثيراً من المعارف والمهارات التي كان يفترض أن يكتسبها خلال سنوات الدراسة.
وأضافت أن الاعتماد على الغش يخلق فجوة حقيقية بين الشهادة التي يحصل عليها الطالب ومستواه الفعلي، وهو ما يؤثر في مستقبله الأكاديمي والمهني.
وعي الطالب هو الحل
وأكدت الاختصاصية الاجتماعية فاطمة الظنحاني أن مواجهة ظاهرة الغش الإلكتروني لا تعتمد فقط على الرقابة والعقوبات، بل تحتاج أيضاً إلى بناء وعي حقيقي لدى الطلبة، موضحة أن المدرسة والأسرة مطالبتان بالعمل معاً لترسيخ ثقافة النزاهة الأكاديمية وتعزيز قيمة الجهد الشخصي والاعتماد على الذات.
وأضافت أن التطور التكنولوجي سيستمر، وستظهر أدوات جديدة بشكل دائم، لكن الضمانة الحقيقية تبقى في اقتناع الطالب بأن النجاح الذي يأتي بالاجتهاد هو وحده القادر على الاستمرار.
الثقة بالنفس
وأكدت سينميس ناجي اختصاصية نفسية أن الغش لا يقتصر أثره على المخالفة الأكاديمية فقط، بل يمتد إلى البناء النفسي والشخصي للطالب، موضحة أن الطالب الذي يعتمد على الغش يحقق مكسباً مؤقتاً لكنه يفقد تدريجياً ثقته بقدراته الحقيقية، ويصبح أكثر اعتماداً على الحلول السريعة وأقل قدرة على مواجهة التحديات الدراسية مستقبلاً.
وأضافت أن الدراسات النفسية تشير إلى وجود ارتباط بين الاعتماد المتكرر على الغش وضعف الدافعية الداخلية للتعلم، وهو ما ينعكس لاحقاً على الأداء الجامعي والمهني.
