ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 2 أغسطس 2026 02:36 صباحاً - التخطيط الاستباقي يحوّل مشاريع الطرق إلى استثمار في الوقت وجودة الحياة
تطوير حلول هندسية قادرة على تحقيق انسيابية أكبر للحركة المرورية
زيادة استيعابية بآلاف المركبات وتقليص زمن الرحلات بـ 80 %
التزام بالجداول الزمنية والتنفيذ على مراحل يسرّع الاستفادة من المشاريع قبل اكتمالها
في دبي لم تعد مشاريع البنية التحتية تنفذ لمجرد مواكبة النمو السكاني أو استيعاب الزيادة المستمرة في أعداد الزوار، بل أصبحت ركيزة أساسية في رؤية متكاملة لإعادة تشكيل تجربة التنقل، وجعل الزمن معياراً رئيساً لقياس كفاءة المشاريع، ففي الإمارة التي يصل عدد الموجودين فيها نهاراً إلى 6.4 ملايين نسمة، وتشهد نمواً في أعداد المركبات يفوق المعدل العالمي بنحو خمسة أضعاف، لم يعد الهدف يقتصر على إنشاء طريق جديد أو توسعة شارع قائم، وإنما على تطوير حلول هندسية قادرة على تقليص زمن الرحلات، ورفع الطاقة الاستيعابية للطرق بآلاف المركبات في الساعة، وتحقيق انسيابية أكبر للحركة المرورية.
قدرة استيعابية
ولهذا، لا يكاد ينجز مشروع جديد لهيئة الطرق والمواصلات، سواء كان جسراً أو نفقاً أو تقاطعاً متعدد المستويات أو تطويراً لمحور مروري، إلا ويرتبط بمؤشرات أداء واضحة، تتمثل في خفض زمن الرحلات بنسب قد تصل إلى 80 %، وزيادة القدرة الاستيعابية، وتحسين تدفق الحركة، بما ينعكس مباشرة على مستخدمي الطريق ويعزز كفاءة شبكة النقل في الإمارة.
ولم يُعدّ نجاح مشاريع الطرق يقاس بطول الجسر أو حجم الإنفاق عليه، بل بالأثر الذي يتركه في الحياة اليومية، من خلال تقليص أوقات التنقل، واستيعاب أعداد أكبر من المركبات، وتقليل الازدحام، بما يرفع الإنتاجية، ويخفض الانبعاثات، ويحسن جودة الحياة، ويدعم كفاءة الاقتصاد، فكل دقيقة يتم توفيرها، وكل مركبة تعبر بانسيابية أكبر، تمثل قيمة مضافة لمنظومة النقل وللمدينة بأكملها.
أرشيفية
دراسات مستقبلية
ويعكس هذا النهج مستوى متقدماً من التخطيط الحضري الاستباقي، إذ لا تنتظر دبي تفاقم الازدحام لتبدأ المعالجة، بل تستند إلى دراسات مستقبلية تتوقع النمو السكاني والعمراني وحركة التنقل، وتنفذ مشاريع تستبق الاحتياجات قبل أن تتحول إلى تحديات، لذلك، أصبحت مشاريع البنية التحتية في الإمارة تتجاوز كونها منشآت هندسية، لتغدو استثماراً في الوقت والإنسان، وتجسيداً عملياً لرؤية مدينة ذكية ومستدامة، تجعل كل رحلة أقصر، وكل طريق أكثر كفاءة، وكل دقيقة أكثر قيمة، بما يعزز مكانة دبي نموذجاً عالمياً لمدن المستقبل.
وتكشف قراءة في عدد من مشاريع الطرق التي أنجزتها الهيئة خلال الفترة الأخيرة عن ملامح هذا النهج، منها على سبيل المثال الجسر الرئيس الذي افتتح الأسبوع الماضي ضمن مشروع تطوير شارعي عود ميثاء والأصايل، حيث لا يتجاوز طوله 400 متر، إلا أن أثره المروري يفوق أضعاف طوله، حيث يتكون من ثلاثة مسارات بطاقة استيعابية تبلغ 3600 مركبة في الساعة، ويخدم الحركة القادمة من شارع الخيل باتجاه شارع الأصايل عبر شارع نادي الوصل، وأسهم في خفض زمن الوصول إلى عدد من الوجهات والمناطق بنسبة 75 % من 20 دقيقة إلى 5 دقائق ما يؤكد أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في حجمه، بل في أثره المباشر على زمن الرحلة وكفاءة الحركة المرورية.
أرشيفية
نموذج للمشاريع
والأمر ذاته يتجسّد في الجسر الجديد الذي يربط مباشرة بين شارع الشيخ زايد ومنطقة دبي هاربر، والذي يمثل نموذجاً آخر للمشاريع التي تستهدف اختصار الوقت قبل أي شيء آخر، ويمتد الجسر بطول 1500 متر، وبسعة مسارين في كل اتجاه، ليشكل مدخلاً مباشراً إلى منطقة دبي هاربر انطلاقاً من التقاطع الخامس على شارع الشيخ زايد بالقرب من الجامعة الأمريكية في دبي، مروراً بتقاطع شارع النسيم مع شارع الفلك، ثم فوق تقاطع شارع الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وصولاً إلى شارع دبي هاربر، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 6000 مركبة في الساعة بالاتجاهين، ونجح في خفض زمن الرحلة من شارع الشيخ زايد إلى دبي هاربر بنسبة تصل إلى 75 %، لتتراجع مدة الرحلة من نحو 12 دقيقة إلى 3 دقائق فقط.
ولا تقتصر هذه الفلسفة على المشاريع التي دخلت الخدمة، بل تمتد إلى المشاريع الجاري تنفيذها، وفي مقدمتها مشروع تطوير دوار المركز التجاري، أحد أكثر التقاطعات الحيوية في دبي، والذي يربط شارع الشيخ زايد بخمسة شوارع رئيسة هي: شارع الشيخ خليفة بن زايد، وشارع الشيخ راشد، وشارع الثاني من ديسمبر، وشارع قصر زعبيل، وشارع المجلس، والذي تسير فيه الأعمال بوتيرة أسرع من البرنامج الزمني المعتمد، ويستهدف عند اكتماله خفض معدل التأخير على التقاطع من 12 دقيقة إلى 90 ثانية فقط، إلى جانب توفير حركات مرورية حرة في عدد من الاتجاهات الحيوية، بما يعزز انسيابية الحركة ويرفع كفاءة أحد أهم المحاور المرورية في الإمارة.
أرشيفية
تحسينات مرورية
ولا تقتصر جهود هيئة الطرق والمواصلات على تنفيذ الجسور والطرق الجديدة لتحقيق مستهدفاتها في تعزيز انسيابية الحركة المرورية وتقليص زمن الرحلات، بل تمتد أيضاً إلى تنفيذ التحسينات المرورية السريعة، التي أثبتت قدرتها على إحداث أثر ملموس في زمن قياسي، حيث أسهمت التحسينات التي أنجزتها الهيئة خلال العام الماضي في رفع كفاءة شبكة الطرق، وتعزيز انسيابية حركة المركبات، وتقليص زمن الرحلات بنسبة وصلت إلى 45 % في مناطق التحسين، إلى جانب زيادة الطاقة الاستيعابية لبعض الشوارع بنسبة بلغت 33 %، بما يعكس اعتماد الهيئة على حلول هندسية مرنة وسريعة، تكمل المشاريع الكبرى وتسهم في تحقيق نتائج مرورية مباشرة يشعر بها مستخدمو الطريق.
وما يميز تجربة دبي في تنفيذ مشاريع الطرق أن التفوق فيها لا يقتصر على النتائج التي تحققها المشاريع بعد دخولها الخدمة، بل يمتد إلى منهجية التنفيذ ذاتها، التي أصبحت أحد عناصر قوة منظومة البنية التحتية في الإمارة، فعندما تعلن هيئة الطرق والمواصلات جدولاً زمنياً لإنجاز مشروع، فإن التنفيذ يمضي وفق المدة المحددة، وفي حالات كثيرة بوتيرة تسبق البرنامج المعتمد، مستنداً إلى خبرات تراكمية اكتسبتها فرق العمل عبر عقود من تنفيذ المشاريع الكبرى، وإلى منظومة دقيقة في التخطيط وإدارة العقود والموارد والمخاطر، بما يضمن المحافظة على سرعة الإنجاز وجودته في الوقت نفسه.
مراحل تشغيلية
وتتجلى هذه الخبرة في أسلوب تنفيذ المشاريع على مراحل تشغيلية مستقلة، بحيث يتعامل مع كل مرحلة باعتبارها مشروعاً متكاملاً يمكن إدخاله إلى الخدمة فور إنجازه، بدلاً من انتظار اكتمال جميع مكونات المشروع، ويسمح هذا النهج بافتتاح الجسور والمسارات والمنحدرات المرورية تباعاً أمام مستخدمي الطريق، وتحقيق استفادة مبكرة من الأجزاء المنجزة، إلى جانب تخفيف الازدحام والحد من تأثير الأعمال الإنشائية في المناطق المحيطة، كما يعكس قدرة عالية على تنسيق مراحل التنفيذ وربطها بالحركة القائمة، خصوصاً في المحاور الحيوية التي لا يمكن إغلاقها أو تعطيلها خلال فترة الأعمال.
ولا تكمن أهمية هذه المنهجية في اختصار مدة التنفيذ فحسب، بل في تحويل زمن المشروع نفسه إلى قيمة مضافة للمجتمع، فكل مرحلة تفتتح قبل اكتمال المشروع بالكامل تعني تخفيفاً مبكراً للازدحام، ودقائق إضافية يجري توفيرها لمستخدمي الطريق، وتقليلاً لفترة تأثر السكان والمنشآت التجارية بالأعمال الإنشائية، وهنا يصبح الإنجاز المبكر جزءاً من العائد الفعلي للمشروع، وليس مجرد تفوق على الجدول الزمني، إذ تبدأ المدينة في جني فوائد استثماراتها قبل الانتهاء الكامل من جميع الأعمال.
فلسفة تنموية
وتعكس هذه المشاريع مجتمعة فلسفة تنموية راسخة تتبناها دبي، تنظر إلى البنية التحتية باعتبارها أكثر من مجرد طرق وجسور وأنفاق، فهي منظومة متكاملة لإدارة الوقت، وربط المناطق، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وتعزيز جودة الحياة، فالطريق الذي يختصر زمن الوصول لا يغير مسار المركبات فقط، بل يوسع نطاق الخيارات المتاحة للسكان، ويقرب أماكن العمل والخدمات والوجهات، ويرفع كفاءة حركة الأفراد والبضائع، ويمنح المدينة قدرة أكبر على استيعاب نموها المتسارع.
