حال الإمارات

بيئة تعليمية جديدة.. بداية مختلفة تصنعها الأسرة والمدرسة

بيئة تعليمية جديدة.. بداية مختلفة تصنعها الأسرة والمدرسة

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 23 أغسطس 2026 05:06 صباحاً - من نافلة القول أن الانتقال إلى مدرسة جديدة لا يختزل في تغيير المبنى أو الصف الدراسي، بل يمثل بالنسبة إلى الطالب بداية مرحلة جديدة تتداخل فيها مشاعر القلق بالحماس، وتفرض عليه تحديات نفسية واجتماعية تتجاوز حدود الدراسة نفسها.

فمغادرة الأصدقاء والبيئة المألوفة، والتعرّف إلى زملاء ومعلمين جدد، والتأقلم مع أنظمة مختلفة، كلها تفاصيل قد تجعل هذه الخطوة حساسة في حياة الطالب، وتحتاج إلى دعم يبدد مخاوفه، ويعزز ثقته بنفسه.

تبرز أهمية التكامل بين الأسرة والمدرسة في تهيئة الطالب للاندماج في بيئته التعليمية الجديدة، بما يضمن شعوره بالأمان والانتماء منذ الأيام الأولى، ويحول تجربة الانتقال من مصدر قلق إلى فرصة للنمو واكتساب خبرات وعلاقات جديدة.

وفي إطار نهج المدرسة الإماراتية الهادف إلى توفير بيئة تعليمية داعمة ومحفزة، تحرص المدارس على احتواء الطلبة الجدد عبر برامج تهيئة ومتابعة مستمرة، إلى جانب أنشطة تشجع على التفاعل الإيجابي وبناء العلاقات، بما يسهم في تسهيل اندماجهم داخل المجتمع المدرسي.

واستطلعت «حال الخليج» آراء عدد من أولياء الأمور والمرشدين الأكاديميين لرصد أبرز التحديات التي تواجه الطلبة المنتقلين إلى مدارس جديدة، واستكشاف أدوار الأسرة والمدرسة في مساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة بثقة واستقرار.

التحدي الأول.. الخوف من المجهول

أكد المرشد الأكاديمي هشام جابر جالي أن أكثر ما يواجهه الطالب عند انتقاله إلى مدرسة جديدة ليس الدراسة بحد ذاتها، بل الخوف من المجهول، وما يصاحبه من تساؤلات حول قدرته على تكوين صداقات جديدة والتأقلم مع بيئة مختلفة.

وأوضح أن هذه المشاعر لا تظهر دائماً بصورة مباشرة، بل قد تنعكس في شكل صمت أو انعزال أو تردد في المشاركة، ما يستدعي متابعة مبكرة من المختصين لرصد احتياجات الطالب ودعمه نفسياً واجتماعياً.

وأشار إلى أن الاندماج الحقيقي يبدأ حين يشعر الطالب أن وجوده أصبح جزءاً طبيعياً من المجتمع المدرسي، لافتاً إلى أن المدارس تحرص على تعريف الطلبة الجدد بالأنظمة والمرافق والأشخاص الذين يمكنهم اللجوء إليهم عند الحاجة، إلى جانب إشراكهم في الأنشطة والمشروعات الجماعية التي تساعدهم على بناء العلاقات بصورة طبيعية.

وأضاف أن المعلم والمرشد الأكاديمي يؤديان دوراً محورياً في تعزيز شعور الطالب بالأمان والانتماء، لأن الأمان النفسي يسبق الانتماء، والانتماء يسبق الدافعية، والدافعية تنعكس على التحصيل الدراسي.

ودعا جالي أولياء الأمور إلى عدم نقل مخاوفهم إلى أبنائهم، ومنحهم الوقت الكافي للتأقلم، مع الحرص على فتح حوار يومي معهم حول تجاربهم في المدرسة الجديدة، بعيداً عن المقارنة بالآخرين، لأن سرعة التكيف تختلف من طالب إلى آخر.

الاحتواء المدرسي يصنع الفارق

من جانبها، أوضحت سارة محمد البلوشي، المرشد الأكاديمي المهني، أن الطالب المنتقل إلى مدرسة جديدة قد يواجه في البداية صعوبة في تكوين الصداقات والتعرف إلى المعلمين والأنظمة المدرسية، إلا أن هذه المخاوف تتراجع تدريجياً عندما يلمس الاحتواء والدعم داخل المدرسة.

وأضافت أن المدارس تسهّل عملية التأقلم عبر تعريف الطلبة الجدد بالمرافق والخدمات والأنظمة المدرسية، ودمجهم منذ الأيام الأولى في الأنشطة الصفية والجماعية، إلى جانب المتابعة المستمرة لقياس مدى اندماجهم وتقديم الدعم اللازم عند الحاجة.

وأشارت إلى أن أنشطة التعارف، والعمل الجماعي، والألعاب التعليمية، والمشروعات المشتركة، والأنشطة الرياضية والتطوعية، تعد من أكثر الوسائل فاعلية في كسر حاجز الخجل، لأنها تتيح للطالب فرصاً طبيعية للتواصل والتفاعل.

كما لفتت إلى أن منح الطالب أدواراً ومسؤوليات بسيطة داخل الصف أو الأنشطة يعزز ثقته بنفسه، ويفتح أمامه مساحة لإبراز قدراته وبناء حضوره داخل البيئة الجديدة.

وأكدت أن المدرسة تسهم كذلك في بناء علاقات إيجابية للطلبة الجدد من خلال إشراكهم في الأندية والبرامج والفعاليات التي تنسجم مع اهتماماتهم، بما يتيح لهم التعرف إلى زملاء يشاركونهم الهوايات والميول نفسها، ويعزز شعورهم بالانتماء للمجتمع المدرسي.

الاندماج مسؤولية مشتركة

بدورها، أكدت مروة خميس اليماحي، أخصائي مختبر مدرسي، أن السؤال الأهم الذي يشغل الطالب عند انتقاله إلى مدرسة جديدة ليس مرتبطاً بالمناهج أو الحصص، بل يتمثل في شعوره الداخلي: هل سأجد لي مكاناً هنا؟

وأوضحت أن مخاوف الطالب ترتبط غالباً بالقبول الاجتماعي والشعور بالانتماء، مشيرة إلى أن المدرسة تحرص منذ اللحظة الأولى على تعريف الطلبة الجدد بالمرافق والأنظمة المدرسية والأشخاص الذين يمكنهم الرجوع إليهم عند الحاجة.

وقالت إن عملية الاندماج لا تقع على عاتق الطالب وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين المدرسة والمجتمع الطلابي، لافتة إلى أن الأنشطة الجماعية والمشروعات المشتركة والفعاليات الرياضية والتفاعلية تعد من أنجح الوسائل في كسر حاجز الخوف والخجل، لأنها تمنح الطلبة فرصاً واقعية للتواصل والتعاون.

وأضافت أن المواقف البسيطة قد تترك أثراً كبيراً في نفس الطالب، كأن يجد زميلاً يرحب به، أو معلماً يناديه باسمه، أو فريقاً يشجعه على المشاركة، فمثل هذه التفاصيل الصغيرة تصنع شعوراً كبيراً بالأمان.

كما شددت على الدور المحوري للمعلم والمرشد الأكاديمي في متابعة تكيف الطالب والاستماع إليه بصورة مستمرة، مؤكدة أن سؤالاً بسيطاً مثل: كيف كان يومك؟ قد يحمل أثراً عميقاً، لأنه يوصل للطالب رسالة واضحة بأنه محل اهتمام وتقدير.

الأسرة.. نقطة البداية

وفي المقابل ترى ولية الأمر سندية الزيودي أن دور الأسرة يبدأ منذ اللحظة الأولى لإبلاغ الأبناء بقرار الانتقال إلى مدرسة جديدة، من خلال منحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم، وعدم التقليل من أثر الابتعاد عن الأصدقاء والمعلمين والبيئة التي اعتادوا عليها.

وأكدت أهمية تقديم المدرسة الجديدة للأبناء بوصفها بداية وتجربة مختلفة، لا بوصفها خسارة لما سبق، مع طمأنتهم إلى أن بإمكانهم الاحتفاظ بصداقاتهم القديمة، وفي الوقت نفسه بناء صداقات جديدة.

وأضافت أن تخفيف القلق يبدأ بتقليل مساحة المجهول، عبر تعريف الأبناء بالمدرسة الجديدة قبل بدء الدراسة قدر الإمكان، سواء من خلال زيارتها أو التعرف إلى مرافقها وأنظمتها، إلى جانب الاستماع إلى مخاوفهم ومخاطبتهم بلغة تطمئنهم بأن القلق في البدايات أمر طبيعي.

وأشارت إلى أهمية تشجيع الأبناء على اتخاذ خطوات بسيطة نحو الاندماج، مثل إلقاء التحية والمشاركة في الأنشطة، من دون ممارسة ضغط عليهم لتحقيق نجاح اجتماعي سريع أو تكوين عدد كبير من الأصدقاء خلال فترة قصيرة.

وشددت على أن أهم رسالة ينبغي أن يتلقاها الطالب في هذه المرحلة هي أنه لا يحتاج إلى تغيير شخصيته حتى يحظى بقبول الآخرين، وأن انتقاله إلى مدرسة جديدة لا يعني أنه يبدأ من الصفر، بل ينتقل بخبراته ومهاراته وقدراته إلى فرصة جديدة.

متابعة يومية وتواصل مستمر

من جانبه، أكد ولي الأمر خميس الكندي أن الأسرة تمثل خط الدعم الأول للطالب عند انتقاله إلى مدرسة جديدة، من خلال احتوائه وتعزيز ثقته بنفسه ومساعدته على النظر إلى التجربة الجديدة بإيجابية، بدلاً من التركيز على مخاوف الابتعاد عن الأصدقاء والبيئة السابقة.

وأوضح أن هذه المرحلة تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الأسرة والمدرسة، إذ يسهم التواصل المستمر مع المعلمين والإدارة المدرسية في تسهيل اندماج الطالب ومساعدته على تجاوز التحديات التي قد تواجهه في الأيام الأولى.

في السياق نفسه، أشار ولي الأمر فهد الحساني إلى أن المتابعة اليومية للأبناء خلال الأسابيع الأولى تعد من أهم عوامل نجاح الانتقال، لأنها تساعد الأسرة على اكتشاف أي صعوبات مبكراً قبل أن تنعكس على المستوى الدراسي أو التحصيل الأكاديمي.

وأضاف أن تخصيص وقت للحوار مع الأبناء وسؤالهم عن يومهم الدراسي وعلاقاتهم بزملائهم وما إذا كانوا بحاجة إلى دعم أو توجيه، يسهم في تعزيز شعورهم بالأمان، ويدعم قدرتهم على التأقلم بصورة صحية ومتوازنة.

وأكد أن المدرسة الإماراتية، بما تضمه من كوادر تعليمية وإشرافية، تؤدي دوراً كبيراً في احتواء الطلبة الجدد، إلا أن نجاح هذه المهمة يبقى رهناً بالشراكة الحقيقية مع الأسرة، لأن تهيئة الطالب للاندماج مسؤولية مشتركة تنعكس مباشرة على استقراره النفسي والاجتماعي والأكاديمي.

من التردد إلى الثقة

في المحصلة، قد يبدو الانتقال إلى مدرسة جديدة تحدياً مقلقاً في بدايته، لكنه يمكن أن يتحول إلى تجربة ثرية وناجحة عندما تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة في التهيئة والدعم والمتابعة والاحتواء.

وعندها تتبدل مشاعر التردد إلى ثقة، والوجوه الجديدة إلى صداقات، ويصبح الطالب أكثر قدرة على بناء تجربة تعليمية واجتماعية مستقرة.

وهنا يتجلى نهج المدرسة الإماراتية في توفير بيئة داعمة تجعل من كل طالب عضواً فاعلاً في مجتمعها، وقادراً على الانطلاق نحو التعلم والنجاح بثقة وانتماء.

المشاعر السلبية تتراجع تدريجياً عندما يجد الطالب الاحتواء والدعم المدرسي

المعلم والمرشد الأكاديمي يؤديان دوراً محورياً في تعزيز شعور الطالب بالأمان

المتابعة اليومية للأبناء خلال الأسابيع الأولى تعدّ من أهم عوامل نجاح الانتقال

الأسرة خط الدعم الأول للطالب

Advertisements

قد تقرأ أيضا