ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 14 سبتمبر 2026 08:06 صباحاً - لم تعد مواجهة زيادة الوزن في الإمارات ترتبط بمحاولات فردية لإنقاص الكيلوغرامات، بل أصبحت جزءاً من توجه مجتمعي أوسع لتشجيع أفراد المجتمع على تبني نمط حياة أكثر نشاطاً وصحة، تدعمه مبادرات وتحديات تطلقها جهات ومؤسسات عدة، حكومية وخاصة، تحفز على ممارسة الرياضة وإعادة تنظيم العادات الغذائية، فضلاً عن توفير مسارات للمشي والجري في عدد من المراكز التجارية والمرافق المجتمعية، ما يجعل النشاط البدني أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.
وتكشف هذه المبادرات أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى وزن أقل خلال فترة زمنية محددة، بل في القدرة على تحويل التغيير المؤقت إلى أسلوب حياة مستدام، فالمنافسة قد تبدأ بهدف الفوز أو خسارة عدد من الكيلوغرامات، لكن نجاحها الفعلي يقاس بما يبقى منها بعد انتهاء التحدي بعادة رياضية، اختيار غذائي أفضل، قدرة أكبر على الحركة، ونظرة أكثر إيجابية إلى الصحة والجسد.
تبدو رحلة الوزن الصحي أقرب إلى معركة تبدأ من العقل قبل أن تظهر نتائجها على الميزان، إذ يحتاج الشخص إلى قناعة داخلية بالتغيير، وأهداف واقعية، وخطة غذائية ورياضية قابلة للاستمرار، بعيداً عن الحميات القاسية أو التمارين المرهقة التي قد تحقق نتيجة سريعة، لكنها لا تضمن استمرارها.
وتقدم تجربة تحدي رأس الخيمة للياقة البدنية نموذجاً لهذه الفلسفة، من خلال تحويل إنقاص الوزن والنشاط البدني من قرار فردي إلى تجربة جماعية قائمة على المتابعة والمنافسة والتحفيز، بما يساعد المشاركين على بناء عادات يمكن مواصلتها خارج إطار التحدي.
الهدف أبعد من الجائزة
وقال فيصل الغيص، رئيس اللجنة المنظمة لتحدي «رأس الخيمة للياقة البدنية» لـ«حال الخليج»، إن التحدي يمثل نموذجاً عملياً لتحويل الرغبة في التغيير إلى سلوك مستمر، مشيراً إلى أن فعاليات النسخة الثالثة انطلقت في الأول من سبتمبر الجاري تحت رعاية سمو الشيخ محمد بن سعود بن صقر القاسمي، ولي عهد رأس الخيمة، امتداداً لما حققته النسختان السابقتان.
وأشار إلى أن المبادرة لا تستهدف المنافسة على الجوائز فحسب، وإنما تسعى إلى تشجيع الشباب على تبني النشاط البدني والغذاء الصحي وإعادة تنظيم نمط حياتهم، لافتاً إلى أن النسخة الثالثة تستهدف 200 متنافس من المواطنين في رأس الخيمة، تراوح أعمارهم بين 13 و30 عاماً، ممن يبلغ مؤشر كتلة الجسم لديهم 40 فأكثر، مع اشتراط الاشتراك في إحدى الصالات الرياضية بالإمارة.
وأضاف: لا تقاس القيمة الحقيقية للتجربة بالجائزة المالية، بل بقدرة المشارك على المحافظة على العادات التي اكتسبها بعد انتهاء المنافسة، وتعكس نتائج النسخة الثانية جانباً من هذا الأثر، إذ شارك فيها 126 متنافساً، وتمكن المشاركون مجتمعين من فقدان 726 كيلوغراماً، في حين جرى تتويج 20 فائزاً.
وأكد الغيص أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في كونها حصيلة لمنافسة رياضية فقط، بل في قدرتها على إظهار أثر البيئة الجماعية المحفزة في مساعدة المشاركين على الالتزام، خصوصاً عندما يجد الفرد نفسه ضمن تجربة تتضمن أهدافاً واضحة ومتابعة مستمرة ومنافسة تشجعه على مواصلة الطريق.
التغيير يبدأ من الداخل
ويضع الدكتور عادل أحمد كراني، استشاري الطب النفسي، العامل النفسي في مقدمة العوامل التي تحدد نجاح رحلة إنقاص الوزن، مؤكداً أن الدافعية الداخلية هي نقطة الانطلاق الأساسية، لأنها تجعل التغيير نابعاً من رغبة الشخص في تحسين صحته وجودة حياته، وليس مجرد استجابة لضغوط اجتماعية أو محاولة للوصول سريعاً إلى رقم معين على الميزان.
وأشار إلى أن أهمية العامل النفسي تظهر بصورة كبرى عندما تتباطأ وتيرة فقدان الوزن أو يدخل الشخص في مرحلة ثبات، وهي مرحلة قد تدفع البعض إلى الإحباط والتخلي عن البرنامج، مشيراً إلى أن ثبات الوزن لا يعني بالضرورة الفشل، وإنما قد يكون مرحلة طبيعية تتطلب الصبر وإعادة تقييم الأهداف والخطة.
وأكد كراني أهمية وضع أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، وإعادة تعريف مفهوم النجاح، بحيث لا يرتبط بالميزان وحده، وإنما يشمل تحسن اللياقة، والقدرة على الحركة، وجودة النوم، والالتزام بالعادات الصحية، موضحاً أن الرياضة ينبغي ألا ينظر إليها باعتبارها عقاباً أو مجرد وسيلة لحرق السعرات، بل عادة تساعد الإنسان على تحسين صحته وجودة حياته.
وحذر من جلد الذات والمقارنة بصور الأجساد غير الواقعية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لما قد تسببه من ضغوط نفسية وانعكاسات سلبية على صورة الشخص عن جسده وعلاقته بالطعام، داعياً إلى أن تكون مكافأة النفس مرتبطة بالشعور بالإنجاز والتقدم، وليس بالطعام.
الحمية.. تنظيم لا تجويع
وأكدت اختصاصية التغذية روبى حوراني أن التغيير النفسي لا يكتمل من دون تغيير الطريقة التي ينظر بها الشخص إلى الطعام، مشيرة إلى أن النظام الغذائي الأنسب لمن يسعى إلى خفض الوزن مع ممارسة الرياضة ليس الأكثر صرامة أو الأسرع في تحقيق النتائج، بل النظام المتوازن الذي يحقق عجزاً حرارياً معتدلاً، مع توفير احتياجات الجسم من البروتين والعناصر الغذائية الأساسية للحفاظ على الكتلة العضلية والطاقة ودعم الأداء الرياضي.
وأشارت إلى أن خسارة الدهون بصورة صحية تتطلب خفض السعرات الحرارية بشكل مدروس، بالتوازي مع الحصول على كمية كافية من البروتين وممارسة تمارين المقاومة، محذرة من أن المبالغة في خفض السعرات قد تؤدي إلى فقدان الكتلة العضلية إلى جانب الدهون، فضلاً عن تراجع الطاقة والأداء البدني.
وأوصت حوراني بعجز حراري يراوح بين 300 و500 سعرة حرارية يومياً، مع توزيع مصادر البروتين على الوجبات الرئيسية بما يقارب 20 % من مكونات الوجبة، إلى جانب ممارسة تمارين المقاومة من مرتين إلى 5 مرات أسبوعياً، والنوم من 7 إلى 9 ساعات يومياً، وشرب كميات كافية من الماء.
وحذرت من عدد من الممارسات التي قد تضعف نتائج الجمع بين الغذاء والرياضة، من بينها خفض السعرات بصورة مبالغ فيها، وإهمال البروتين، والامتناع التام عن الكربوهيدرات، والاعتماد على المكملات الغذائية بدلاً من تنظيم الوجبات، فضلاً عن تناول كميات كبيرة من الطعام لتعويض السعرات المحروقة أثناء التمرين.
وأكدت أن الحميات السريعة والقاسية قد تحقق انخفاضاً سريعاً في الوزن، لكنها ليست الخيار الأفضل لمعظم الأشخاص، إذ قد يرتبط جزء من النزول بفقدان الماء والكتلة العضلية، إلى جانب الجوع والتعب وتراجع الأداء الرياضي، وارتفاع احتمالية استعادة الوزن بعد التوقف عنها.
وترى أن النظام المتوازن أكثر قابلية للاستمرار، لأنه يسمح بخفض الدهون تدريجياً مع الحفاظ على الكتلة العضلية والطاقة، ويتيح تعديل الخطة وفق احتياجات الجسم ومستوى النشاط، وصولاً إلى تحويل التغذية الصحية من «حمية» مؤقتة إلى أسلوب حياة.
التدرج يصنع الاستمرارية
وحذر مدرب اللياقة البدنية عبدالرحيم موسى من الانتقال المفاجئ إلى التمارين الشاقة، باعتباره أحد أكثر الأخطاء شيوعاً لدى الراغبين في خفض أوزانهم، خصوصاً عندما تتجاوز الرغبة في تحقيق نتائج سريعة قدرة الجسم على تحمل الجهد، مشيراً إلى أن البداية الصحيحة تكون ببرنامج يتناسب مع الحالة البدنية لكل شخص، يبدأ بتمارين بسيطة ومنخفضة الشدة لتنشيط الجسم وتحسين الحركة والقدرة على التحمل، قبل رفع مستوى التدريب تدريجياً.
وأكد موسى أن زيادة شدة التمارين يجب أن تتم بصورة مدروسة، سواء من خلال زيادة مدة التدريب أو عدد مرات التكرار أو مستوى المقاومة، مع منح الجسم الوقت الكافي للتعافي، مشدداً على أن الهدف ليس استنزاف الجسم خلال فترة قصيرة، بل بناء قدرة بدنية قابلة للاستمرار، مشيراً إلى أهمية متابعة أداء المتدرب وتطوير البرنامج وفق تطور مستوى لياقته وقدرته على التحمل، مع مراعاة الفروق الفردية، موضحاً أن البرنامج الذي يناسب شخصاً قد لا يكون مناسباً لشخص آخر.
وأضاف أن دور المدرب لا يقتصر على تحديد التمارين، بل يشمل متابعة الأداء وتصحيح الأخطاء وتطوير البرنامج، بما يساعد المتدرب على الوصول إلى نتائج آمنة وفعالة وبناء عادة رياضية يمكن الحفاظ عليها على المدى الطويل.
تختصر تجربة أحمد محمد اشتيري الطنيجي، الفائز بالمركز الأول في النسخة الثانية من تحدي رأس الخيمة للياقة البدنية، جوهر الفكرة التي تتجاوز حدود المنافسة والميزان، مؤكداً أن التحدي شكل نقطة تحول في حياته، وساعده على إعادة تنظيم نمط حياته وزيادة التزامه بالرياضة والغذاء الصحي، مؤكداً أن هدفه لم يكن الفوز بالمركز الأول أو الحصول على الجائزة المالية فقط، وإنما إحداث تغيير طويل الأمد في صحته ولياقته.
وأشار إلى أن أصعب المراحل كانت في بداية الرحلة، قبل أن تتحول ممارسة الرياضة واختيار الطعام الصحي إلى عادات يومية، موضحاً أن رؤية التقدم التدريجي شكلت دافعاً للاستمرار، إذ انتقل من إنهاء مسافة كيلومتر واحد خلال 8 دقائق إلى 6 دقائق، مؤكداً أن التجربة علمته التعامل مع فترات ثبات الوزن وتراجع الحماس بالصبر وعدم الاستسلام، لافتاً إلى أن الهدف بعد انتهاء المنافسة لم يعد الوصول إلى رقم معين على الميزان، وإنما المحافظة على وزن صحي ولياقة أفضل ونمط حياة متوازن.
وقال: «هنا تكمن خلاصة التجربة، فقد يكون الميزان أول ما يدفع الإنسان إلى التغيير، لكنه ليس ما يبقيه عليه، فالأرقام تتغير، وسرعة النزول تتباطأ، والمنافسات تنتهي، أما العادة التي تتشكل في العقل وتترسخ في الحياة اليومية، فهي التي تصنع النتيجة الأكثر استدامة، فالوزن الصحي ليس رقماً نصل إليه.. بل حياة أفضل نبنيها ونستمر فيها».
