ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 12:06 مساءً - أكدت نهال بدري، الأمين العام لمجلس دبي للإعلام، أن السرد القصصي مهارة قابلة للتطوير والصقل من خلال الممارسة والتدريب، مشددة على أن القصة المؤثرة في المجال الإعلامي لا يمكن أن تكون بديلاً عن المنطق، وبينت أن «الدليل والاستنتاج» يمثلان العمود الفقري للقدرة على الإقناع وتحريك الجمهور.
وقالت، خلال جلسة ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي، إن بلوغ مستوى متقدم في السرد القصصي يتطلب تدريباً مستمراً وممارسة متواصلة، مستشهدة بتجربة لاعب الغولف العالمي تايغر وودز، الذي بدأ ممارسة اللعبة في سن الثالثة، في إشارة إلى أهمية البداية المبكرة والاستمرارية في بناء المهارات وتطوير الذات.
ثلاثة أنواع للخطاب
وأوضحت بدري أن بناء السرد القصصي يستند إلى مجموعة من العوامل المحددة، مشيرة إلى أن الخطاب يقوم على 3 أنواع رئيسة، هي خطاب المصداقية، وخطاب العاطفة، وخطاب المنطق، مؤكدة في الوقت نفسه أن الإعلام يتعين عليه أن ينحاز بصورة أساسية إلى المنطق.
وقالت إن الخطابات الدينية تعتمد، في جانب منها، على مخاطبة العاطفة، كما أن الخطابات السياسية اعتمدت تاريخياً على هذا الجانب بدرجة كبيرة. وأعربت عن أملها في أن يبتعد العمل الإعلامي عن الإفراط في الخطاب العاطفي، وأن يمنح مساحة أكبر للمنطق والحقائق والأدلة.
وأضافت: «الإعلام يجب أن يكون مبنياً على المنطق والدليل والاستنتاج، فهذا هو العمود الفقري للإقناع»، مؤكدة أن توظيف السرد القصصي لا يعني الاستغناء عن الحجة أو البرهان، وأن «القصة ليست بديلاً عن المنطق».
وشددت على أن القصة يمكن أن تمنح المعلومة سياقاً إنسانياً وتساعد على تقريبها من الجمهور، لكنها تفقد قدرتها على التأثير المستدام إذا لم تستند إلى معلومات موثوقة واستنتاجات واضحة. ومن هنا، فإن نجاح السرد الإعلامي يرتبط بقدرته على الجمع بين جاذبية الحكاية وقوة الحجة.
رهان المحتوى العربي
وتوقفت بدري عند ما وصفته بـ«الرهان الإنساني» في استخدام اللغة العربية، متسائلة عن مدى قدرة صانع المحتوى على التحدث بالعربية بطريقة تجعل المتلقي يشعر بأن الموضوع يعنيه ويمسه بصورة مباشرة.
وطرحت تساؤلاً حول موطن العائق في قصة اللغة العربية، موضحة أنها اختارت إثارة هذه النقطة بهدف تحفيز شغف الحضور بالتفكير في مستقبل المحتوى العربي، ومدى قدرته على الوصول والتأثير في جمهور واسع ومتعدد الاهتمامات.
وأشارت إلى أن المحتوى العربي لا يتجاوز 4% من إجمالي المحتوى العالمي، وفق أرقام نسبتها إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو». واعتبرت أن الاستناد إلى الأرقام والبراهين يمنح النص قوة أكبر، ويعزز قدرته على إقناع المتلقي، بدلاً من الاكتفاء بالطرح الإنشائي أو الخطاب العاطفي.
وأكدت أن هذا الواقع يفرض على صناع المحتوى العربي البحث عن أساليب أكثر فاعلية في إنتاج القصص وتقديمها، بما يضمن حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي، ويعزز قدرتها على التعبير عن القضايا الإنسانية والثقافية والمجتمعية بلغة قريبة من الجمهور وقادرة على التفاعل مع احتياجاته.
وتطرقت بدري إلى التحدي المرتبط باستخدام اللغة العربية الفصحى في صناعة المحتوى والسرد القصصي، خصوصاً عند مخاطبة الأجيال الجديدة، متسائلة عن السبل الكفيلة بالوصول إلى جيل لا يتقن بعض أفراده اللغة العربية بالمستوى المطلوب.
وأكدت أهمية تشجيع الأجيال الجديدة على قراءة القصص، بما يسهم في تعزيز علاقتها باللغة، وفي الوقت نفسه تطوير أدوات سرد قادرة على مخاطبتها والوصول إليها. وشددت على ضرورة عدم التعامل مع اللغة بوصفها عائقاً أمام صناعة المحتوى، بل باعتبارها أداة يمكن تطوير استخدامها وتقديمها بأساليب أكثر مرونة وجاذبية.
وأوضحت أن التحدي لا يكمن في اللغة وحدها، وإنما في الطريقة التي تُبنى بها الرسالة وتُقدَّم إلى الجمهور. فالمحتوى القادر على الوصول إلى الأجيال الجديدة هو ذلك الذي يفهم اهتماماتها، ويراعي طبيعة المنصات التي تستخدمها، ويقدم لها قصة واضحة ومتماسكة بلغة قريبة من تجربتها اليومية.
وشددت على أن السرد القصصي الناجح يبدأ من القدرة على بناء القصة، ومعرفة الجمهور الذي نتوجه إليه، وفهم الطريقة التي يمكن من خلالها تحريك اهتمامه وتفاعله. وأكدت أن اجتماع البناء القصصي مع المنطق والأدلة يتيح إنتاج رسالة أكثر قدرة على التأثير والاستمرار.
وربطت بدري أهمية تطوير أدوات السرد بالنمو المتسارع الذي تشهده الصناعات الإبداعية والترفيهية، مشيرة إلى أن حجم صناعة الألعاب الترفيهية والسينما يقدر بنحو 2.5 تريليون دولار، فيما يُتوقع أن يصل إلى نحو 4.2 تريليونات دولار بحلول عام 2030.
ولفتت إلى أن الحديث عن صناعة المحتوى والسرد يكتسب أهمية خاصة في دولة الإمارات، التي يعيش فيها أكثر من 200 جنسية، بما يجعل جمهورها شديد التنوع من حيث اللغات والثقافات والخلفيات. وأوضحت أن هذا التنوع يضع أمام صناع الإعلام والمحتوى تحدياً يتمثل في كيفية بناء قصة قادرة على الوصول إلى هذه الفئات المختلفة والتأثير فيها.
وبينت أن صانع المحتوى لا يتعامل مع جمهور واحد متجانس، بل مع جماهير متعددة تختلف في تجاربها ومرجعياتها وطرق تفاعلها مع الرسائل الإعلامية. ولذلك، فإن بناء قصة مؤثرة يتطلب فهماً دقيقاً للجمهور، واختياراً واعياً للغة والصورة والإيقاع والمنصة التي تُقدَّم عبرها الرسالة.
وأكدت أن الرهان لا يتعلق باستخدام اللغة العربية وحده، وإنما بالقدرة على صناعة محتوى يجعل الجمهور يشعر بأن القصة تخصه وتمس حياته بصورة مباشرة. وأوضحت أن الوصول إلى هذا الهدف يحتاج إلى سرد قصصي مدروس، يجمع بين مهارة بناء القصة، وقوة الدليل، ومنطق الرسالة.
واختتمت بالتأكيد على أن الإعلام المؤثر لا يكتفي بجذب انتباه الجمهور، بل يسعى إلى بناء فهم قائم على الحقائق، وتحفيز التفاعل من خلال قصة واضحة ومقنعة. فكلما نجح صانع المحتوى في تحقيق التوازن بين البعد الإنساني للسرد وصلابة المنطق، ازدادت قدرة رسالته على الوصول والتأثير في جمهور متنوع ومتغير.
