ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 4 فبراير 2026 11:06 صباحاً - ناقشت جلسة «التعليم بلا حدود: تعزيز العدالة والمرونة» آفاق تطوير أنظمة تعليمية شاملة وقادرة على الصمود، بما يعزز التماسك الاجتماعي، ويرسخ قيم المواطنة العالمية، ويدعم التفاهم بين الثقافات، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات متداخلة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
وجاءت الجلسة ضمن فعاليات منتدى مستقبل التعليم ضمن أعمال القمة العالمية للحكومات 2026، بمشاركة قيادات دولية وممثلين عن منظمات تعليمية عالمية، حيث عكست النقاشات إدراكًا متزايدًا بأن التعليم لم يعد ملفًا قطاعيًا منفصلًا، بل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار المجتمعي، وبناء السلام، وتعزيز التنمية المستدامة، لا سيما في المجتمعات التي تواجه تحديات النزوح، وعدم المساواة، والفجوة الرقمية.
وركزت الجلسة على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها كيفية تصميم أنظمة تعليمية شاملة ومتاحة لجميع المتعلمين دون استثناء، بغض النظر عن النوع الاجتماعي، أو القدرات الفردية، أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أو ظروف النزوح واللجوء، أو مستوى الوصول إلى التكنولوجيا. وأكد المشاركون أن العدالة التعليمية تبدأ من إزالة الحواجز غير المرئية التي تحول دون وصول التعليم إلى الفئات الأكثر هشاشة، وليس فقط من توفير مقاعد دراسية.
كما تناولت الجلسة دور التعليم الشامل والمرن في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات، وترسيخ قيم المواطنة العالمية، وبناء جسور التفاهم بين الثقافات المختلفة، في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا في الاستقطاب والانقسامات. واعتبر المشاركون أن المدرسة لم تعد مجرد مساحة للتعلم الأكاديمي، بل منصة لغرس القيم الإنسانية، وتعزيز ثقافة الحوار، وقبول الآخر، وإدارة التنوع.
وفي هذا السياق، أكدت دانا ديكسون، وزيرة التعليم والمهارات والشباب والمعلومات في جامايكا، أن التعليم الشامل يمثل حجر الأساس لتحقيق التماسك الاجتماعي، موضحة أن مفهوم الدمج لا يقتصر على معالجة الفوارق بين الريف والحضر أو التباينات الاجتماعية والاقتصادية، بل يمتد ليشمل دمج الطلبة من أصحاب الهمم داخل النظام التعليمي، وتمكينهم من التعلم جنبًا إلى جنب مع أقرانهم.
وأوضحت ديكسون أن السياسات التعليمية في جامايكا تركز على غرس قناعة لدى الأطفال منذ المراحل الأولى بأن لكل فرد مكانًا ودورًا في المجتمع، معتبرة أن التعليم هو الأداة الأكثر تأثيرًا في بناء هذا الوعي الجمعي. وأضافت أن الحكومة تعمل بشكل مكثف على تقليص الفجوة الرقمية، لا سيما في المناطق الريفية والنائية التي يصعب الوصول إليها، مؤكدة أن إيصال التكنولوجيا إلى تلك المدارس، رغم التحديات الجغرافية والبنية التحتية المحدودة، يمثل رسالة واضحة بأن كل طفل، أينما كان، هو جزء من مستقبل واحد.
وفي محور السياسات التعليمية العالمية، أوضحت لورا فريجنتي، الرئيس التنفيذي للشراكة العالمية من أجل التعليم، أن بناء أنظمة تعليمية شاملة لا يحدث بشكل تلقائي، بل يتطلب إرادة سياسية واضحة وإجراءات مقصودة تستند إلى الأدلة والبيانات. وأكدت أن كثيرًا من أشكال التمييز في التعليم تكون خفية، ومتجذرة في الممارسات المجتمعية والتقاليد الثقافية، ما يستدعي تشخيصًا تحليليًا دقيقًا لمواضع التمييز وأسبابه قبل صياغة السياسات.
وأضافت، أن التمييز لا يقتصر على فئة بعينها، بل قد يمتد ليشمل الفتيات في بعض المجتمعات، أو الطلبة من أصحاب الهمم، أو الأقليات العرقية والثقافية، مشيرة إلى أن بعض الأنظمة التعليمية لا تزال تعتمد نماذج فصل وعزل للطلبة من أصحاب الهمم، وهو ما يقوض فرص دمجهم الحقيقي في المجتمع. وشددت على أن التعليم الشامل الحقيقي يقوم على دمج جميع الطلبة في البيئة التعليمية نفسها، مع توفير الدعم المتخصص داخل الصف، وليس خارجه.
من جانبه، أكد غاسبارد بانيانكيمبونا، مفوض التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار في الاتحاد الأفريقي، أن مفهوم «التعليم بلا حدود» كان لفترة طويلة طموحًا تسعى إليه القارة الأفريقية، قبل أن يتحول اليوم إلى نقاش عالمي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحديات التعليمية لم تعد محلية، بل عابرة للحدود.
وأوضح أن التجارب الدولية الناجحة في التعليم تشترك في 3 ركائز أساسية، تتمثل في الإتاحة الشاملة للتعليم الأساسي الجيد، والتصميم المتعمد لسياسات الدمج، والقدرة على التكيف مع التغيرات والأزمات. وأشار إلى أن الاتحاد الأفريقي أعلن مؤخرًا عقد التعليم والمهارات، بعد تجديد استراتيجياته التعليمية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على التنفيذ العملي، وليس الاكتفاء بالإطار النظري.
ولفت المفوض إلى أن التحديات التعليمية في أفريقيا متعددة، وتشمل التمييز القائم على النوع الاجتماعي، والفجوة الجغرافية بين المناطق الحضرية والريفية، والإعاقة، والنزوح، في ظل وجود ملايين اللاجئين، ما يستدعي حلولًا تعليمية مرنة وقابلة للتكيف. وأكد أن الاستثمار في التعليم الرقمي يمثل أحد أسرع المسارات لتوسيع نطاق الإتاحة التعليمية، شريطة أن يكون تعليمًا إنسانيًا يضع القيم والأخلاقيات والتفكير النقدي في قلب التحول الرقمي.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة فعالة لتعزيز العدالة التعليمية وبناء أنظمة أكثر مرونة، كما يمكن أن تتحول إلى عامل جديد لتعميق عدم المساواة إذا أسيء توظيفها. وأجمع المشاركون على أن التعليم القائم على القيم، والسياسات الشاملة، والشراكات الفاعلة، يظل الضمانة الأساسية لبناء أنظمة تعليمية عادلة وقادرة على الصمود في عالم سريع التغير.
أخبار متعلقة :