كتب ناصر المحيسن - الكويت في الخميس 12 فبراير 2026 01:10 مساءً - قال ممثل سمو أمير البلاد، وزير الدولة لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وزير الإعلام والثقافة بالوكالة عمر العمر، إن الثقافة والإعلام ليست علاقة ترويج بل مسؤلية وبناء وتأثير، مؤكداً إيمان دولة الكويت بأن الثقافة من دون إعلام واع يحملها تبقى محدودة الأثر، وأن الإعلام من دون ثقافةٍ راسخة يستند إليها يفقد عمقه ومعناه.
جاء ذلك خلال الحفل الختامي لفعاليات الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025، الذي انطلق مساء اليوم الأربعاء، على خشبة المسرح الوطني في مركز الشيخ جابر الثقافي.


وأضاف العمر في كلمة الختام «أنقل إليكم تحيات حضرة صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد، لاسيما أن هذا الحفل يحظى بالرعاية السامية من قبل سموه، وتمنياته الصادقة لكم بالتوفيق وبمزيد من التقدم للعمل الثقافي والإعلامي العربي المشترك».
وأوضح أن اللقاء اليوم لختام فعاليات الكويت عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025، مشدداً على حرص الكويت خلال هذا العام بأن يكون هذا اللقب مساراً عملياً لا عنواناً رمزياً، من خلال مبادرات وبرامج ثقافية وإعلامية عكست إيمانها بأن الثقافة وعي يُبنى، وأن الإعلام مسؤولية تُمارس بما يسهم في تنشيط الحراك الثقافي، ودعم الإبداع العربي وترسيخ حضور الثقافة العربية في خطاب إعلامي متزن ومؤثر يمتد بأثره إلى الفضاء العربي الأوسع.
وتابع: «وفي هذا السياق تظل القدس حاضرة في صميم مشروعنا الثقافي العربي عاصمة دائمة للثقافة العربية، ورمزاً للهوية والذاكرة وركناً ثابتاً في الوجدان والوعي وجزءاً لا يتجزأ من خطابنا الثقافي والحضاري المشترك».
وأردف: «لقد مثل هذا العام نموذجاً للعمل العربي الجماعي حيث لم تكن الثقافة حدثاً عابراً ولا الإعلام مجرد ناقل، بل شراكة حقيقية في صياغة الرسالة وحفظ الذاكرة وتوسيع الأثر بروح الانفتاح واحترام التنوع».
وزاد العمر: «كما جاء هذا العام منسجماً مع الجهود العربية المؤسسية التي تقودها مؤتمرات وزراء الثقافة العرب، وما يصدر عنها من رؤى وتوجهات تعزز حماية الهوية الثقافية العربية، وتدعم الإبداع، وتؤكد مركزية الثقافة في مسار التنمية الشاملة».
في غضون ذلك، أعلن المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الدكتور محمد ولد أعمر، اختيار ليبيا عاصمة للثقافة والإعلام العربي في الدورة التالية.
«نسيج»... التراث بالمعاصرة
انطلق العرض المسرحي الاحتفالي الغنائي الضخم «نسيج»، برؤية إخراجية مزجت التراث بالمعاصرة، ليسلط الضوء على مكانة الكويت الثقافية والتنويرية الرائدة في نقل المعرفة واستشراف المستقبل، من خلال بنية درامية خيالية مبتكرة استندت إلى مفردات الهوية والذاكرة والتراث، ليعيد تقديمها بصورة فنية حديثة جمعت بين الأصالة والتجريب والابتكار.
وحلّق العرض بجمهور مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي مع سيرة «بن بطوطة» في رحلة فنية خيالية فانتازية نسجت رؤيتها من رمزية نسيج السدو الكويتي بما يحمله من دلالات جمالية وثقافية، لتمتد خيوطه من عمق التاريخ والإرث إلى فضاء الحاضر والمستقبل، فرَوَت حكاية كويتية عربية أصيلة وملهمة لتصل إلى كل قلب عربي، وتغزل من إرثها رسالة للحياة.
وتضمن «نسيج» تسعة مشاهد مُبهرة، استهلها بمشهد «مكتبة الرويح» الذي عاد بالذاكرة إلى العام 1920 وبالتحديد إلى سوق المباركية القديم حيث توجد مكتبة الرويح أول مكتبة أهلية في الكويت، ليجسد من خلالها الفنان جمال الردهان شخصية «بو رويح». وهنا تبدأ قصة الشاب حمد الذي تقع عيناه بين رفوف المكتبة على قصة الرحالة العربي بن بطوطة، الذي جاب العالم من المغرب إلى الصين.
ثم انتقل العرض إلى المشهد الثاني في «بيت حمد وشيخة» إذ يجلس حمد في البيت وبين يديه قصة بن بطوطة التي اشتراها من المكتبة، قبل ظهور شخصية ابن بطوطة نفسه التي جسدها الفنان خالد أمين.
وفي المشهد الثالث تبدأ رحلة السدو بعدما أبدى بن بطوطة إعجابه بفجة السدو، لتظهر شخصية «وسمية صانعة النسيج» والتي تجسدها الفنانة منى شداد، وكذلك شخصية «حاملة النسيج» الفنانة مريم شعيب.
أما المشهد الرابع، فتبدأ أولى مقاصد النسيج الكويتي في سوق عكاظ حين يحط رحالة في أرض التاريخ العربي، لتبرز شخصية «النابغة الذيباني» ويؤديها عبدالغفار العوضي، إلى جانب شخصية «الخنساء» وتؤديها الفنانة سماح.
ثم تمتد رحلة السدو الكويتية في المشهد الخامس إلى بلاد المغرب الغربي، كأنها رسائل جميلة من نور وود تنسجها الأيدي الكويتية بمحبة صادقة.
وفي المشهد السادس «قاهرة المعز»، تتوجه رحلة السدو الكويتي إلى مصر، تنسجها خيوط المحبة وتزينها روابط الإخوة.
كما حلّقت رحلة السدو إلى فلسطين في المشهد السابع، مروراً بالمشهد الثامن الذي تعنون بـ «نسيج المحبة»، لتحط رحلة السدو رحالها في مجلة العربي، كمنارة ثقافية كويتية رائدة، قبل أن يختتم العرض بلوحة غنائية ملهمة، صدح بها صوت الفنانة شيماء سليمان، مع جميع المشاركين في العرض، إذ يقول مطلعها: «من مغزل الأمجاد صيغ نسيجنا... فغدا على مرّ الزمان أصيلا».
وكان عرض «نسيج» قد انحاز إلى الاتجاه المسرحي الاحتفالي الغنائي برؤية درامية متخيلة، ليتخذ من التوليف بين الفنون الأدائية (الموسيقى، الغناء، الحركة، والتمثيل) منهجاً لبناء خطاب مسرحي شامل تتداخل فيه الحواس والرموز والصور البصرية في منظومة درامية متعددة المستويات.
أما الرؤية الإخراجية التي قدمها المخرج عبدالله عبدالرسول فهي ترتكز على مفهوم التداخل الجمالي بين الدراما والفرجة، وعلى تحويل التراث إلى لغة مسرحية نابضة بالحياة، وذلك عبر استحضار شخصيات وأمكنة رمزية تمثل الذاكرة الجمعية للكويت والعالم العربي.
وفي إطار هذه الرؤية، وظف العرض الإبهار البصري والتقنيات المسرحية المعاصرة في تكوين فضاء بصري رقمي، مانحاً المشاهد تجربة مسرحية مدهشة جمعت بين الفرجة الجمالية والتأمل الفكري.
كما وظف نسيج السينوغرافيا المتكاملة في تحقيق هذا الأثر من خلال تناغم عناصر التصميم الحركي والضوئي والصوتي، فتحولت الخشبة إلى مشهد بصري حيّ يعكس فلسفة العرض ويعمق دلالاته الرمزية.
ولا نغفل أيضاً توظيف التراث العربي في البناء الدرامي بوصفه بنية دلالية وإيقاعية تعيد قراءة الموروث من منظور معاصر، فتتحول مفرداته إلى علامات حية تسهم في تشكيل الصورة المسرحية وإثراء الفعل الأدائي.
واعتمد العرض على تعدد الطبقات التعبيرية، من الأداء الغنائي الجماعي والفردي، إلى المشاهد الدرامية، إلى التكوينات الحركية «الكوريوغرافية» التي تترجم المفهوم البصري للنسيج عبر حركة الجسد والضوء والموسيقى.
وضمن منظور درامي غنائي بصري جعل «نسيج» من خشبة المسرح الوطني فضاء حياً يتحاور فيه الصوت والصورة والحركة، في تجربة احتفالية أعادت إنتاج الذاكرة كحياة، وقدمت الحكاية التراثية كحلم معاصر، فأصبحت الخشبة مساحة للاحتفاء بالإنسان الكويتي والعربي.
