حال المال والاقتصاد

الذكاء الاصطناعي.. شماعة للتسريحات أم محرّك حقيقي للبطالة؟

الذكاء الاصطناعي.. شماعة للتسريحات أم محرّك حقيقي للبطالة؟

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 8 يناير 2026 08:21 مساءً - مع تزايد العناوين التحذيرية التي تتنبأ بـ«استيلاء الروبوتات» على الوظائف، كشفت نشرة بحثية حديثة صادرة عن شركة «أكسفورد إيكونوميكس» صورة مغايرة لما يروَّج له في الخطاب العام، مشككة في الرواية الشائعة التي تربط الذكاء الاصطناعي بحدوث موجة بطالة جماعية في الوقت الراهن.

ووفقاً لتحليل الشركة، لا توجد مؤشرات قوية على أن المؤسسات تستبدل العمالة البشرية بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، مرجّحةً أن بعض الشركات تستخدم ذلك كـ«غطاء سردي» لتمرير قرارات تقليدية بخفض أعداد الموظفين، غالباً ما تكون ناتجة عن أخطاء إدارية سابقة، مثل التوظيف المفرط أو سوء تقدير الطلب.

في تقريرها الصادر في 7 يناير الجاري، أوضحت «أكسفورد إيكونوميكس» أن الأدلة المتداولة حول فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي تظل في معظمها قصصاً فردية، لا ترقى إلى مستوى الدلالة الإحصائية على تحول هيكلي في سوق العمل. وتشير الشركة إلى أن البيانات الكلية للاقتصاد لا تدعم حتى الآن فرضية أن "الأتمتة" أحدثت انقلاباً جذرياً في أنماط التوظيف.

ويذهب التقرير إلى أن ما يجري هو إعادة صياغة للرواية المؤسسية، حيث تُقدَّم عمليات التسريح بوصفها «تحولاً تكنولوجياً إيجابياً»، بدلاً من الاعتراف بأسباب تقليدية أقل جاذبية، مثل تراجع الطلب أو سوء التقدير الاستثماري. وبهذا، تتحول الأخبار «السيئة» إلى قصة تحديث وابتكار.

يرى التقرير أن الدافع الأساسي وراء هذه اللغة الجديدة هو مخاطبة المستثمرين. فربط خفض الوظائف بتبني الذكاء الاصطناعي يبعث برسالة أكثر طمأنة للأسواق مقارنة بالاعتراف بضعف الأداء أو أخطاء الإدارة. ومن خلال هذا التأطير، تسعى الشركات إلى الظهور بمظهر الرائدة المستقبلية، لا المؤسسة الواقعة في دورة ركود.

وفي هذا السياق، قال بيتر كابيلي، أستاذ الإدارة في كلية وارتون، في مقابلة مع مجلة «فورتشن»، إن الأسواق المالية غالباً ما تستقبل أخبار خفض التكاليف، بما فيها تسريح العمال، بنوع من الترحيب، ما شجّع بعض الشركات في فترات سابقة على الإعلان عن «تسريحات وهمية» لم تُنفَّذ فعلياً. وأضاف أن هذه الاستراتيجية فقدت فعاليتها حين أدرك المستثمرون أن بعض الإعلانات كانت أقرب إلى مضاربات خطابية منها إلى إجراءات حقيقية.

وعند سؤاله عن الربط المتكرر بين الذكاء الاصطناعي وفقدان الوظائف، دعا كابيلي إلى قراءة ما وراء العناوين، موضحاً أن كثيراً من الشركات تقول عملياً: «نتوقع أن يغطي الذكاء الاصطناعي هذا العمل»، لا أنه حلّ محله بالفعل. والغاية، بحسبه، هي قول ما يعتقد المديرون أن المستثمرين يريدون سماعه.

فجوة

سلّط تقرير «أكسفورد إيكونوميكس» الضوء على بيانات شركة «تشالنجر، جراي آند كريسماس» المتخصصة في تتبع تسريحات العمالة، لتوضيح الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع الإحصائي. فخلال الأشهر الـ11 الأولى من عام 2025، نُسب نحو 55 ألف وظيفة ملغاة في الولايات المتحدة إلى الذكاء الاصطناعي، وهو رقم يمثل أكثر من 75% من إجمالي التخفيضات المرتبطة بهذه التكنولوجيا منذ عام 2023.

غير أن هذه الحصيلة لا تشكّل سوى 4.5% من إجمالي الوظائف المفقودة خلال الفترة نفسها. وبالمقارنة، بلغت خسائر الوظائف المنسوبة إلى «ظروف السوق والاقتصاد» التقليدية نحو 245 ألف وظيفة، أي ما يعادل أربعة أضعاف الرقم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وعند وضع هذه الأرقام في سياق أوسع، حيث يفقد الاقتصاد الأميركي ما بين 1.5 و1.8 مليون وظيفة شهرياً في المتوسط، تبدو الخسائر المنسوبة إلى الذكاء الاصطناعي محدودة نسبياً، وبعيدة عن سيناريو «الاجتياح الآلي» الذي تروّج له بعض العناوين.

الغائب الأكبر

يطرح تقرير «أكسفورد» معياراً اقتصادياً حاسماً للحكم على ثورة الذكاء الاصطناعي ألا وهو الإنتاجية، فلو كانت الآلات تحلّ فعلياً محل البشر على نطاق واسع، لكان من المفترض أن يسجّل ناتج العامل المتبقي قفزات ملحوظة. إلا أن البيانات تشير إلى العكس.

ويقول التقرير بوضوح: «لو كان الذكاء الاصطناعي يستبدل العمالة البشرية فعلاً، لكان نمو الإنتاجية يتسارع. وهذا لا يحدث حالياً». بل يرصد التقرير تباطؤاً في نمو الإنتاجية خلال الفترة الأخيرة، وهو نمط ينسجم مع دورات اقتصادية تقليدية أكثر من كونه نتيجة طفرة تكنولوجية.

ورغم إقرار التقرير بأن مكاسب الإنتاجية من التقنيات الكبرى غالباً ما تتأخر لسنوات قبل أن تظهر، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة تجريبية، ولم يتحول بعد إلى بديل واسع النطاق عن العمالة البشرية.

مفارقة قديمة

تتقاطع هذه الخلاصة مع ما صرّحت به ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في «كي بي إم جي»، لمجلة «فورتشن»، إذ أكدت أن سوق العمل الأميركي ينتقل من حالة «توظيف منخفض وتسريح منخفض» إلى ما وصفته بـ«التوسع بلا وظائف»، في إشارة إلى نمو اقتصادي لا يواكبه خلق وظائف جديدة.

كما انسجمت هذه الرؤية مع تصريحات سافيتا سوبرامانيان، رئيسة استراتيجية الأسهم الأميركية والكمية في «بنك أوف أمريكا»، التي أشارت إلى أن الشركات في العقد الحالي باتت تستبدل الأشخاص بالعمليات بشكل عام، لا بالضرورة بالذكاء الاصطناعي وحده. وفي الوقت نفسه، لفتت إلى أن مقاييس الإنتاجية لم تتحسن بشكل ملموس منذ مطلع الألفية، مستحضرة «مفارقة الإنتاجية» الشهيرة للاقتصادي الحائز على نوبل روبرت سولو: «يمكنك أن ترى عصر الكمبيوتر في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية».

ما تكشفه هذه المعطيات أن الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، أقرب إلى حجة في بيانات الشركات منه إلى محرّك فعلي لبطالة جماعية. وبينما يواصل الإعلام تضخيم أثره في سوق العمل، تظل الأرقام أكثر تواضعاً.

Advertisements

قد تقرأ أيضا