حال المال والاقتصاد

أزمة هوية بتريليون دولار تحاصر «بتكوين» من كل الجهات

أزمة هوية بتريليون دولار تحاصر «بتكوين» من كل الجهات

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 22 فبراير 2026 06:36 مساءً - وقع ما لم يكن يتصوره أحد قبل عام؛ دخلت «بتكوين» واحدة من أكبر أزماتها على الإطلاق، من دون مخرج واضح في الأفق. أكبر عملة مشفرة في العالم هوت بأكثر من 40% عن ذروتها، ولم يتكرر السيناريو المعتاد، فقد اختفى المشترون عند الانخفاض، والقوى التي عادة ما تدفع باتجاه التعافي أصبحت تعمل ضده.

الذهب يكسب معركة التحوط الكلي، العملات المستقرة تتفوق في المدفوعات، وأسواق التنبؤ تخطف بريق المضاربة.

المفارقة أن كل هذه الأمور ليست ناتجة عن خذلان النظام لـ«بتكوين». فواشنطن لم تكن يوماً أكثر ترحيباً، والمؤسسات لم تتبنَّ العملة المشفرة بهذا العمق من قبل، في حين أن «وول ستريت» لم تكن يوماً أكثر إقبالاً.

حصلت «بتكوين» على كل ما أرادته لكن ذلك لم يكن كافياً.

هذا يعني أن الصراع الحاسم في حقبة العملات المشفرة الحالية لا يتعلق بالسعر، بل بالغرض.

موجة البيع الحالية تفرض سؤالاً لم تكن «بتكوين» مضطرة للإجابة عنه خلال موجة الصعود: إذا لم تكن أفضل أداة تحوط، ولا أفضل وسيلة دفع، ولا أفضل ساحة للمضاربة، فما الغرض منها بالتحديد؟

ويقول أوين لامونت، مدير المحافظ في «أكاديان أسيت مانجمنت»: قصة بتكوين الرئيسية كانت أن الرقم يرتفع، لكن الحال لم يعد كذلك. الآن الرقم ينخفض، وهذه ليست قصة جيدة.

على خلاف الأسهم أو السلع تفتقر «بتكوين» إلى العوامل الأساسية التقليدية. فقيمتها تستند بالكامل تقريباً على الإيمان بها؛ على قوة السرديات التي تقنع مشترين جدداً بالانضمام، لكن تلك القصص تتهاوى.

المتداولون الأفراد الذين اندفعوا خلف موجة الصعود التي أشعلها ترامب غارقون الآن في الخسائر.

نويل أشيسون، مؤلفة نشرة «الكريبتو من الاقتصاد الكلي الآن» تقول إن ساحات المضاربة الجديدة مثل أسواق التنبؤ -بل وبورصات السلع!- تسحب الانتباه بعيداً عن أسواق العملات المشفرة.

وأضافت: الآن بعدما أصبحت بتكوين أصلاً كلياً، عليها أن تنافس بدائل كثيرة، معظمها أسهل في استيعابها وشرحها للأمناء والعملاء ومجالس الإدارة، وغيرهم.

وظهرت إشارة واضحة في نوفمبر، عندما أعلن جاك دورسي، وهو أحد أكبر مُبشري بتكوين المتحمسين في عالم الشركات، أن تطبيق «كاش آب» سيبدأ دعم العملات المستقرة. آمن دورسي بتفوق بتكوين على مدى سنوات، وتحوله عنها حمل رسالة: سباق المدفوعات انتقل إلى مرحلة أخرى.

وفي واشنطن أصبحت العملات المستقرة محور الاهتمام، وبسهولة أُقر «قانون جينيوس» المدعوم من الحزبين. الجهات التنظيمية أصبحت تشجع علناً على إيجاد البنية التحتية للرموز المشفرة المدعومة بالدولار. وحتى داخل عالم العملات المشفرة، لم تعد «بتكوين» قطب الاهتمام الأوحد. ترميز الأصول، والمشتقات القائمة على البلوكتشين، ومدفوعات العملات المستقرة العابرة للحدود بدأت تَبرز بوصفها استخدامات ذات مصداقية، ولا يتطلب ذلك أي دور لـ«بتكوين».

وقال كارلوس دومينغو، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة «سيكيوريتايز»: نشاط العملات المستقرة قد يرتبط بنشاط على إيثيريوم أو سلاسل أخرى. والعملات المستقرة مخصصة للمدفوعات. لا أعتقد أن أحداً اليوم يرى بتكوين كآلية للدفع.

المفارقة أن انهيار «بتكوين» بدأ في ذروة صعودها. موجة الصعود في 2025 أطلقت سباقاً لبناء بنية تحتية مؤسسية كان من المفترض أن ترسّخ شرعية العملة المشفرة. لكنها، بدلاً من ذلك، جرّدتها من سحرها الغامض.

وبعدما كانت رمزاً للتحرر، أصبحت «بتكوين» مثل أي أداة أخرى في وول ستريت: رمز تداول في قائمة منسدلة، مرفقاً بعقود خيارات يومية ومنتجات تحوط من التقلبات. ما كان يتطلب يوماً خوض متاهة، أصبح لا يحتاج سوى تسجيل دخول إلى حساب بشركة وساطة.

لا يزال المدافعون عنها يشيرون إلى ندرتها المقصودة، سقف 21 مليون عملة، دورات الانقسام، والانكماش المبرمج. لكن في الأسواق، الندرة المهمة ليست ندرة المعروض فحسب، بل ندرة الاهتمام. والمعروض من المنتجات التي تنافس للحصول على هذا الاهتمام أصبح فعلياً بلا حدود.

عملات بديلة. مشتقات للعملات البديلة. أسهم مُرمّزة. منتجات مهيكلة ذات رافعة. الندرة قد تكون مبرمجة، لكن الوفرة تُصنَع. وحتى الشيفرة نفسها تواجه تدقيقاً؛ فصعود الحوسبة الكمّية بدأ يثير مخاوف من أن أسس تشفير «بتكوين» التي طالما اعتُبرت منيعة، ربما لا تكون أبدية. إنه تهديد بعيد، لكن مجرد الاحتمال، بالنسبة لأصل تحكمه السرديات، يكفي لتآكل قيمته.

وبعد سنوات من الترويج لها باعتبارها «الذهب الرقمي»، فشلت «بتكوين» في أهم اختبار لها على الصعيد الكلي. رغم التوترات الجيوسياسية وضعف الدولار المستمر، شهد الذهب والفضة موجات صعود متقلبة هذا العام، بينما واصلت العملات المشفرة الهبوط. التدفقات تؤكد التباين: صناديق الذهب المتداولة في الولايات المتحدة جذبت أكثر من 16 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية، في حين سجلت صناديق «بتكوين» الفورية تدفقات خارجة بنحو 3.3 مليار دولار، وفق بيانات جمعتها «بلومبرغ». وانكمشت القيمة السوقية لـ«بتكوين» بأكثر من تريليون دولار.

«الناس يدركون أن بتكوين هي ما كانت عليه دائماً؛ أصل مضاربي بحت»، بحسب توم إيساي، رئيس ومؤسس «سفن ريبورت»، والمتداول السابق لدى «ميريل لينش». وأضاف: بتكوين لا تحل محل الذهب، وليست ذهباً رقمياً، ولا تؤدي الوظيفة نفسها، ولا تمنح الناس المنفعة ذاتها التي يقدمها الذهب. كما أنها ليست تحوطاً من التضخم؛ بصراحة هناك أدوات أخرى أفضل بكثير لا يعتريك القلق بشأن تقلباتها. كما أنها ليست تحوطاً من الفوضى.

وكان من المفترض أن يشكل نموذج «خزائن الأصول الرقمية» الهوية المؤسسية لبتكوين. حيث قامت شركات مثل «ستراتيجي» بتجميع كميات من عملة بتكوين خلال موجة الصعود، وأصدرت أسهماً مقابلها، ما خلق حلقة تعزيز ذاتية أضافت مليارات الدولارات إلى قيمتها السوقية، ومنحت المستثمرين المؤسسيين وسيلة للتعبير عن قناعتهم دون التعامل المباشر مع الأصل نفسه. ولفترة من الزمن، نجح هذا النموذج.

لكن الحلقة انعكست الآن -ومعها تراجعت مصداقية النموذج، فقد هبطت أكبر شركات خزائن الأصول الرقمية خلال العام الماضي- وبعضها بأكثر من تراجع بتكوين نفسها. وكثير منها يتداول حالياً بأقل من قيمة حيازاته من الأصول.

وأصبحت منصات التنبؤ، مثل «بوليماركت» و«كالشي» -التي تقوم على نتائج ثنائية، وتسوية سريعة، ومراهنات مرتبطة بأحداث واقعية- ساحات جديدة لنفس المتداولين الباحثين عن المكاسب العالية الذين كانوا سابقاً يركبون موجة عملات الميم.

وهذه ليست ظاهرة هامشية؛ إذ قفز الحجم الاسمي الأسبوعي للتداول على «بوليماركت» خلال العام الماضي. وحتى «كوين بيس غلوبال» أضافت عقوداً للتنبؤ. فشهية المخاطرة لم تختف، بل انتقلت فقط إلى مكان آخر.

وتقول روكسانا إسلام، رئيسة أبحاث القطاعات والصناعات لدى متجر صندوق المؤشرات المتداولة «تي إم إكس فيتا فاي»: تتحول أسواق التنبؤ إلى الهوس التالي للمستثمرين الأفراد الذين يستمتعون بالطبيعة المضاربية للعملات المشفرة. وأضافت أن ذلك قد يعني تراجع الاهتمام الإجمالي بالعملات المشفرة، لكنها أشارت أيضاً إلى أنه قد يعكس تحولاً نحو مستثمرين أكثر جدية ويستهدفون المدى الطويل.

ثم هناك فجوة متنامية بين كيفية الوصول إلى بتكوين وكيفية تداولها فعلياً. فقد جعلت صناديق المؤشرات المتداولة الفورية الشراء أمراً سهلاً للغاية. لكن سعر بتكوين لا يزال يتأثر بأسواق المشتقات الخارجية، حيث يستخدم المتداولون رافعة مالية تصل أحياناً إلى 100 ضعف. وتعمل هذه المنصات عبر أنظمة تصفية آلية: فعندما تتجاوز المراكز حدود الهامش، تُغلق قسراً وتُباع فوراً في سجل الأوامر، ما يؤدي إلى موجات تصفية متتالية قد تدفع السعر الفوري إلى الانهيار خلال دقائق.

وقد انكشفت هذه الآلية بالكامل خلال انهيار أكتوبر. إذ جرى تصفية مليارات الدولارات من المراكز ذات الرافعة المالية في لحظات. وحينما تفقّد معظم حاملي صناديق المؤشرات محافظهم، كان الضرر قد وقع بالفعل.

لا يعني كل ما سبق أن عملة بتكوين انتهت. فهي لا تزال أكثر الأصول الرقمية سيولة، وتتمتع بدفاتر أوامر أعمق وتغطية أوسع عبر منصات التداول مقارنة بأي عملة مشفرة منافسة. كما جعلت صناديق المؤشرات المتداولة الفورية من بتكوين مكوناً دائماً في المحافظ الاستثمارية. وقد يسهم الوضوح التنظيمي الذي تستفيد منه حالياً العملات المستقرة في رفع مستوى المنظومة بأكملها.

والأهم من ذلك، أن بتكوين نجت من أزمات وجودية: انهيار «إم تي جوكس»، وحظر التعدين في الصين، وهبوط 2022، وغيرها الكثير. وفي كل مرة، صمدت العملة، وبدأت الأسعار في تسجيل مستويات قياسية جديدة. فالمرونة ليست أمراً بسيطاً. وفي فئة أصول مليئة بالإخفاقات، فإن مجرد البقاء يمنح قدراً من الشرعية.

ويقول دان مورهد، مؤسس «بانتيرا كابيتال»: دائماً هناك من ينشر الخوف والشكوك وعدم اليقين. دائماً هناك مشكلة ما. أعتقد أن ذلك يعكس رغبة طبيعية لدى المشككين في أهمية النقود القائمة على الهواتف المحمولة، إذ يبحثون دائماً عن سبب جديد يقلقهم.

والحجة المتفائلة ليست أن سرديات بتكوين عصيّة على الكسر، بل أنها لا تحتاج إلى ذلك، إذ يكفي أن تكون متماسكة بقدر كافٍ لتتجاوز كل أزمة ثقة واحدة تلو الأخرى. وحتى الآن، يبدو أن التاريخ يقف إلى جانبها.

لكن التاريخ يُظهر أيضاً أن البقاء ليس مرادفاً للأهمية. فأكبر تهديد يواجه بتكوين ليست عملة منافسة، بل الانجراف. ذلك التآكل البطيء في الاهتمام ورؤوس الأموال وتراجع القناعة عندما لا تعود هناك سردية واحدة قادرة على الصمود. الأصل لا يزال موجوداً، والشبكة لا تزال تعمل، لكن القصص التي منحت بتكوين جاذبيتها -الذهب الرقمي، وحرية الأموال، واحتياطي المؤسسات- تتآكل في آنٍ واحد. وفيما إذا كان ذلك أزمة مؤقتة أم تحولاً دائماً يُعد أحد أكبر الأسئلة في عصر الاقتصاد الرقمي.

وقال مايكل روزن، كبير مسؤولي الاستثمار في «أنجليس إنفستمنت أدفايزرز»: بالنسبة للكثيرين، الأمر يشبه العقيدة، والإيمان العقائدي يصعب زعزعته. لكنه ليس ما أؤمن به.

Advertisements

قد تقرأ أيضا