ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 5 أبريل 2026 11:51 مساءً - تحتاج الإمارات إلى إضافة نحو مليون عامل جديد بحلول عام 2030 نتيجة النمو الاقتصادي والتوسع في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير «ServiceNow and Pearson»، فما الانعكاسات المتوقعة لهذا النمو على حجم الاستثمارات المحلية واستراتيجيات التوظيف، وتطوير الكفاءات الوطنية خلال السنوات المقبلة؟
في البداية يرى حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك» أن الإمارات تدخل واحدة من أكثر مراحل التوسع في القوى العاملة أهميةً في تاريخها؛ إذ سوف يكون مطلوباً توفير نحو 1.03 مليون عامل إضافي بحلول عام 2030، بزيادة قدرها 12.1% في إجمالي التوظيف، وهو معدل نمو يفوق بكثير أسواقاً مثل الولايات المتحدة الأمريكية (2.1%)، والمملكة المتحدة (2.8%)، والهند (10.6%).
ويعود هذا الارتفاع إلى التوسع الاقتصادي السريع، والتحول الرقمي على مستوى الدولة، وتسارع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
استثمار محلي أكبر
ويتوقع دويك أن يؤدي هذا الطلب القوي على الكفاءات إلى أثر ملموس في مستويات الاستثمار المحلي، مع قيام القطاعين العام والخاص بتكثيف الجهود لتلبية احتياجات اقتصاد عالي النمو ومتقدم تكنولوجياً.
وسوف تتطلب قطاعات مثل التصنيع (+133 ألف وظيفة)، والتعليم (+78 ألفاً)، والتجزئة (+60 ألفاً)، والتمويل (+40 ألفاً)، والرعاية الصحية (+39 ألفاً) التزامات رأسمالية كبيرة لتوسيع البنية التحتية، وتعزيز الأتمتة، ورفع الطاقة الاستيعابية للخدمات.
أما المجالات عالية النمو مثل الطاقة والمرافق، المتوقع نموها بنسبة 33%، فستحتاج إلى استثمارات أكبر دعماً للأولويات الوطنية في الطاقة المتجددة، والبنية التحتية الذكية، والتنمية الحضرية المستدامة.
وفي الوقت ذاته - يضيف دويك - يضع هذا التوسع تركيزاً كبيراً على تطوير المواهب الوطنية؛ إذ يشير التقرير إلى أن الطلب على الوظائف التقنية وحدها سيرتفع بنسبة 54%، ما يستدعي الاستعانة بأكثر من 91 ألف متخصص تقني جديد بحلول عام 2030.
ومن المتوقع أن يعيد ذلك تشكيل استراتيجيات المواهب في الدولة، مع تسريع الاستثمار في إعادة التأهيل المهني، والطلاقة في الذكاء الاصطناعي، ومحو الأمية الرقمية، والمهن التقنية مثل تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتسويق الرقمي. ومع قيام الذكاء الاصطناعي بتعزيز العمل وليس الاستبدال به، سيتحول تركيز الإمارات بشكل متزايد نحو تمكين الكفاءات المحلية بالمهارات المتقدمة اللازمة للتعاون بفاعلية مع التقنيات الناشئة.
إعادة تفكير
أما ماهيش شهدادبوري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «تاسك للتوظيف»، فيقول: تؤدي وتيرة النمو الاقتصادي في الإمارات إلى أثر عميق للرقمنة والذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. ومن منظور المواهب، سيستدعي ذلك من المؤسسات إعادة التفكير في كيفية استقطاب القوى العاملة وتطويرها والاحتفاظ بها.
إننا نشهد حالياً تحولاً يتمثل في أن الشركات لا تسعى فقط إلى توسيع قاعدة المواهب البشرية، بل تستكشف أيضاً كيف يمكن للوكلاء الأذكياء دعم فرق العمل، من خلال تولي المهام المتكررة والروتينية، ويتيح هذا النهج المزدوج الذي يجمع بين الخبرة البشرية والوكلاء المعتمدين على التكنولوجيا للمؤسسات تحسين الكفاءة التشغيلية، مع تمكين الموظفين من التركيز على الأعمال ذات القيمة الأعلى والطابع الاستراتيجي.
ونتيجة لذلك، نتوقع زيادة ملحوظة في حجم الاستثمار المحلي الموجه إلى برامج تطوير المواهب، ومبادرات إعادة التأهيل ورفع المهارات، وأدوات التوظيف المعتمدة على التكنولوجيا، وذلك بهدف إعداد كل من القوى العاملة البشرية والرقمية لمتطلبات المستقبل.
وبالتوازي مع ذلك سيكون هناك تركيز أقوى على تنمية الكفاءات الوطنية من خلال تزويد الكوادر الإماراتية بالمهارات اللازمة للنجاح في اقتصاد يتسم بتسارع الرقمنة واعتماد الذكاء الاصطناعي. وفي المحصلة تمثل هذه المرحلة فرصة كبيرة لدولة الإمارات لبناء قوة عاملة مرنة وجاهزة للمستقبل، تتكامل فيها المواهب البشرية مع الوكلاء الأذكياء والابتكار، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل.
تحول هيكلي
في حين يرى تايفون توبكوك، نائب رئيس أول للعمليات الدولية في شركة «بيبول سترونج» PeopleStrong أن هذه التوقعات تمثل تحولاً هيكلياً في نموذج النمو الاقتصادي لدولة الإمارات، وليس مجرد دورة توظيف قصيرة المدى؛ إذ إن استيعاب هذا العدد من القوى العاملة لا يمكن تحقيقه عبر التوظيف وحده.
وتوقع توبكوك أن يتجه تركيز الاستثمارات المحلية بشكل متزايد نحو تطوير البنية التحتية للموارد البشرية، بما يشمل أنظمة متكاملة لإدارة الموارد وكشوف الرواتب، وبيانات دقيقة وموثوق بها للقوى العاملة وتحليلات ذكية للمهارات؛ ما يتيح للمؤسسات التوسع بكفاءة وتحكم.
أما استراتيجيات التوظيف فتوقع أن تتحول إلى نماذج قائمة على المهارات، تجمع بين التوظيف الخارجي والتنقل الداخلي وإعادة التأهيل المهني، مع الاعتماد على أدوات تخطيط القوى العاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
أما على صعيد تنمية الكفاءات الوطنية فتوقع توبكوك أن يتحول التركيز من مجرد النوايا إلى التنفيذ الفعلي؛ ما يستدعي توفير رؤى لحظية حول المهارات ومستويات التقدم وجاهزية الكوادر، وفي نهاية المطاف لن يكون التحدي الحقيقي هو زيادة أعداد الموظفين فحسب، بل في تصميم قوى عاملة قادرة على النمو بسرعة ومرونة وإنتاجية، في ظل التحول نحو اقتصاد ترتكز فيه العمليات على الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد.
وأضاف: من المتوقع أن تظهر التأثيرات الأبرز لهذا النمو في القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر على حجم القوى العاملة وشدة الحاجة إلى المهارات وجودة تقديم الخدمات والامتثال للمعايير؛ حيث تعد هذه العناصر عوامل حاسمة في تعزيز الأداء الاقتصادي. ويشمل ذلك قطاعات مثل الخدمات المالية والتأمين، إلى جانب قطاع الرعاية الصحية، ويمتد ذلك أيضاً إلى قطاعات الطيران والتجزئة والضيافة والخدمات اللوجستية.
زيادة حجم القوى العاملة
ويقول ريتشارد دوهرتي، المدير الأول في شركة «Workday»: لضمان استدامة النمو الاقتصادي ودعم الوتيرة المتسارعة للتحول الرقمي في شتى أرجاء الإمارات، لن يحتاج أصحاب العمل إلى زيادة حجم القوى العاملة فحسب، بل إلى إعادة النظر جذرياً في «من» سيتم توظيفه و«كيف» ستدار استراتيجيات التوظيف وتنمية المواهب.
ومع إعادة تشكيل هذه الاتجاهات الخاصة ببيئة العمل والقوى العاملة، ستضطر إدارة الموارد البشرية للتركيز بشكل متزايد على اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً تتمحور حول تجربة الموظفين ومستوى اندماجهم.
وستكون عملية الجمع بين التكنولوجيا المناسبة والنهج الذي يتمحور حول الإنسان عاملاً أساسياً للمنافسة على استقطاب المواهب. فيما يتعلق بمن سيتم توظيفه، فإن التوسع باستخدام الذكاء الاصطناعي يفرض على قادة الموارد البشرية تعزيز التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة لضمان توفر الكفاءات المناسبة والمهارات المطلوبة في مؤسساتهم.
فمن الأمن السيبراني وهندسة الحوسبة السحابية وتحليلات البيانات وصولاً إلى العمليات الرقمية، يتعين على المؤسسات توقع الطلب على المهارات المستقبلية ومواءمة استراتيجياتها الخاصة بالمواهب مع أهداف العمل طويلة الأجل.
ويضيف: لا يزال توفر المواهب يمثل تحدياً كبيراً، إذ تشير بيانات جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM)، إلى أن سبعة من أصل عشرة أصحاب عمل يواجهون صعوبة في إيجاد موظفين بدوام كامل، ونتيجةً لذلك سيزداد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لدعم عمليات التوظيف وتعزيز كفاءتها.
وعند استخدامه بمسؤولية، يمكن لأدوات الموارد البشرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تخفف الأعباء الإدارية بشكل ملحوظ، ما يتيح لفرق الموارد البشرية التركيز على المبادرات الاستراتيجية وتعزيز اندماج الموظفين.
