حال الإمارات

مختصون: 13 آلية تعزز صياغة منظومة العمل الأسري

مختصون: 13 آلية تعزز صياغة منظومة العمل الأسري

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 6 أبريل 2026 12:21 صباحاً - تحقيق – مرفت عبدالحميد وجميلة إسماعيل

تواجه الأسرة الإماراتية تحولات متسارعة فرضتها متغيرات العصر؛ من تسارع رقمي غير مسبوق، إلى ضغوط مختلفة، مروراً بانفتاح ثقافي واسع، ما يجعلها أمام اختبار حقيقي للحفاظ على تماسكها واستقرارها في عالم شديد التغير. ومع إعلان دولة عام 2026 «عام الأسرة»، يتجدد الزخم الوطني حول الأسرة التي تعد الحاضنة الطبيعية للقيم والهوية والانتماء.

ويرى مختصون أن «عام الأسرة» لا يمثل مجرد شعار، بل فرصة استراتيجية لإعادة صياغة منظومة العمل الأسري، وتعزيز جودة الحياة داخل البيت الإماراتي، من خلال سياسات متكاملة، ومبادرات نوعية، تواكب التحديات الراهنة، وتستشرف المستقبل، وأكدوا أن الرهان الأكبر يبقى على وعي الأسرة نفسها، وقدرتها على تحقيق التوازن بين الحداثة والأصالة، بما يضمن استدامة دورها في بناء مجتمع متماسك ومزدهر.

يجمع الخبراء والمختصون على أن تجاوز هذه التحديات يتطلب 13 آلية، تشمل تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتوعية الأبناء بالاستخدام الآمن والمتوازن للتكنولوجيا، وبناء جسور تفاهم بين الأجيال، إلى جانب إعادة ترتيب الأولويات الحياتية، وتخصيص وقت يومي للتواصل العائلي.

كما تشمل الآليات دعم سياسات العمل المرن، وتعزيز برامج الإرشاد والتأهيل قبل الزواج، ونشر ثقافة الاستشارة الأسرية، وتنمية مهارات إدارة الخلاف، وتحديد أوقات خالية من الشاشات، وتفعيل الأنشطة العائلية المشتركة، ومتابعة المحتوى الرقمي بأسلوب توعوي، إلى جانب تعزيز القيم الوطنية وربط الأبناء بالتراث الإماراتي، بما يحقق توازناً واعياً بين متطلبات العصر وأصالة الهوية.

ركيزة أساسية

وفي هذا الإطار، أكدت ناعمة الشرهان، عضو المجلس الوطني الاتحادي، أن الأسرة الإماراتية لا تزال تمثل الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، إلا أنها تواجه تحديات تتطلب استجابة واعية ومتكاملة، في مقدمتها تأثير التحول الرقمي، والتوازن بين الحياة العملية والأسرية، إلى جانب تغير أنماط التربية بفعل الانفتاح الثقافي.

وسلطت الضوء على تراجع دور الأسرة الممتدة، التي كانت تمثل تاريخياً أحد أهم مصادر الدعم الاجتماعي، مشيرة إلى أن نمط الحياة الحديثة والسكن المستقل أسهما في إضعاف هذا الامتداد، ما انعكس على مستوى الترابط والتكافل. ودعت إلى إعادة إحياء هذا المفهوم بصيغ عصرية، من خلال تعزيز التواصل بين الأجيال، وإشراك كبار السن في حياة الأبناء، والاستفادة من خبراتهم في نقل القيم.

ترابط مجتمعي

من جهته، أكد سالم حمد بالركاض العامري، عضو المجلس الوطني الاتحادي، أن دولة الإمارات تضع الأسرة في صميم أولوياتها، وتعمل على تبني سياسات وتشريعات شاملة تدعم استقرارها، وتعالج التحديات المرتبطة بتأخر الزواج وارتفاع تكاليفه، بما يسهم في تقليص فجوة الأجيال وتعزيز الترابط المجتمعي.

وشدد على أهمية دور الجهات المعنية في تطوير سياسات استباقية تلبي احتياجات الأسرة الحالية والمستقبلية، وتُرسّخ القيم الإيجابية والهوية الوطنية.

عوامل مؤثرة

في هذا السياق، أكد جاسم المرزوقي، مستشار العلاج النفسي والأسري في دبي، أن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي يعد من أبرز التحديات التي تواجه الأسر اليوم، مشيراً إلى أن هذه الوسائل لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل أنماط العلاقات داخل الأسرة.

وأوضح أن الانفتاح الرقمي خلق حالة من المقارنات المستمرة وتوقعات غير واقعية، ما انعكس على مستوى الرضا لدى بعض الأزواج، وأدى إلى تصاعد الضغوط النفسية داخل المنزل.

ولفت إلى اتساع الفجوة بين الأجيال، حيث ينتمي الأبناء إلى بيئة رقمية منفتحة، في حين يتمسك الآباء بمنظومة قيم تقليدية، ما يخلق تحديات متزايدة في التواصل والتفاهم.

شعور بالانتماء

وحذر المرزوقي من أن هذا النمط قد يضعف الترابط العاطفي داخل الأسرة، ويؤثر على شعور الأبناء بالانتماء، فضلاً عن تعريضهم لمخاطر المحتوى غير المناسب، مؤكداً في الوقت ذاته أن الحفاظ على الهوية الوطنية يظل تحدياً موازياً في مجتمع متعدد الثقافات، حيث تبقى الأسرة خط الدفاع الأول في غرس القيم وتحقيق التوازن بين الانفتاح والخصوصية الثقافية.

قنوات تواصل

من جانبه، قال الدكتور عبدالله موسى، خبير التحكيم الأسري بمحاكم دبي ومأذون شرعي، أن ضغوط العمل وتسارع نمط الحياة أسهما في إضعاف قنوات التواصل داخل الأسرة، ما أدى إلى بروز فجوة نفسية وجسدية بين أفرادها، انعكست سلباً على استقرارها.

وأضاف أن انشغال كل فرد بأجهزته الذكية أو التزاماته اليومية جعل عملية تربية الأبناء أكثر تعقيداً، في ظل تراجع التوجيه المباشر، الأمر الذي يستدعي معالجة متوازنة تقوم على الحكمة وتعزيز القيم الأخلاقية والدينية.

كما نوه الدكتور موسى بأن الضغوط المالية تمثل عاملاً إضافياً قد يهدد استقرار الأسرة، مؤكداً أن مسؤولية النفقة والرعاية تظل أساساً في بناء أسرة متماسكة.

وتطرق إلى آثار الطلاق والانفصال، مشيراً إلى أنها تترك انعكاسات نفسية عميقة على الأبناء، وتغذي مشاعر القلق وعدم الأمان، خاصة لدى الفتيات، ما يستدعي تعزيز ثقافة الاستقرار الأسري والنظرة الإيجابية لمستقبل العلاقة الزوجية كما حذر من تداعيات العنف الأسري، باعتباره من أخطر التحديات التي تهدد كيان الأسرة وتماسكها.

تطور إيجابي

بدورها، ترى الأخصائية الاجتماعية منال الجوهري أن التحديات الاقتصادية وتسارع نمط الحياة يفرضان ضغوطاً متزايدة على الأسرة، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وهو ما يمثل تطوراً إيجابياً يتطلب في المقابل توفير منظومة دعم مرنة تحافظ على التوازن بين الحياة المهنية والأسرية.

وتؤكد الجوهري أن غياب ما يسمى بـ«الوقت النوعي» بين أفراد الأسرة قد يؤدي إلى تراجع جودة العلاقات، حتى وإن توفرت الإمكانات المادية، مشددة على أهمية إعادة الاعتبار للروابط الإنسانية داخل البيت، باعتبارها أساس الاستقرار الحقيقي.

إدارة الخلافات

في السياق ذاته، أشارت الدكتورة فاطمة الجاسم، عضو مستشار مجلس الأسرة الإماراتية، إلى أن الضغوط النفسية باتت من أبرز التحديات التي تواجه الأسر، مع ارتفاع معدلات القلق والاحتراق النفسي، لا سيما بين الأزواج الشباب.

وأوضحت أن غياب التأهيل الكافي قبل الزواج يجعل العديد من الأزواج غير مستعدين لإدارة الخلافات، ما يؤدي إلى تصاعد المشكلات الأسرية، مؤكدة أهمية برامج الإرشاد الأسري والتأهيل المسبق كخطوة أساسية لبناء علاقات مستقرة.

ورغم ما توفره التكنولوجيا من مزايا، إلا أنها، وفق الدكتورة الجاسم، أسهمت في خلق ما يمكن وصفه بـ«العزلة داخل المنزل»، حيث يقضي كل فرد وقتاً طويلاً أمام شاشته، ما يقلل من فرص التفاعل الإنساني المباشر، ويضعف الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة.

تراحم وتكاتف

بدوره، أكد الدكتور أحمد الخزيمي، عضو مجلس أمناء جامعة الفجيرة، أن معالجة تحديات الأسرة تمثل استثماراً مباشراً في مستقبل الوطن، وضماناً لاستدامة التنمية، وترسيخاً لقيم التراحم والتكاتف.

وأكد أن «عام الأسرة» يعكس رؤية وطنية شاملة لتعزيز التماسك المجتمعي، وتحقيق الرفاه الأسري، انطلاقاً من كون الأسرة النواة الأساسية التي يقوم عليها بناء مجتمع قوي ومترابط.

وفي السياق نفسه، أشارت الدكتورة منى آل علي، أستاذ مساعد في أكاديمية ربدان، إلى أن دولة الإمارات تنتهج مقاربة شاملة واستباقية لتعزيز استقرار الأسرة، من خلال سياسات متكاملة ومبادرات مستدامة تستهدف مختلف جوانب الحياة الأسرية.

وأكدت أن رفع الوعي بأهمية الترابط الأسري، وغرس القيم الأصيلة، يمثلان حجر الزاوية في تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، وبناء جيل قادر على مواجهة التحديات بثقة.

جهود وطنية

وأكدت الدكتورة مريم القصير النعيمي، استشارية نفسية وأسرية، أن الاستثمار في استقرار الأسرة هو استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله، مشيدة بالجهود الوطنية في تطوير بنية تشريعية مرنة، وتقديم خدمات أسرية ذكية، وإطلاق مبادرات نوعية تدعم الزواج والأبوة والأمومة المسؤولة.

واقترحت إطلاق حملات توعوية متكاملة تستهدف مختلف فئات المجتمع، لتعزيز الثقافة الأسرية، وترسيخ مفاهيم التواصل الإيجابي، والتعامل الواعي مع التحديات الحديثة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا