ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 16 أبريل 2026 12:21 صباحاً - 80 مليار دولار الخسائر الشهرية للاقتصاد العالمي
11 مليون برميل فجوة إمدادات النفط العالمية يومياً
200 دولار للبرميل.. سيناريوهات مرعبة لأسواق الطاقة
90 % من احتياجات اليابان النفطية تمر عبر «هرمز»
50 % خفض الإنتاج ببعض مصانع كوريا وتايوان واليابان
الأسواق المالية أول من تسعّر الخوف وتترجم القلق إلى أرقام
أسوأ صدمة طاقة منذ السبعينيات.. والعالم أمام اختبار قاسٍ
«هرمز» عنق زجاجة يخنق 20 % من نفط العالم
آسيا في قلب العاصفة.. 80 % من نفط «الخليج» يتجه شرقاً
«المركزي» الأوروبي بين مطرقة التضخم وسندان الركود
أمريكا الأقل تأثراً والتضخم يضربها
150 سفينة تعبر المضيق يومياً وعبرته 150 فقط في شهر مارس كاملاً
لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمرونة الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمات الإمدادات، ففي لحظة واحدة، تحول المضيق إلى «عنق زجاجة» يخنق خُمس إمدادات النفط العالمية.
هنا، لا نتحدث عن ارتفاع عابر في الأسعار، بل عن صدمة عرض تعيد تعريف قواعد اللعبة الاقتصادية. الأسعار تقفز، نعم، لكن الأخطر أن حالة عدم اليقين تقفز معها. والأسواق، كما هو معروف، لا تخشى الأزمات بقدر ما تخشى الغموض.
دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة أشد خطورة بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط (سينتكوم) بدء حصار بحري على حركة السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، مع الإبقاء على عبور السفن غير المتجهة إلى إيران.
وما إن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تطويق الموانئ الإيرانية حتى قفزت أسعار النفط من جديد مع أسعار فورية بلغت 150 دولاراً للبرميل.
ووصف فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، هذا التعطل بأنه «أسوأ صدمة طاقة شهدها العالم على الإطلاق، وهي أشد وطأةً من أزمتَي النفط في السبعينيات وأزمة الحرب على أوكرانيا مجتمعَتين».
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وقرابة 25% من تجارة الغاز المسال.
وبدأت ملامح «أزمة الطلب» تظهر بالفعل في آسيا، حيث بدأت دول في اكتناز الوقود وتقنينه، وسط توقعات مرعبة لخبراء بوصول سعر البرميل إلى 200 دولار، مع عجز بحوالي 11 مليون برميل يومياً في التدفقات العالمية.
وقد تصل الخسائر الشهرية للاقتصاد العالمي إلى 80 مليار دولار شهرياً في حال بقيت أسعار النفط بين 100 - 120 دولاراً، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونسب اعتماد الدول على النفط والغاز والصناعات التي تمر عبر مضيق هرمز، عبر احتساب حجم الاستيراد أو التصدير المتأثر وارتفاع السعر، بالإضافة إلى تكلفة التأثير الاقتصادي مثل التضخم وتراجع الإنتاج.
الخاسر الأكبر
ولو أردنا الحديث عن المتضررين في هذه الأزمة، نجد أن الضرر الأكبر يقع على إيران؛ فهي تخسر إيراداتها البحرية وقدرتها على التصدير في آنٍ واحد. وقد كانت وزارة الخزانة الأمريكية فرضت في ديسمبر الماضي عقوبات على أكثر من 180 سفينة ضمن ما تُسميه «أسطول الظل» المستخدم لنقل النفط الإيراني.
هذه الإجراءات رفعت كلفة التصدير وخفضت الإيراد المحقق من كل برميل. ومع الطوق البحري المعلن الآن، نقلت رويترز أن نحو مليوني برميل يومياً من النفط الإيراني مهددة بالاحتجاز خارج السوق، ما يعني أن إيران لا تخسر فقط حرية الحركة، بل تخسر أيضاً العائد النقدي، والمرونة اللوجستية، وقدرة المشترين على المجازفة بالوصول إلى موانئها.
اقتصادات آسيا
تُعدّ الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة من أشد المتضررين؛ إذ تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن نحو 20 مليون برميل يومياً مرّت عبر المضيق في 2025، وأن 80% منها تتجه إلى آسيا.
تواجه دول جنوب آسيا الاضطراب الأشد حدة، لا سيما في الغاز الطبيعي المسال؛ إذ تأتي عبر هرمز 99% من واردات باكستان من الغاز المسال، و72% من واردات بنغلاديش، و53% من واردات الهند. وتبقى باكستان وبنغلاديش الأكثر هشاشةً بسبب محدودية احتياطياتهما.
أما الصين، فهي الأكثر مرونةً نسبياً رغم انكشافها الكبير؛ إذ يمر نحو 40% من وارداتها النفطية عبر هرمز، و30% من وارداتها من الغاز المسال. غير أن احتياطياتها من الغاز المسال توفر لها هامشاً للمناورة في المدى القصير.
في المقابل، تُعدّ اليابان وكوريا الجنوبية من الأكثر تضرراً، إذ يأتي 75% من واردات اليابان النفطية و70% من واردات كوريا عبر المضيق، فيما لا تتجاوز احتياطياتهما من الغاز المسال ما يكفي لأسبوعين إلى أربعة أسابيع.
معاناة أوروبا
تعاني أوروبا من ثاني أزمة طاقة كبرى منذ حرب أوكرانيا؛ إذ تزامنت الأزمة مع مستويات تاريخية متدنية لاحتياطيات الغاز الأوروبية عند 30% فقط عقب شتاء 2025 - 2026 القارس، ما دفع مؤشر TTF الهولندي للغاز (هو مركز تداول افتراضي في هولندا يُعدّ المعيار الأساسي لأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا) إلى ما يقارب الضعف ليبلغ أكثر من 60 يورو لكل ميغاواط ساعة.
كما أجّل البنك المركزي الأوروبي تخفيضاته المقررة لأسعار الفائدة، مع رفع توقعاته للتضخم وخفض توقعات النمو، فيما يتوقع اقتصاديون أن يتجاوز التضخم في بريطانيا 5% خلال 2026.
الولايات المتحدة
وتبقى الولايات المتحدة الأقل تضرراً؛ إذ لا تعتمد على هرمز إلا في 7% من وارداتها النفطية. بيد أن التضخم ارتفع إلى 3.3% في مارس من 2.4% في فبراير الماضي، وتجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات، وهو ما يُشكّل ضغطاً سياسياً داخلياً على إدارة ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
وأعلنت وكالة الطاقة الدولية عن إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، غير أن هذه الكمية لا تعادل سوى أربعة أيام من الاستهلاك العالمي البالغ 105 ملايين برميل يومياً، وعشرين يوماً فقط من حركة هرمز المعتادة. وخلص المحللون إلى أن هذه الاحتياطيات قادرة على تهدئة الأسواق مؤقتاً، لا على حل الأزمة البنيوية.
الشحن والغذاء
قبل تصاعد الأزمة، كانت نحو 150 سفينة تعبر المضيق يومياً، أما في مارس بأكمله، فلم يتجاوز عدد السفن العابرة 150 سفينة طوال الشهر، وهو انهيار شبه تام في حركة الملاحة.
وتمتد الأضرار إلى قطاعات غير مباشرة؛ فقد أسهم تعطل الرحلات الجوية عبر إغلاق المجال الجوي في ممرات رئيسية بين أفريقيا وآسيا وأوروبا في رفع تكاليف السفر وأسعار وقود الطيران بأكثر من ضعفَين.
وتتشابك في هذه الأزمة مصالح دول وقارات، ويمتد أثرها من ناقلات النفط العملاقة إلى المستهلك الفقير في دول نامية بعيدة جغرافياً عن مضيق هرمز، لكنها مرتبطة به عبر أسواق الطاقة والغذاء والشحن.
ويرى المحللون أن تصريف الأسواق للسفن المتوقفة على جانبي المضيق قد يستغرق أسابيع حتى بعد التوصل إلى أي حل، في حين يحذر بعضهم من أن أسعار النفط قد تبلغ 150 دولاراً للبرميل إن تفاقم الوضع.
تضخم وركود
الدول الصناعية، من اليابان إلى ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، تجد نفسها في موقف هشّ، إذ أن هذه الاقتصادات التي بُنيت على كفاءة سلاسل الإمداد واستقرار الطاقة، تصبح فجأة أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على النمو في ظل طاقة مرتفعة التكلفة؟ الإجابة غالباً ما تكون مؤلمة، تباطؤاً، تضخماً، وربما ركوداً، وذلك بسبب زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي وارتفاع التضخم.
بينما تعتمد دول آسيا الصناعية (كوريا الجنوبية – تايوان – اليابان) على المواد الخام القادمة عبر الخليج وصناعاتها (البتروكيماويات) كثيفة الطاقة، مما يلقي بظلاله على نقص المواد الخام (مثل النافثا)، ما خفض الإنتاج في بعض المصانع إلى 50%، وسط ارتفاع تكاليف التصنيع، لنجد هذه الدول تواجه شللاً صناعياً جزئياً عند تعطل المضيق.
الأسواق المالية
أما الأسواق المالية، فهي أول من يترجم القلق إلى أرقام. الأموال تهرب نحو الملاذات الآمنة، والتقلبات تصبح سيدة الموقف. لكن الحقيقة الأعمق تكمن خارج شاشات التداول؛ في ارتفاع تكلفة النقل، في زيادة أسعار الغذاء، وفي تآكل القدرة الشرائية للمستهلك العادي.
في عالم مترابط إلى هذا الحد، قد تكون المسافة بين ناقلة نفط في الخليج وسلة غذاء في أي مدينة حول العالم أقصر مما نتصور. وهذه، في النهاية، هي القصة الحقيقية للأزمة.
