ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 30 أبريل 2026 11:51 مساءً - تعتمد الإمارات آلية مرنة في تحديد أسعار الوقود بجميع مشتقاته، تقوم على المراجعة الشهرية، بما يواكب حركة الأسعار العالمية صعوداً وهبوطاً وتراعي سياسة الدولة التقلبات في أسعار الخام بما يحقق مصالح القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وشهدت أسعار الوقود في أنحاء العالم ارتفاعاً ملحوظاً، خلال مارس وأبريل بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20 % من النفط والغاز إلى العالم، ما تسبب في ارتفاع كبير في أسعار الطاقة ونتيجة لذلك رفعت الصين الحد الأقصى لأسعار البنزين والديزل 3 مرات منذ مارس الماضي.
تدابير
وأكدت الحكومة الصينية أنها حاولت اتخاذ تدابير للسيطرة على أسعار النفط المكرر من أجل تخفيف تداعيات ارتفاع أسعار النفط عالمياً على السوق المحلية، وفي ألمانيا شهدت أسعار الوقود صعوداً كبيراً رغم تطبيق ما يعرف باسم «قاعدة الساعة 12»، حيث لا يُسمح لمحطات الوقود برفع الأسعار إلا مرة واحدة يومياً في تمام الساعة 12 ظهراً.
ويهدف الإجراء إلى الحد من تقلبات الأسعار بشكل أكبر وتعزيز الشفافية، ورغم ذلك سجل الديزل مستويات قياسية جديدة، كما اقترب سعر البنزين من الرقم القياسي المسجل في مارس 2022.
وفي فرنسا اعترفت مود بريجون وزيرة الدولة للطاقة في فرنسا، مؤخراً أن 18 % من محطات الوقود في البلاد تعاني نقصا في نوع ما من أنواع الوقود، مشيرة إلى أن شركة النفط الفرنسية توتال إنرجيز حددت سقفاً لأسعار التجزئة في فرنسا، أقل مما تتقاضاه العلامات التجارية الأخرى، مما أدى إلى مشكلات في الإمداد في بعض المحطات.
وعالمياً أكد فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، أن أزمة النفط والغاز الحالية التي أثارها مضيق هرمز «أخطر من أزمات أعوام 1973 و1979 و2002 مجتمعة، وأضاف: «لم يشهد العالم من قبل انقطاعاً في إمدادات الطاقة بهذه الضخامة».
الأقل عالمياً
وبينما تئن العواصم العالمية من غلاء أسعار المواد البترولية، استقرت أسعار الوقود في الإمارات لتظل من بين الأقل عالمياً، ورغم التوترات الجيوسياسية، واضطرابات الإمدادات.
وارتفاع أنماط الطلب الموسمية شهدت أسعار البنزين في الإمارات في مايو 2026 زيادة طفيفة عن شهر أبريل لتعادل أسعار مايو عام 2022 إبان أزمة «كوفيد 19» لتظل الأسعار في مايو أقل بنسبة تتجاوز 20 % مقارنة بأسعار شهر يوليو 2022 في أوج أزمة الجائحة.
وأقرت لجنة متابعة أسعار الوقود في الإمارات تخفيض الأسعار مرتين منذ بداية 2026، وتحديداً في بداية يناير وفبراير، حيث تم خفض البنزين في يناير بمقدار بين 16 و17 فلساً، والديزل بنحو 30 فلساً لكل لتر مقارنة بأسعار شهر ديسمبر 2025، لتسجل الأسعار إلى أقل مستوياتها منذ يوليو 2021.
وخلال فبراير الماضي تم تخفيض جميع مشتقات الوقود للشهر الثاني على التوالي مسجلة تراجعاً قياسياً بتخفيض البنزين بمقدار يتراوح بين 8و9 فلوس، والديزل بمقدار 3 فلوس لكل لتر مقارنة بأسعار شهر يناير.
وأكد عدد من الخبراء والمختصين في قطاع الطاقة أن أسعار الوقود بكل مشتقاتها شهدت استقراراً ملحوظاً في الدولة على مدار الشهور الماضية لافتين إلى أن الإمارات تنتهج سياسة واقعية في تحرير أسعار الطاقة.
وأن الإمارات قدمت نموذجاً عملياً في كيفية إدارة قطاع حيوي كقطاع الوقود، عبر تحقيق توازن دقيق بين متطلبات السوق العالمية واعتبارات الاستقرار المحلي، وهو ما يعزز مكانتها كاقتصاد مرن وقادر على مواجهة التحديات بثقة وكفاءة.
خبرات واسعة
ويرى المهندس علي راشد الجروان الشامسي، الخبير في قطاع الطاقة، أن الإمارات تتمتع بخبرات واسعة في قطاع النفط والغاز موضحاً أنه بفضل توجيهات القيادة الرشيدة نجحت الإمارات في التعامل مع الأزمات العالمية التي تؤثر في أسعار الطاقة عموماً وأسعار النفط والغاز خصوصاً.
وأضاف أنه خلال الأزمات ترتفع الأسعار العالمية بشكل كبير وتتأثر معظم دول العالم، ولكننا هنا في الإمارات عبرنا الأزمة وتعاملنا مع المشكلة بحكمة ولم نتأثر فيما تضررت الدول من حولنا.
وأوضح أن الإمارات تتمتع بشفافية كبيرة وحريصة على إعلان الأسعار في توقيتها بشكل ثابت كل شهر سواء بإعلان رفع أو خفض أو تثبيت الأسعار، وأن الحكومة لديها من الثقة والقدرات لمواجهة التحديات، مشيراً إلى أن كثيراً من الدول من حولنا تخشي الإعلان عن الأسعار وتتعمد إخفاء أسعار الوقود واستخدام سياسة الأمر الواقع.
وأضاف علي راشد الجروان الشامسي، أن جموع المواطنين والمقيمين في الإمارات مع حكومة الإمارات في كل قراراتها وسياساتها الخاصة بأسعار الوقود وأن أسعار الوقود خلال 2026 حتي الآن جيدة والمؤشرات المرتقبة للشهور المقبلة تعكس حالة الاستقرار النسبي في الأسعار.
وأشار إلى أن أسعار الوقود على مستوى العالم تخضع لميزان العرض والطلب وأن الإمارات لديها خبرات واسعة في قطاع الطاقة والنفط والوقود، مؤكداً أن اللجنة العليا المعنية بمتابعة أسعار الوقود تتعامل باحترافية شديدة وقراراتها الخاصة بتحديد الأسعار تتم بعناية وبمراقبة دائمة لحالة الأسواق العالمية.
وأضاف أن الإمارات تشهد حالة من الاستقرار التام، مشيراً إلى أن أسعار الوقود مرتبطة بالتضخم العالمي وزيادة الطلب على مشتقات الطاقة في ظل الظروف التي تمر بها بعض المناطق المتوترة.
تحرير الأسعار
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور علي سعيد العامري، رئيس مجموعة الشموخ لخدمات النفط والغاز والتجارة، إنه منذ عام 2015، انتقلت الإمارات من دعم الأسعار الثابت إلى «تحرير الأسعار» وربطها بالمتوسطات العالمية.
لافتاً إلى أن هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء مالي، بل رؤية استشرافية تهدف إلى كفاءة الاستهلاك وتشجيع الأفراد والشركات على تبني سلوكيات مستدامة، كذلك دعم الميزانية العامة وتوجيه الوفورات المالية من الدعم المباشر إلى قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية.
وأوضح أن إعلان الأسعار في اليوم الأخير من كل شهر يعكس ثقة سيادية ونضجاً في العلاقة بين الحكومة والمجتمع، هذه «الدورية المنتظمة» تمنح قطاعات الأعمال خاصة النقل والخدمات اللوجستية القدرة على التخطيط المالي الدقيق وتوقع التكاليف، ما يقلل من الصدمات الاقتصادية المفاجئة.
وأضاف علي سعيد العامري، أنه رغم كون الإمارات منتجاً عالمياً رئيسياً للنفط، إلا أن ربط السعر محلياً بالأسعار العالمية يحقق توازناً ذكياً لان حماية الاقتصاد يمنع ظهور «سوق سوداء» أو تهريب الوقود.
وبفضل وجود مصافي تكرير متطورة وشبكة توزيع متميزة، تظل التكاليف التشغيلية منخفضة، مما يجعل السعر النهائي للمستهلك في (البنزين 95 و98) أقل بكثير من الدول غير المنتجة وحتى من بعض الدول المنتجة التي تعاني من تضخم في تكاليف التكرير.
وقال: نعرف أنه في ظل الأزمات الجيوسياسية الحالية التي تسببت في قفزات جنونية في أسعار الطاقة عالمياً، نجد أن تحركات الأسعار في الإمارات تظل «مدروسة ومحدودة» بعيداً عن التقلبات الحادة، وهذا يعود إلى وجود لجنة متابعة أسعار الوقود تعمل كمنظم يضمن عدم استغلال التقلبات العالمية لفرض أعباء غير مبررة على المستهلك المحلي.
خبرة مؤسسية
وأكد جمال بن سيف الجروان، الخبير الاقتصادي والأمين العام السابق لمجلس الإمارات للمستثمرين في الخارج، أن إدارة ملف الوقود في دولة الإمارات يتميز بالمرونة في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية .
وأشار إلى أن الإمارات تمكنت من ترسيخ نموذج متقدم في إدارة ملف الوقود، قائم على مزيج من الخبرة المؤسسية والمرونة الاقتصادية، ما جعلها من أكثر الدول قدرة على التعامل مع تقلبات أسعار الطاقة عالمياً.
وقال: على الرغم من ارتباط أسعار الوقود في الدولة بالأسواق العالمية، فإنها لا تزال ضمن المستويات المنخفضة نسبياً مقارنة بالعديد من الدول، خصوصاً في الاقتصادات المتقدمة التي تعاني من أعباء ضريبية مرتفعة على الطاقة، ويعكس هذا التوازن سياسة مدروسة تراعي مصالح المستهلك دون الإخلال بكفاءة السوق.
وأضاف جمال بن سيف الجروان، أن كفاءة الإدارة تجلت بوضوح خلال أزمة جائحة كوفيد19، حيث شهدت الأسواق العالمية اضطرابات حادة أثرت على أسعار الطاقة، ومع ذلك، تعاملت الإمارات مع هذه المرحلة بمرونة عالية.
حيث ارتفعت الأسعار بشكل محدود في بداية الأزمة، قبل أن تعاود الانخفاض مع تراجع الطلب العالمي واستقرار الأسواق، في انعكاس مباشر لقدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية.
وتابع: «لا تقتصر قوة الإمارات في هذا الملف على آلية التسعير فحسب، بل تمتد إلى منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية متطورة، وسياسات تنويع مصادر الطاقة، واستراتيجيات طويلة الأمد لتعزيز الاستدامة، هذه العوامل مجتمعة تمنح الاقتصاد الوطني قدرة استثنائية على التكيف مع المتغيرات، وتحد من تأثير الأزمات على السوق المحلية».
خبراء:
الدولة تعتمد سياسة مدروسة تراعي مصالح المستهلك وتحقيق كفاءة السوق
«تحرير الأسعار» يعزز كفاءة الاستهلاك وتشجيع تبني سلوكيات مستدامة
منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية متطورة وسياسات تنويع مصادر الطاقة
