حال المال والاقتصاد

اقتصاد العدوى..12.5 تريليون دولار هي ثمنُ "خوفنا" من الفيروسات

اقتصاد العدوى..12.5 تريليون دولار هي ثمنُ "خوفنا" من الفيروسات

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 21 يونيو 2026 05:21 مساءً - لم تعد الفيروسات في القرن الحادي والعشرين أزمة صحية فقط. لم تعد مجرد غرف عزل، وكمامات، ومؤتمرات لمنظمات الصحة. كل فيروس كبير بات يحمل معه فاتورة اقتصادية: مطارات تتوقف، أسواق تهتز، مصانع تتعطل، سياحة تنهار، حكومات تنفق بلا حساب، وشركات تكتشف فجأة أن العالم المتصل هشّ أكثر مما كان يظن.

من سارس إلى إنفلونزا الخنازير، ومن ميرس إلى إيبولا وزيكا، ثم كوفيد-19 وإمبوكس والهانتا فيروس وإنفلونزا الطيور، صار الوباء حدثًا اقتصاديًا بقدر ما هو حدث طبي. فالعدوى لا تنتقل بين الأجساد فقط، بل تنتقل إلى الميزانيات، وسلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء، وثقة المستهلكين، وخطط السفر، وقرارات الاستثمار.

فاتورة كوفيد

كان كوفيد-19 المثال الأوضح على أن الفيروس قادر على إصابة الاقتصاد العالمي بشلل شبه كامل. وصف البنك الدولي الجائحة بأنها أكبر صدمة اقتصادية عالمية منذ عقود، فيما أشار في تقريره عن التنمية العالمية 2022 إلى أنها تسببت في أكبر أزمة اقتصادية عالمية منذ أكثر من قرن. لم تكن الخسارة في المستشفيات وحدها، بل في الناتج المحلي، والوظائف، والسياحة، والتعليم، والتجارة، والديون العامة.

وبحسب تقديرات نقلها البنك الدولي عن صندوق النقد الدولي، فإن كلفة جائحة كوفيد-19 على الاقتصاد العالمي قد تصل إلى نحو 12.5 تريليون دولار حتى عام 2024. الرقم هنا لا يعني فقط خسارة شركات أو إغلاق مطاعم، بل سنوات من النمو الضائع، واستثمارات مؤجلة، وديون إضافية، وأجيالًا دفعت ثمن الانقطاع عن التعليم والعمل.

السياحة أولًا

كلما ظهر فيروس جديد، تكون السياحة من أوائل القطاعات التي تشعر بالخطر. فالخوف من العدوى يسبق أحيانًا قرارات الحكومات، والحجوزات تُلغى قبل أن تصدر التحذيرات الرسمية. خلال كوفيد-19، قدّرت الأمم المتحدة أن قطاع السياحة العالمي كان مهددًا بخسائر تقارب 2 تريليون دولار في 2021 وحده، بعد ضربة قاسية في 2020. وهذا يكشف أن الوباء لا يوقف الرحلات فقط، بل يضرب الفنادق، والمطاعم، وشركات الطيران، والمرشدين، والأسواق المحلية، والعمالة الموسمية.

لهذا، حين يظهر إمبوكس أو ماربورغ أو الهانتا فيروس في دولة أو منطقة، لا يكون السؤال الصحي وحده: كم حالة؟ بل يظهر السؤال الاقتصادي فورًا: هل ستتأثر الرحلات؟ هل ستتراجع الحجوزات؟ هل ستتجنب الشركات المؤتمرات؟ هل ستُفرض قيود على الحدود؟ في عالم يقوم جزء كبير من دخله على الحركة، يصبح الخوف نفسه خسارة.

غذاء مهدد

إنفلونزا الطيور تقدم وجهًا آخر من الاقتصاد الوبائي. الفيروس هنا لا يضرب البشر مباشرة في معظم الحالات، لكنه يضرب الدواجن، والمزارع، وأسعار البيض واللحوم، وسلاسل الغذاء. في الولايات المتحدة، قدّرت "فوربس" أن تفشي إنفلونزا الطيور كلّف صناعة الدواجن نحو 1.4 مليار دولار، في قطاع تبلغ قيمته الاقتصادية نحو 77 مليار دولار.

الخطر أن هذه الخسائر لا تبقى في المزرعة. حين تُعدم ملايين الطيور للسيطرة على التفشي، ترتفع الأسعار، وتتضرر المطاعم، وتضطرب الصادرات، وتدفع الأسر الفاتورة في السوبرماركت. هكذا يتحول فيروس حيواني إلى تضخم غذائي، وتصبح العدوى جزءًا من تكلفة المعيشة.

إمبوكس مستمر

إمبوكس، أو ما كان يُعرف سابقًا بجدري القرود، يذكّر العالم بأن الفيروسات التي لا تتحول إلى جائحة عالمية شاملة قد تظل مكلفة. فكل تفشٍّ يتطلب مراقبة، وفحوصات، وتتبّع مخالطين، ولقاحات، وحملات توعية، وتمويلًا دوليًا، خصوصًا في الدول التي تعاني أصلًا من ضعف الأنظمة الصحية. ووفق تقرير منظمة الصحة العالمية في أبريل 2026، استمر التفشي متعدد الدول، مع تحديثات منتظمة للوضع العالمي والاستجابة التشغيلية.

وفي الأمريكتين، أفادت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية بأن 10 دول سجلت 964 حالة إمبوكس وحالة وفاة واحدة حتى 30 أبريل 2026، ضمن سياق أوسع بلغ 74,678 حالة مؤكدة و164 وفاة بين 2022 و2026 في 31 دولة ومنطقة. هذه الأرقام لا تعني إغلاق اقتصاد، لكنها تعني تكلفة صحية مستمرة: تشخيص، تتبع، لقاحات، وعمل إداري وميداني لا يظهر دائمًا في العناوين.

سفن مغلقة

الهانتا فيروس في بدايات 2026 أظهر كيف يمكن لعنقود إصابات محدود أن يتحول إلى أزمة تشغيلية. عندما ترتبط العدوى بسفينة سياحية أو بيئة مغلقة، لا تكون الخسارة في الحالات فقط، بل في تعطيل الرحلة، وفحص الركاب، وتنظيف السفينة، وإعادة ترتيب المسارات، وتعويضات محتملة، وخسارة ثقة المسافرين. السفن والفنادق والطائرات والمدارس والمصانع كلها بيئات اقتصادية حساسة؛ إذا دخلها الخوف، تعطلت أكثر مما يظهر في عدد الإصابات.

لهذا، لا تحتاج الفيروسات دائمًا إلى ملايين الحالات كي تؤثر اقتصاديًا. أحيانًا يكفي مكان واحد مغلق، وصورة واحدة، وخبر واحد ينتشر عالميًا، لتبدأ موجة إلغاء وحذر وتكاليف طارئة.

كلفة الاستعداد

الدرس الاقتصادي الأكبر أن الوقاية أرخص من الانهيار. العالم اكتشف بعد كوفيد أن عدم الاستثمار في المراقبة الوبائية، والمختبرات، والإنذار المبكر، وسلاسل اللقاحات، ليس توفيرًا بل مخاطرة باهظة. تقديرات مؤسسات دولية عدة تشير إلى أن تمويل الاستعداد للجوائح أقل بكثير من كلفة الجائحة حين تقع. فالمليارات التي تُنفق على الوقاية قد تبدو ثقيلة في الميزانيات، لكنها صغيرة أمام تريليونات الخسائر عند الإغلاق والارتباك. وتشير دراسات حديثة، بينها أعمال لـ«راند»، إلى أن تقدير كلفة الاستعداد والاستجابة للجوائح صار جزءًا أساسيًا من التخطيط الاقتصادي، لا الصحي فقط.

اقتصاد الثقة

الفيروسات تضرب الثقة قبل أن تضرب الأرقام. حين يفقد الناس الثقة في السلامة، يتوقفون عن السفر. حين يفقد المستثمرون الثقة في الاستقرار، يؤجلون مشاريعهم. حين تفقد الأسر الثقة في الدخل، تقلل الإنفاق. وحين تفقد الحكومات الثقة في جاهزية أنظمتها، تلجأ إلى قرارات مكلفة وسريعة.

لهذا كان كوفيد-19 قاسيًا اقتصاديًا: لأنه ضرب العلاقة الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الحديث، وهي الحركة. حركة الناس، والبضائع، والمال، والعمالة، والخدمات. وعندما تتوقف الحركة، يتوقف جزء كبير من الاقتصاد معها.

الخلاصة الاقتصادية

الفيروس في القرن الحادي والعشرين ليس خبرًا صحيًا منفصلًا عن السوق. إنه عامل اقتصادي كامل: يغيّر أسعار الغذاء، ويخفض السفر، ويرفع الإنفاق العام، ويكشف ضعف التأمين الصحي، ويضغط على العمالة، ويعيد ترتيب أولويات الدول.

قد يظهر الفيروس أولًا في مختبر أو مزرعة أو قرية أو سفينة، لكنه لا يبقى هناك. يدخل إلى الميزانيات، ثم إلى الأسواق، ثم إلى جيوب الناس. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: كم يكلف علاج التفشي؟ بل: كم يكلف تجاهله؟

في عالم خسر تريليونات الدولارات بسبب جائحة واحدة، لم تعد الوقاية ترفًا صحيًا. أصبحت استثمارًا اقتصاديًا. فالبلد الذي يكتشف الفيروس مبكرًا لا يحمي الأرواح فقط، بل يحمي الوظائف، والأسعار، والتجارة، والثقة. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم من قرن الفيروسات: أن الصحة العامة لم تعد بندًا هامشيًا في الموازنة، بل خط الدفاع الأول عن الاقتصاد نفسه.

Advertisements

قد تقرأ أيضا