ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 13 سبتمبر 2026 08:06 مساءً - تتجه كندا إلى إعادة رسم علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع أوروبا، في خطوة غير مسبوقة قد تفضي إلى إنشاء وضع جديد يتيح لها أن تصبح «عضواً منتسباً» في الاتحاد الأوروبي عبر بروكسل، وذلك بالتزامن مع تصاعد الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة وتعثر المفاوضات بين أوتاوا وواشنطن.
وذكرت «وول ستريت جورنال» أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يقود تحركاً طموحاً لتعميق اندماج بلاده مع أوروبا، مشيرة إلى أن مسؤولين كنديين وأوروبيين يبحثون فكرة استحداث وضع للعضوية المنتسبة لم يسبق أن طبقه الاتحاد الأوروبي. ونقلت «رويترز» عن التقرير أن الاتحاد الأوروبي أبدى انفتاحاً أولياً على الفكرة، رغم عدم وجود إطار رسمي لهذا النوع من العضوية حتى الآن.
وتسعى أوتاوا من خلال هذا التوجه إلى تعزيز وصولها إلى السوق الأوروبية الموحدة، التي يقدر حجم اقتصادها بأكثر من 21 تريليون دولار، مع بحث ترتيبات تسمح بتسهيل حركة السلع والخدمات والعمالة في قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والدفاع والمعادن الحيوية. كما تشمل الأفكار المطروحة تعزيز التعاون في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، وكابلات الاتصالات البحرية، والأقمار الصناعية، وسلاسل الإمداد الاستراتيجية.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، أجرى كارني خلال الأشهر الماضية اتصالات مع عدد كبير من القادة الأوروبيين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لبحث سبل تعميق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. كما طُرحت إمكانية تسهيل إقامة الكنديين وعملهم في دول الاتحاد دون الحاجة إلى تأشيرات عمل، إلى جانب توسيع التعاون في التعليم والبحث العلمي وبرامج التبادل.
ويأتي التحرك الكندي في وقت تشهد فيه العلاقات مع الولايات المتحدة تدهوراً ملحوظاً، بعدما تحولت الخلافات التجارية إلى حرب رسوم جمركية أضرت بجزء كبير من التجارة عبر الحدود. وترى أوتاوا أن تنويع الأسواق والشركاء التجاريين بات ضرورة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الاقتصاد الأمريكي.
ولا تبدأ العلاقات الاقتصادية بين كندا والاتحاد الأوروبي من الصفر؛ إذ يرتبط الطرفان باتفاقية التجارة الحرة الشاملة «CETA»، التي دخلت حيز التطبيق المؤقت في 2017، إلا أن الاتفاق لم يستكمل التصديق عليه من جميع دول الاتحاد. وتشير الحكومة الكندية إلى أن السوق الأوروبية تمثل ثاني أكبر سوق لصادراتها من السلع والخدمات بعد الولايات المتحدة.
وكان كارني قد أكد في يونيو الماضي أن كندا وأوروبا تمثلان معاً قوة اقتصادية وتكنولوجية ومالية وأمنية كبيرة، داعياً إلى بناء شراكات أعمق في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وأشباه الموصلات والدفاع. كما شدد على أن كندا تسعى إلى تنويع علاقاتها التجارية وبناء قدر أكبر من المرونة والاستقلالية في سلاسل الإمداد.
وفي حال تطورت الفكرة إلى اتفاق عملي، فإنها قد تمثل تحولاً كبيراً في موقع كندا الاقتصادي، من دولة تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأمريكية إلى شريك أطلسي أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الأوروبي، غير أن الطريق لا يزال طويلاً، إذ يتعين أولاً الاتفاق على طبيعة «العضوية المنتسبة» وحدودها، وما إذا كانت ستتطلب مساهمات مالية أو التزامات تنظيمية واسعة من جانب كندا، فضلاً عن تجاوز التحفظات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي.
وبذلك، لا تعكس الخطوة مجرد بحث عن سوق بديلة، بل تبدو جزءاً من إعادة تموضع اقتصادي أوسع لكندا في ظل التحولات التي تشهدها علاقاتها مع الولايات المتحدة، مع محاولة بناء محور اقتصادي واستراتيجي أكثر عمقاً مع أوروبا.
