الدوحة - سيف الحموري - بقلم: الدانة السميط، مشاركة في إدارة البرامج بمؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم (وايز) | أبريل 2026
على الرغم من أن مؤسسي شركات تكنولوجيا التعليم يمكنهم الآن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات تتعلق بأعمالهم، فإن دور مسرّعات الأعمال بات أكثر أهمية من أي وقت مضى.

لم تكن وعود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً لبناء الأعمال أعلى صدىً مما هي عليه اليوم. ففي وقتنا الحاضر، يمكن لمؤسس أي شركة في قطاع تكنولوجيا التعليم أن يطلب من نموذج لغوي كبير صياغةَ استراتيجية لدخول السوق، أو إعداد تحليل للمشهد التنافسي، أو محاكاة جلسة أسئلة وأجوبة مع المستثمرين، وذلك كله قبل أن يحتسي قهوة صباحه. وفي ظل هذه البيئة، يبرز سؤال منطقي: ما الذي يقدمه برنامج تسريع الأعمال فعلياً ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي الموجَّه توجيهاً جيداً تقديمَه؟
الإجابة الصريحة هي: يُقدم الكثير، لكن ليس بالطرق التي يُحتفى بها تقليدياً. إن قيمة أي مسرّعة أعمال مصمَّمة بعناية لا تقتصر على تقديم المعارف التي باتت وفيرة ومتاحة بتكلفة زهيدة، وإنما تكمن في أمور يصعب أتمتتها، وهي: حُسن التقييم، والسياق، والعلاقات، وحلقات التغذية الراجعة المستمدة من الواقع العملي. وهذه هي العناصر الأربعة التي يواجه الذكاء الاصطناعي — على الرغم من كفاءته العالية — صعوبةً مستمرة في توفيرها.
وفي "برنامج وايز لتطوير تكنولوجيا التعليم" للعام 2025 / 2026، نعمل مع ثماني شركات ناشئة في مجال تكنولوجيا التعليم تمر بمراحل نمو مختلفة؛ بدءاً من المشاريع في مرحلة ما قبل التأسيس التي تطوّر أدوات تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في كينيا وبيرو، وصولاً إلى الشركات في مرحلة ما قبل التمويل التأسيسي من السلسلة (أ) التي تعمل على توسيع نطاق تعليم البرمجة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم تنوع احتياجات هذه الشركات، فقد ظهر نمط ثابت على مستوى شركات هذه الدفعة يُجلّي المجالات التي لا يزال فيها الدعم البشري المنظَّم يخلق قيمةً لا يمكن الاستغناء عنها.
لا تكمن قيمة برنامج التسريع في تقديم المعرفة، بل في إصدار الحكم السليم، والسياق، والعلاقات، وحلقات التغذية الراجعة المستمدة من الواقع العملي.
1. القياس الذي يتناسب فعلياً مع منتجك
يُعد قياس الأثر أحد أكثر الموضوعات التي يبحث عنها مؤسسو شركات تكنولوجيا التعليم؛ إذ يدرك كل منهم أهمية قياس النتائج، بل يمتلك معظمهم مؤشرات قائمة كمعدلات الإنجاز، ومستويات الرضا، والإيرادات لكل مستخدم. المشكلة لا تكمن في نقص البيانات أو غياب أُطر العمل؛ إذ يمكن لأي مؤسس العثور على العشرات من نماذج قياس الأثر عبر الإنترنت، فضلاً عن قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على صياغة "الأطر المنطقية" أو "نظريات التغيير" بسرعة فائقة.
لكن ما يعجز عنه الذكاء الاصطناعي هو التقييم السليم لما يحمل أهمية حقيقية لمنتج بعينه، يخدم فئة محددة، في سياق معين. وقد وصف أحد المؤسسين في دفعتنا هذا التحدي بدقة: فمنصته تقدم ثلاثة مجالات تعليمية مختلفة لثلاث شرائح متباينة تماماً من المستخدمين، وبالتالي فإن مقياس الأثر الصحيح يختلف باختلاف الشريحة والمجال، ولا يمكن لأي إطار عمل عام أن يُعالج هذه الإشكالية دون الاستعانة بجهة تفهم المنتجَ والمستخدمين والأهداف التعليمية في آنٍ واحد.
وهنا، تُقدم مسرّعات الأعمال استشارات مخصصة في مجال الرصد والتقييم والتعلم؛ فهي لا تمنح المؤسسين إطار عمل فحسب، بل تكون شريكاً فكرياً يعاونهم على تحديد المقاييس الأكثر جدوى وأثراً، لا الأسهل قياساً. ويتمثل دور مسرّعة الأعمال في توظيف هذه الخبرة لإثراء النقاش وتيسير حوار لا يمكن لأي أمر مُدخَل إلى الذكاء الاصطناعي أن يحاكيه.
2. الرؤى المعمّقة لدخول السوق التي لا يوفرها سوى المطلعون
من أبرز أوجه القصور الواضحة في الذكاء الاصطناعي بوصفه مستشاراً للأعمال هو تعامله مع المعرفة الضمنية والمؤسسية. فإذا طلبت من أي أداة ذكاء اصطناعي إرشادك إلى كيفية دخول سوق تعليمي جديد، ستحصل على لمحة عامة ومعقولة عن المشهد التنظيمي، والجهات الحكومية الرئيسية، ونصائح عامة حول بناء العلاقات. لكن ما لن تحصل عليه هو الرؤى الدقيقة والمحدَّثة القابلة للتطبيق، والتي لا تتأتى إلا من خلال الجلوس وجهاً لوجه مع الأشخاص الذين يديرون تلك المؤسسات.
وتسد مسرّعات الأعمال المصمَّمة بعناية هذه الفجوة من خلال بناء مسارات تواصل منظّمة مع المنظومات المحلية. وفي حالتنا، نتعاون مع شركاء يشملون وكالة لترويج الاستثمار، وبنك التنمية الوطني، وواحة للعلوم والتكنولوجيا، وذلك لا لتزويد المؤسسين بالمعلومات الصحيحة فحسب، بل أيضاً بالمهارات اللازمة لفهم مؤشرات الالتزام من الشركاء والعملاء المحليين، وتجاوز الإجراءات البيروقراطية وفهمها، وبناء علاقات تحقق أقصى أثر ممكن. وينطبق المبدأ ذاته على أي سوق: فأقيم المعلومات غير موثَّق علناً، وأهم العلاقات لا تُبنى عبر أساليب التواصل الباردة. هذا النوع من المعلومات المرتبطة بالسياق لا يمكن استخراجه ببساطة، بل يجب اكتسابه من خلال إمكانية الوصول، وهذا "الوصول" ميزة فريدة تستطيع مسرّعة الأعمال ذات المكانة الراسخة تقديمها.
ما يحتاجه المؤسسون ليس لمحة عامة عن سوق جديد، بل حواراً مباشراً مع الأشخاص الذين يملكون مفاتيح ذلك السوق.
3. استكشاف آفاق جديدة: الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي المسؤول في تكنولوجيا التعليم
ثمة فئة من التحديات جديدة كلياً، حيث لا تُجدي أفضل الممارسات الراسخة ولا التوجيهات المستمدة من الذكاء الاصطناعي كثيراً، لأن المجال نفسه لا يزال في طور التشكّل. وبالنسبة لمؤسسي شركات تكنولوجيا التعليم الذين يطوّرون حالياً منتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، فإن الملكية الفكرية والتوظيف المسؤول للذكاء الاصطناعي يمثلان بالتحديد هذا النوع من الآفاق الجديدة.
وتبرز هنا أسئلة عملية وملحّة: من يملك مخرجات أداة تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي؟ هل هو الطالب، أم المدرسة، أم المطوّر، أم جهة أخرى؟ وكيف يمكن لشركة ناشئة حماية بنيتها الأساسية للذكاء الاصطناعي أثناء توسّعها في أسواق تخضع لأنظمة مختلفة للملكية الفكرية؟ وما الالتزامات التي تترتب على استخدام بيانات الطلاب في تدريب النماذج أو تحسينها؟ وكيف تُصمَّم المنتجات لتتوافق مع بيئات تنظيمية وتشريعية لم تُسَنّ بعد ولكنها قادمة لا محالة؟
وبدلاً من الاكتفاء بتقديم مبادئ قانونية عامة، تعاونّا مع مؤسسات شريكة، كمنصة سكيل إيه آي، لتقديم استشارات مخصصة تُعين شركات التعليم الناشئة على حماية ملكيتها الفكرية، وتطوير الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي وتوظيفها وتوسيع نطاقها بصورة مسؤولة في أسواق متنوعة. وبالنسبة لدفعة من الشركات تتنوع ابتكاراتها بين منصات توثيق الشهادات بتقنية "البلوك تشين" وأدوات التدريس المدعومة بالذكاء الاصطناعي باللغة العربية، فإن هذا الأمر ليس نظرياً، بل هو قابل للتطبيق الفوري. والأهم من ذلك أنه يستلزم خبرة عابرة للتخصصات تجمع بين الأبعاد القانونية والتقنية وتلك الخاصة بالسوق، وهو ما لا تستطيع أي أداة ذكاء اصطناعي منفردةً بلورتَه في توجيهات عملية قابلة للتنفيذ لشركة ناشئة بعينها.
إن الجلسات الأكثر قيمة هي تلك التي تتناول قضايا لا يزال المجال فيها في طور التشكّل، وحيث تكون التوجيهات العامة أسوأ من عدمها.

4. لقاءات التعارف التي تغيّر المسارات
هذه النقطة الأخيرة هي الأقل ارتباطاً بالمهارات أو بناء القدرات، والأكثر ارتباطاً بتوفير فرص الوصول والتواصل؛ لكن سيكون من غير المنصف الكتابة عن قيمة مسرّعات الأعمال دون ذكرها صراحةً. فالتعارف المناسب في الوقت المناسب قد يعادل في قيمته أكثر من مئة ساعة من التوجيه والإرشاد.
ونحن في وايز، نتعامل مع هذا الأمر على جبهتين. أولاً، نحرص على أن يحظى أعضاء الدفعة بحضور هادف ومؤثر في الفعاليات الرئيسية للتواصل؛ بدءاً من جلسات المستثمرين في المعسكر التدريبي بالدوحة، وصولاً إلى التجمعات المنتقاة بعناية في فعاليات كـ"أسبوع تكنولوجيا التعليم" في لندن والمؤتمر العالمي للتعليم التابع لمؤسسة التمويل الدولية. ويُتيح ذلك للمؤسسين فرصاً متكررة للقاء الممولين والشركاء ونظرائهم في القطاع ممن لم يكونوا ليلتقوا بهم لولا هذه الفرص. فالتواجد في المكان المناسب يُحدث فارقاً كبيراً، ومسرّعات الأعمال قادرة على فتح تلك الأبواب.
لكن التدخلات الأكثر دقة وتعمداً هي تلك التي تحدث بعيداً عن الفعاليات نفسها: ألا وهي عملية الربط والتوفيق القائمة على خصائص الشركات والمؤسسين، والمستندة إلى تشخيص دقيق للاحتياجات والفجوات المحددة لكل فريق. فبدلاً من ترتيب لقاءات تعارف على نطاق واسع وعشوائي، نرسم خريطةً للأولويات الاستراتيجية لكل شركة ناشئة — سواء أكان ذلك العثورَ على جهة تمويل موجهة نحو تحقيق الأثر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أم التواصلَ مع مرشد متخصص في المنتجات نجح في توسيع شركة لتكنولوجيا التعليم تعمل بنموذج الأعمال الموجَّه نحو الحكومات، أم الوصولَ إلى شريك مؤسسي مقره قطر يمتلك صلاحية اتخاذ قرارات الشراء والتعاقد — وبناءً على ذلك نُرتّب لقاءات التعارف المستهدفة. يمكن لأي أداة ذكاء اصطناعي مساعدة المؤسس في صياغة رسالة "تواصل بارد"، لكنها لا تستطيع تقييم أي لقاءات التعارف تستحق العناء فعلاً، ولا صياغة إطار ذلك التعارف بطريقة تضمن مشاركة كلا الطرفين بدافع واهتمام حقيقيين.
مبررات التكامل
لا يُمثّل أي مما سبق موقفاً معارضاً لأدوات الذكاء الاصطناعي؛ فالمؤسسون في دفعتنا يستخدمونها باستمرار وبفاعلية في مهام البحث والصياغة وتوليد الأفكار. لكن بيت القصيد هنا أن الذكاء الاصطناعي ومسرّعات الأعمال ليسا بديلين لبعضهما البعض؛ بل يعملان على مستويات مختلفة.
يتميز الذكاء الاصطناعي بقدرة استثنائية على خفض تكلفة المعرفة العامة وتسريع إنجاز المهام المحددة بوضوح. أما مسرّعات الأعمال الناجحة فتتميز بقدرتها على تقديم ما يظل نادراً حتى في عصر وفرة المعلومات: الخبرة المرتبطة بالسياق والمكتسَبة بالعمل الفعلي لا بتجميع البيانات، والعلاقات الموطَّدة بمرور الوقت، وتجارب التعلم المنظَّمة التي تدفع المؤسسين لمواجهة افتراضاتهم ومراجعتها بدلاً من مجرد البحث عما يؤكدها.
وإذا أرادت برامج تسريع الأعمال الحفاظ على قيمتها في هذه البيئة، فيتعين عليها التركيز أكثر على نقاط القوة المميزة هذه. فالمعسكر التدريبي الذي يكتفي بتكرار محتوى يمكن لأي مؤسس العثور عليه بالبحث على الإنترنت أصبح من الصعب تبرير جدواه. أما المعسكر الذي يجمع المؤسسين بمن نجح فعلاً في تجاوز العقبة التنظيمية ذاتها التي يواجهونها، أو الذي يمتلك علاقات مباشرة مع صناع القرار في المؤسسات التي يحتاجون للوصول إليها، فيظل مورداً لا غنى عنه ولا يمكن استبداله.
وفي عالم أصبحت فيه المعرفة زهيدة الثمن، تظل الحكمة هي المورد النادر. ومسرّعات الأعمال التي تدرك هذا الفارق وتبني برامجها عليه ستظل محتفظةً بأهميتها ومكانتها.
نبذة عن برنامج "وايز" لتطوير تكنولوجيا التعليم
يحظى برنامج "وايز" لتطوير تكنولوجيا التعليم بدعم مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم "وايز" ومؤسسة قطر، وقد دعم منذ تأسيسه أكثر من 40 مشروعاً في مجال تكنولوجيا التعليم. وتضم دفعة 2025/2026 ثمانية فرق من ست دول، تنشط في ست مجالات ضمن تكنولوجيا التعليم، وقد صُمّم البرنامج بالشراكة مع دالبرغ.
