الدوحة - سيف الحموري - في ظل تنامي التوجه نحو التعليم التخصصي في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تشهد دولة قطر إقبالا متزايدا على مدارس «STEM»، مدفوعا بمتطلبات الاقتصاد المعرفي وتسارع التحولات الرقمية عالمياً، الأمر أكده الأستاذ محمد علي العمادي، مدير مدرسة قطر للعلوم والتكنولوجيا في حوار قبل أيام مع «العرب»، ببلوغ عدد المتقدمين للالتحاق بالمدارس للعام الدراسي المقبل بلغ نحو 1348 طالباً وطالبة.
وأكد العمادي أن هذا الإقبال يعكس تحولا لافتا في توجهات المجتمع نحو التعليم العلمي والتقني، لافتا إلى أن مدارس قطر للعلوم والتكنولوجيا تواصل تطوير مناهجها بشكل نوعي، مع التركيز على البحث العلمي والابتكار، والتوسع في تطبيق البرنامج ليشمل مراحل دراسية مبكرة، بما يعزز بناء القدرات العلمية للطلبة وتهيئتهم لمتطلبات المستقبل. من جانبهم، أكد متخصصون في التعليم والتكنولوجيا والهندسة لـ «العرب» أن زيادة الإقبال على مدارس «STEM» ترتبط بطبيعته التكاملية التي تجمع بين العلوم والهندسة والتكنولوجيا والرياضيات، وما يوفره من بيئات تعليمية قائمة على الابتكار والتطبيق العملي، بما يسهم في تنمية مهارات التفكير الناقد وحل المشكلات.
كما أشاروا إلى أن التوسع في المدارس المتخصصة يمثل خطوة محورية لتجسير الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وتعزيز تنافسية الدولة إقليميا ودوليا، انسجاما مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.

د. أحمد الساعي: توفر فرصاً واسعة لتنمية مهارات التفكير الناقد للطلبة
أكد الدكتور أحمد الساعي، أستاذ تكنولوجيات التعليم في كلية التربية بجامعة قطر، أن الإقبال المتزايد من الطلبة على مدارس «STEM» يعود إلى طبيعة هذا المسار التعليمي الذي يجمع بين العلوم والهندسة والرياضيات والتكنولوجيا، وهي مجالات أصبحت تمثل جوهر العصر الحالي ومتطلباته الأساسية.
وأوضح أن هذا النوع من المدارس يوفر فرصا واسعة لتنمية مهارات التفكير الناقد وحل المشكلات من خلال توظيف التكنولوجيا والتفكير العلمي والرياضي، إلى جانب تعزيز فهم الطلبة للمنهجية الهندسية القائمة على المنطق والعلم، والتي تقود في نهاية المطاف إلى الإبداع والابتكار.
وأشار الساعي إلى أن افتتاح مدارس متخصصة في هذا المجال يسهم في توسيع انتشار ثقافة «STEM» القائمة على التفكير المنهجي والتحليلي، بما يمكن الطلبة من التعامل مع التحديات العلمية والتكنولوجية التي يفرضها العصر.
وأضاف أن هذه المدارس تساهم في إعداد جيل مثقف تكنولوجيا، قادر على تطبيق النظريات العلمية وفق منهجية هندسية في الحياة العملية، بما يخلق بيئة محفزة للإبداع وربما الاختراع مستقبلا نتيجة تراكم الخبرات والمهارات.
وبين أن تبني المدارس لبرامج التفكير المنطقي الناقد يسهم بشكل مباشر في إعداد كوادر وطنية مبدعة، بفضل التدريب العملي داخل المختبرات والمعامل، وما يوفره من تطبيقات واقعية تعزز الفهم العميق لدى الطلبة.
وفيما يتعلق بدور أولياء الأمور، شدد على أهميته في تهيئة البيئة الداعمة للأبناء، سواء من خلال الدعم المادي عند الإمكان، أو الدعم النفسي عبر التشجيع والتحفيز، إلى جانب توفير أجواء منزلية محفزة على الإبداع، واحتضان الأفكار الابتكارية وتعزيزها، بالتكامل مع دور المدرسة ومؤسسات المجتمع مثل المجالس والأندية ومراكز الإبداع الثقافي والفني.
أحمد الجولو: تعالج نقصا حاليا بالكوادر الوطنية في ظل سباق تقني معرفي
أكد المهندس أحمد الجولو، الرئيس السابق لجمعية المهندسين القطرية، أن هناك توجها متسارعا في قطر نحو التوسع في التعليم العلمي والفني والتقني، إلى جانب التكنولوجيا، في ظل عالم متغير يتطلب تعزيز هذا النوع من التعليم لمواكبة متطلبات المستقبل.
وأوضح أن المرحلة الحالية تستدعي إنشاء المزيد من المدارس والكليات والجامعات المتخصصة، مع تشجيع الطلبة وأولياء الأمور على التوجه نحو التعليم الفني والتقني بمختلف تخصصاته، سواء في المجالات الطبية أو الهندسية أو التكنولوجية التطبيقية، لافتا إلى أن دول العالم كافة تعاني نقصا ملحوظا في الكوادر المؤهلة في هذه المجالات الحيوية. وأشار إلى أن هذا المسار يتطلب إعداد طلبة يمتلكون قاعدة علمية راسخة، خاصة في المواد الأساسية مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والجيولوجيا، باعتبارها الركيزة التي ينطلق منها الطالب نحو التخصصات الهندسية والطبية والتقنية.
وبين الجولو أن توجه الدولة نحو هذا النوع من التعليم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسات تعليمية سابقة ركزت على توجيه الطلبة نحو المسارات العلمية، إدراكا لأهميتها في دعم قطاعات حيوية مثل المستشفيات، ومراكز البحوث، والجامعات، فضلا عن مجالات التكنولوجيا المتقدمة والفضاء والطاقة.
وأضاف أن العالم يشهد اليوم سباقا تقنيا ومعرفيا متسارعا، ما يحتم على الدول الاستثمار في الكفاءات الوطنية القادرة على المنافسة، مشيرا إلى أن هناك دعما واضحا للبحث العلمي، ومتابعة مستمرة لتطوير التعليم التقني من قبل الجهات المعنية، بالتعاون مع الجامعات وأولياء الأمور.
وأكد أن التوسع في هذا المجال سيسهم في معالجة النقص الحالي في الكوادر المؤهلة داخل المصانع والمؤسسات الصحية والقطاعات الهندسية، لافتا إلى أهمية إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة هذه القطاعات بكفاءة.
ودعا الجولو أولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المهنية إلى تكثيف جهودها في توعية الطلبة بأهمية هذه التخصصات، وتعزيز التوجه نحوها، بما يدعم مسيرة التنمية ويعزز مكانة الدولة في مجالات العلم والتكنولوجيا.

إيمان الحمد: حاضنات للابتكار تفتح آفاقا أوسع لاكتشاف المواهب القطرية
أكدت المهندسة إيمان الحمد، الخبيرة في التكنولوجيا، أن الإقبال المتزايد من الطلبة وأولياء الأمور على تعليم «STEM» في قطر يعكس تحولا نوعيا في وعي المجتمع بأهمية هذه التخصصات، باعتبارها لغة المستقبل والمحرك الرئيسي للاقتصاد القائم على المعرفة، انسجاما مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.
وأوضحت أن هذا التوجه تدعمه عدة عوامل، في مقدمتها الدعم الحكومي وتوفير بيئات تعليمية متقدمة تحاكي المختبرات العالمية، إلى جانب تنامي الإدراك بارتباط وظائف المستقبل في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي بهذه المسارات، فضلا عن النجاحات الملموسة لخريجيها في سوق العمل، ما جعلها خيارا استراتيجيا للأسر.
وأضافت أن افتتاح المدارس المتخصصة لا يمثل مجرد زيادة في الطاقة الاستيعابية، بل يعد توسعا في الأثر المعرفي، حيث تشكل هذه المؤسسات حاضنات للابتكار توفر بيئات تعليمية متقدمة لا تتوافر في النماذج التقليدية. وبينت أن كل مدرسة جديدة تفتح آفاقا أوسع لاكتشاف مواهب القطريين مبكرا، بما يسهم في بناء كوادر قادرة على قيادة التحول الرقمي والصناعي، وتجسير الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
وأشارت الحمد إلى أن هذا التوسع يمثل ركيزة أساسية لإعداد كوادر وطنية مؤهلة في مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا، من خلال التركيز على تنمية التفكير التحليلي وتعزيز البحث العلمي والتطبيق العملي منذ المراحل المبكرة. وأكدت أن ذلك يسهم في رفد الجامعات الوطنية والعالمية بكفاءات عالية الجودة، ويقلل مستقبلا من الاعتماد على الخبرات الخارجية، عبر إعداد جيل من المبتكرين القادرين على قيادة القطاعات الحيوية بأيد وطنية.وفيما يتعلق بدور أولياء الأمور، شددت على أنهم يمثلون الشريك الاستراتيجي الأول في توجيه الأبناء نحو هذه التخصصات، من خلال تقديم الدعم المعنوي والتحفيز الذهني، وتغيير الصورة النمطية عن صعوبة المواد العلمية، وتحويلها إلى تجربة استكشافية محفزة. كما دعت إلى أهمية الاستثمار في الأنشطة الإثرائية، مثل المخيمات العلمية والمسابقات التكنولوجية.
نهج توسعي في مدارس «العلوم والتكنولوجيا»
تتبنى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، توجها متسارعا نحو التوسع في مدارس العلوم والتكنولوجيا « STEM»، ضمن استراتيجية تستهدف بناء منظومة تعليمية قائمة على الابتكار والمعرفة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 التي تركز على تنمية رأس المال البشري وتعزيز الاقتصاد المعرفي. وفي مطلع 2026، أعلنت الوزارة عن افتتاح مدرستين جديدتين هما مدرسة قطر للعلوم والتكنولوجيا الإعدادية الثانوية للبنين في منطقة الصخامة، ومدرسة قطر للعلوم والتكنولوجيا الثانوية للبنات في منطقة روضة الحمامة، بالإضافة إلى استمرار التسجيل في مدرسة البنين بمنطقة أم السنيم للصفين السابع والتاسع،
ويستهدف هذا التوسع استقطاب الطلبة القطريين المتميزين في مواد الرياضيات والعلوم، من خلال برامج تعليمية متقدمة تعتمد على الدمج بين العلوم والهندسة والتكنولوجيا والرياضيات وفق معايير عالمية.
وتؤكد المؤشرات أن الوزارة ماضية في التوسع التدريجي لهذا النموذج التعليمي، سواء من خلال زيادة عدد المدارس أو التوسع في المراحل الدراسية المستهدفة، بما يعزز انتشار ثقافة «STEM» في المجتمع، ويرسخ مكانة قطر كمركز إقليمي للابتكار والتعليم المتقدم. كما ان الوزارة والجامعات اطلقت برامج متخصصة في هذا الشأن، الأمر الذي دفع جامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا إلى إطلاق برنامج بكالوريوس العلوم في تدريس تخصصات STEM بهدف إعداد المعلمين المستقبليين لتقديم تعليم متكامل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في بيئات تعليمية متنوعة ومتجددة.
