الدوحة - سيف الحموري -
أكد سعادة السيد صالح عطية، سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى دولة قطر، أن العلاقات القطرية الجزائرية تستند إلى جذور تاريخية راسخة من الأخوة والتضامن والمواقف المشتركة، مشدداً على أن البلدين يتطلعان إلى الارتقاء بشراكتهما إلى مستويات أوسع من التعاون الاستراتيجي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والصناعية. وكشف السفير الجزائري، في كلمة ألقاها خلال الاحتفال بالذكرى الثانية والسبعين لثورة أول نوفمبر المجيدة، عن جملة من المشروعات والاستثمارات القطرية الاستراتيجية في الجزائر، وفي مقدمتها مشروع شركة «بلدنا» المتكامل لإنتاج الحليب المجفف واللحوم الحمراء والأعلاف، باستثمارات تقدر بنحو 3.5 مليار دولار، إلى جانب مشروع المستشفى الجزائري القطري الألماني، ومشروع توسعة مركب الحديد والصلب بمنطقة بلارة، الذي تنفذه الشركة الجزائرية القطرية للصلب باستثمارات إجمالية تبلغ نحو 4 مليارات دولار.
وأشار سعادته إلى أن التحضيرات جارية لعقد الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة القطرية الجزائرية في الجزائر مطلع عام 2027، برئاسة معالي السيد سيفي غريب، الوزير الأول بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ومعالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، بما يعكس حرص قيادتي البلدين على مواصلة تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز أطر التعاون المشترك.
واستهل السفير صالح عطية كلمته بالتأكيد على أهمية ذكرى أول نوفمبر في الوجدان الجزائري، باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ النضال الوطني، مشيراً إلى أن الثورة الجزائرية، التي اندلعت عام 1954، جسدت إرادة الشعب في التحرر من الاستعمار، بعد 132 عاماً من المقاومة، وقدمت خلالها الجزائر أكثر من مليون ونصف المليون شهيد.
ولفت إلى أن الاحتفال هذا العام يأتي تحت شعار «نوفمبر ذاكرة وطن.. ومستقبل أمة»، مؤكداً أن الوفاء لتضحيات الشهداء يمثل دافعاً لمواصلة بناء الدولة الجزائرية والحفاظ على سيادتها وتحقيق تطلعات شعبها في التنمية والتقدم.
مواقف تاريخية
وشدد السفير الجزائري على أن التضامن القطري مع الثورة الجزائرية يمثل إحدى أبرز الصفحات المضيئة في تاريخ العلاقات بين الشعبين، مستحضراً المواقف الشعبية والرسمية التي جسدت عمق الروابط الأخوية بين البلدين قبل استقلال الجزائر.
واستذكر المواقف التاريخية للقيادة القطرية ومساندة الثورة ودعم حق الشعب الجزائري في الاستقلال.
وأشار إلى محطة أخرى تعكس عمق التضامن بين البلدين، تمثلت في تنظيم الشيخ جاسم بن حمد بن عبدالله آل ثاني، أول وزير للتربية في قطر، أسبوعاً لنصرة القضية الجزائرية عام 1962، بحضور عدد من وجهاء قطر، ومشاركة شاعر الثورة الجزائرية ومؤلف النشيد الوطني مفدي زكريا، الذي ألقى قصيدة أشاد فيها بمواقف قطر وأهلها وبالعلاقات الوجدانية التي تربط الشعبين. وأكد أن هذه المواقف التاريخية لم تكن مجرد محطات عابرة، بل شكلت أساساً متيناً للعلاقات الثنائية التي لا تزال تتسم بالمودة والاحترام والتشاور والتنسيق المستمر.
تنسيق سياسي
وأوضح سعادة السفير أن الزيارات المتبادلة بين حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وأخيه فخامة الرئيس عبدالمجيد تبون، رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، تعكس الإرادة السياسية المشتركة للارتقاء بالعلاقات إلى مستويات متقدمة من الشراكة الاستراتيجية.
وأشار إلى أن العام الحالي شهد حراكاً ملحوظاً في العلاقات الثنائية، من خلال زيارات مسؤولين جزائريين إلى الدوحة، منها زيارة لطفي بوجمعة، وزير العدل حافظ الأختام، ونور الدين داودي، الرئيس المدير العام لشركة سوناطراك، ممثلاً لوزير الدولة وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب، إلى جانب امحمد جلاوي، رئيس السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، ومحمد لمين لمو، وزير المالية، وعمر ركاش، المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار.
وفي سياق متصل، أعلن السفير أن البلدين يستعدان لعقد الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة في الجزائر مطلع العام المقبل، معرباً عن تطلعه إلى أن تسهم اجتماعاتها في وضع آفاق جديدة للتعاون وتوسيع مجالات الشراكة، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين.
تعزيز الأمن الغذائي
وفي المجال الاقتصادي، أبرز السفير الجزائري التطور الذي تشهده الاستثمارات القطرية في الجزائر، مؤكداً أن المشروعات المشتركة تعكس الثقة المتبادلة بين البلدين، وتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي القائم على مبدأ المصالح المشتركة.
وفي مقدمة هذه المشروعات، يأتي مشروع شركة «بلدنا» الاستراتيجي المتكامل لإنتاج الحليب المجفف واللحوم الحمراء والأعلاف، باستثمارات إجمالية تقدر بنحو 3.5 مليار دولار، والذي يستهدف تعزيز الأمن الغذائي الجزائري وتقليص الاعتماد على الواردات.
وأوضح أن الشركة وقعت في أبريل الماضي الحزمة الثانية من عقود إنجاز المشروع مع عدد من المؤسسات الجزائرية والأجنبية، بقيمة تبلغ 700 مليون دولار، في خطوة تعكس التقدم في تنفيذ هذا المشروع الحيوي.
كما أشار إلى التقدم المحرز في مشروع المستشفى الجزائري القطري الألماني، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 300 سرير، وتقدر ميزانيته بنحو 300 مليون دولار، ويستهدف استقبال نحو 250 ألف شخص سنوياً، بما يجعله إضافة مهمة للمنظومة الصحية الجزائرية.
وفي قطاع الصناعة، لفت إلى أن الشركة الجزائرية القطرية للصلب «AQS» أطلقت في أبريل الماضي المرحلة الثانية من توسعة مركب الحديد والصلب بمنطقة بلارة في ولاية جيجل، من خلال ضخ مليار دولار كدفعة أولى، بهدف مضاعفة الطاقة الإنتاجية للمركب لتصل إلى 4 ملايين طن سنوياً، فيما تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 4 مليارات دولار.
وأضاف أن التعاون الاقتصادي يمتد إلى قطاع الطيران، حيث وقعت شركتا الطيران في البلدين اتفاقية للرمز المشترك، من المتوقع أن تسهم في رفع عدد الرحلات الجوية بين قطر والجزائر إلى 30 رحلة أسبوعياً خلال الفترة المقبلة.
ونوه كذلك بالنجاح الذي تحققه شركة «أوريدو الجزائر»، التي تجاوز عدد مشتركيها 16 مليوناً، فيما اقتربت استثماراتها في السوق الجزائرية من 4 مليارات دولار، مؤكداً أن هذه التجارب تعكس متانة الشراكة الاقتصادية بين البلدين وتنوع مجالاتها.
وفي إطار تعزيز العلاقات التجارية، أشار السفير إلى استقبال كمال رزيق، وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات الجزائري، في سبتمبر الماضي، وفداً من رجال الأعمال القطريين برئاسة الشيخ محمد بن فهد محمد آل ثاني، حيث بحث الجانبان سبل تطوير الشراكة بين المتعاملين الاقتصاديين وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات المتبادلة.
وأكد أن المشروعات والاتفاقيات القائمة بين البلدين تمثل قاعدة صلبة لمواصلة بناء شراكة استراتيجية تحقق مصالح الشعبين الشقيقين، وتعزز التعاون العربي المشترك.
مواقف مشتركة تجاه القضايا الإقليمية والدولية
أكد سعادة السيد صالح عطية، سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى دولة قطر، أن بلاده تواصل الدفاع عن القضايا العادلة والتمسك بمبادئ الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والحق المشروع للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وأشار إلى أن الجزائر تدعو إلى وقف الاعتداءات المتكررة على الشعب الفلسطيني وأرضه، وتعارض الإجراءات الرامية إلى تقويض حل الدولتين، كما تواصل المطالبة بإصلاح منظومة الأمم المتحدة، بما يضمن تمثيلاً عادلاً للقارة الإفريقية في مجلس الأمن من خلال تخصيص مقعدين دائمين لها.
وفي الشأن الإفريقي، أوضح أن الجزائر تعمل على تعزيز الاستقرار في منطقة الساحل، باعتبارها مجالاً حيوياً لأمنها ومحيطها الإقليمي، من خلال دعم الدول المجاورة ومساعدتها على بناء مؤسسات واقتصادات مستقرة، إلى جانب تكثيف الجهود الدبلوماسية لتفادي النزاعات المسلحة ومكافحة الإرهاب وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية والوساطة.
وأشاد في هذا السياق بالدور المحوري الذي تضطلع به دولة قطر في الوساطة وتسوية النزاعات بالطرق السلمية في عدد من مناطق العالم، مثمناً جهودها الدبلوماسية المستمرة ومبادراتها الإنسانية، ولا سيما مساندتها للشعب الفلسطيني واحتضانها المؤتمرات والفعاليات الداعمة للقضايا الإنسانية.
كما استعرض توجه الجزائر نحو تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والتكامل الإقليمي، مشيراً إلى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، بطول 4128 كيلومتراً، وبطاقة نقل تتراوح بين 20 و30 مليار متر مكعب سنوياً، بما يعزز فرص إمداد الأسواق الأوروبية بالغاز.
ولفت إلى إطلاق مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي، بالشراكة مع ألمانيا وإيطاليا والنمسا وتونس، لنقل نحو 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً من الجزائر إلى أوروبا عبر شبكة أنابيب يبلغ طولها نحو 3 آلاف كيلومتر. واختتم السفير كلمته بالتعبير عن تقديره للقيادة القطرية، وعلى رأسها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، ووزارة الخارجية القطرية، لما تقدمه من دعم وتعاون، معرباً عن شكره للحضور ومشاركتهم الجزائر احتفالها بذكرى ثورتها المجيدة.
حضر الاحتفال كل من سعادة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز بن تركي السبيعي – وزير البيئة والتغير المناخي.
سعادة الدكتور أحمد بن حسن الحمادي – الأمين العام لوزارة الخارجية، وسعادة السفير إبراهيم بن يوسف فخرو – مدير إدارة المراسم بوزارة الخارجية، وسعادة السفير نايف بن عبدالله الصديقي العمادي – مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية، وسعادة السفير جاسم بن محمد الأصمخ – مدير إدارة الشؤون الأمريكية بوزارة الخارجية، وسعادة السيد علي إبراهيم أحمد – سفير دولة إريتريا لدى الدولة وعميد السلك الدبلوماسي.
افتتاح المركز الثقافي الجزائري في الدوحة مطلع يناير
أعلن سعادة السيد صالح عطية، سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى دولة قطر، الاستعداد للافتتاح الرسمي للمركز الثقافي الجزائري في الدوحة مطلع يناير المقبل، معتبراً أن المركز سيمثل فضاءً لتعزيز التبادل الثقافي والتعريف بالتراث الجزائري، وتوطيد أواصر المحبة والأخوة بين الشعبين.
وأشاد بالدور الذي تؤديه الجالية الجزائرية المقيمة في قطر في تعزيز العلاقات الشعبية، ومساهمتها في مسيرة التنمية التي تشهدها الدولة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والطب والطيران والتعليم العالي والإعلام، معرباً عن اعتزازه بما تقدمه من إسهامات نوعية في مختلف المجالات.

