الدوحة - سيف الحموري - ناقشت الجلسة الأولى من أعمال اليوم الثاني للمؤتمر العالمي السادس للتحكيم الدولي، التحديات القانونية والعملية التي تواجه منظومة التحكيم الدولي، بدءاً من صياغة اتفاق التحكيم وضمان صحته، مروراً بإدارة الإجراءات وتشكيل هيئات التحكيم، وصولاً إلى إبطال الأحكام والاعتراف بها وتنفيذها، في إطار نقاش موسع حول تطور الممارسات التحكيمية واختلاف الأنظمة القانونية وتداعيات التحول الرقمي على مستقبل تسوية المنازعات.
وجاءت الجلسة تحت عنوان «التحكيم الدولي في الممارسة العملية: من الاتفاق إلى تنفيذ الحكم»، وأدارها سلطان العبدالله، الشريك المؤسس لمكتب سلطان العبدالله، بمشاركة نخبة من الخبراء والممارسين الدوليين، الذين استعرضوا تجاربهم المهنية والقانونية، وناقشوا أبرز الإشكاليات التي تواجه أطراف النزاعات ومؤسسات التحكيم، وأهمية تطوير الإجراءات بما يعزز كفاءة المنظومة التحكيمية ويضمن فاعليتها.
لوكاس ميستيليس: صياغة اتفاق التحكيم حجر الأساس لنجاح العملية التحكيمية
أكد البروفيسور لوكاس ميستيليس، الشريك في مكتب ستيبتو الدولي بالمملكة المتحدة، أن اتفاق التحكيم يمثل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العملية التحكيمية، مشدداً على ضرورة منحه الاهتمام القانوني الكافي منذ المراحل الأولى للتفاوض على العقود، وعدم التعامل معه باعتباره بنداً تكميلياً يمكن تأجيل صياغته إلى اللحظات الأخيرة.
وأوضح أن بعض المحامين يقعون في خطأ تأجيل صياغة شرط التحكيم إلى ما بعد الاتفاق على بقية بنود الصفقة، أو الاعتماد على نماذج جاهزة قد لا تتناسب مع طبيعة العلاقة التعاقدية أو المنازعات المحتملة بين الأطراف، محذراً من أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد هذه البنود لا يمثل ضمانة لصحتها أو ملاءمتها، إذا لم يخضع الناتج للمراجعة القانونية المتخصصة.
وتناول ميستيليس الفارق بين المتطلبات الشكلية والموضوعية لصحة اتفاق التحكيم، بما يشمل إثبات وجود الاتفاق، وتوافر الأهلية القانونية للأطراف، وقابلية موضوع النزاع للتحكيم، فضلاً عن تحديد القانون الواجب التطبيق عليه.
كما استعرض تطور المواقف القانونية في هذا الشأن، مشيراً إلى أن إنجلترا اعتمدت في عام 2025 قانون مقر التحكيم باعتباره القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم، ما لم تظهر مؤشرات واضحة على اختيار الأطراف قانوناً آخر، بما يعكس أهمية تحديد الإطار القانوني للاتفاق منذ البداية.
تييري نغوجا: أخطاء البداية قد ترفع تكاليف التحكيم وتؤثر في مسار النزاع
من جانبه، سلط الأستاذ تييري نغوجا، مدير لجنة إفريقيا بغرفة التجارة الدولية، الضوء على التحديات الإجرائية التي تظهر مع بدء إجراءات التحكيم، مؤكداً أن وجود اتفاق تحكيم لا يعني بالضرورة أن الإجراءات ستسير بسلاسة، في ظل ما قد يشوب طلبات التحكيم من نواقص وأخطاء تؤثر في كفاءة إدارة القضية.
وأوضح أن من أبرز هذه الإشكاليات عدم تقديم العنوان الكامل للمدعى عليه، وعدم سداد رسوم التسجيل، فضلاً عن عدم تحديد مقر التحكيم أو لغته، وسوء تقدير المهل الزمنية، وعدم توضيح القيمة المالية للمطالبات والمطالبات المقابلة.
وأشار إلى أن عدم تحديد قيمة المطالبة قد يثير صعوبات تتعلق بتحديد مدى انطباق إجراءات التحكيم المعجل، الأمر الذي يستدعي مطالبة الأطراف بتوضيح القيمة المالية للنزاع أو وضع سقف محدد لها.
وشدد نغوجا على أهمية استعداد المحامين بصورة جيدة قبل تقديم طلبات التحكيم، لافتاً إلى أن الأخطاء الإجرائية في المراحل الأولى قد تثير تساؤلات بشأن كفاءة التمثيل القانوني، كما قد تؤثر في مسار القضية وتزيد من أعبائها المالية.
ودعا مؤسسات التحكيم إلى تعزيز آليات مراجعة الطلبات، ومطالبة الأطراف باستكمال البيانات والمستندات الناقصة، وتوحيد نماذج المراسلات، ومتابعة الإجراءات بما يضمن احترام مبادئ العدالة والمساواة بين أطراف النزاع.
جوديث كنيبر: الاعتراف بالأحكام الإلكترونية يواكب تطورات الاقتصاد الرقمي
بدورها، استعرضت الدكتورة جوديث كنيبر، الأمين العام لمجموعات عمل تسوية المنازعات في لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي «الأونسيترال»، جهود اللجنة في تطوير الأطر القانونية المنظمة للتحكيم والوساطة، مؤكدة استمرار العمل على تحديث هذه الأطر بما يتواكب مع التحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة.
وأوضحت أن اللجنة أطلقت في عام 2021 مشروعاً استكشافياً لدراسة تسوية المنازعات في الاقتصاد الرقمي، بهدف تقييم الممارسات القائمة وتحديد الاحتياجات القانونية والعملية، قبل اتخاذ قرار بشأن الموضوعات التي تستدعي تدخلاً تشريعياً أو تطويراً للأطر الدولية.
وأضافت أن هذه الجهود أسفرت عن تفويض للعمل على موضوع الاعتراف بأحكام التحكيم الصادرة في شكل إلكتروني وتنفيذها، إلى جانب الإخطارات الإلكترونية، موضحة أن اختيار مصطلح «أحكام التحكيم الصادرة في شكل إلكتروني» جاء للتأكيد على أن النقاش ينصب على شكل الحكم وطريقة صدوره، وليس على طبيعته القانونية أو مضمونه.
ولفتت إلى أن العمل مر بمراحل متعددة، شملت تنظيم ندوة بمشاركة ممارسين ومراكز تحكيم من مناطق مختلفة، وإرسال استبيانات إلى الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة، قبل الانتقال إلى مرحلة المناقشات والصياغة، التي استغرقت نحو عامين وأربع دورات عمل، بمشاركة مفتوحة للدول الأعضاء.
وأكدت أن هذه الجهود تعكس أهمية مواكبة التشريعات الدولية للتحول الرقمي، وتوفير أطر قانونية واضحة تضمن الاعتراف بالإجراءات والأحكام الإلكترونية وتنفيذها عبر الحدود.
طارق رياض: تقارب قانوني بين أسباب إبطال أحكام التحكيم ورفض تنفيذها
من جهته، تناول الدكتور طارق رياض، رئيس قسم القانون بالجامعة الألمانية والمحكم بمركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم، الضوابط القانونية التي تستند إليها المحاكم عند النظر في طلبات إبطال أحكام التحكيم، موضحاً وجود أوجه تشابه واسعة بين هذه الضوابط والأسباب التي تجيز رفض الاعتراف بالأحكام أو تنفيذها.
واستعرض رياض الحالات الواردة في المادة 34 من القانون النموذجي للتحكيم والمادة 33 من قانون التحكيم القطري، ومن بينها انعدام أهلية أحد أطراف النزاع، وبطلان اتفاق التحكيم وفقاً للقانون الواجب التطبيق، وعدم إخطار أحد الأطراف بصورة صحيحة بتعيين المحكمين أو بإجراءات التحكيم.
كما أوضح أن تجاوز هيئة التحكيم حدود الاتفاق المبرم بين الأطراف قد يشكل سبباً لإبطال الحكم، مشيراً إلى إمكانية الإبقاء على الأجزاء التي لا يشملها سبب الإبطال متى أمكن فصلها عن الأجزاء المعيبة، بدلاً من إبطال الحكم بأكمله.
وتطرق إلى عدم قابلية موضوع النزاع للتحكيم ومخالفة النظام العام باعتبارهما من الأسباب القانونية التي قد تستند إليها المحاكم في طلبات الإبطال، لافتاً إلى أن مفهوم النظام العام يتيح للمحاكم التحقق من مدى توافق الحكم مع المبادئ القانونية الأساسية في الدولة.
وأكد رياض أن طلب إبطال حكم التحكيم يُرفع أمام المحاكم المختصة في الدولة التي يقع فيها مقر التحكيم، موضحاً أن فهم هذه الضوابط يمثل ضرورة للمحامين والمحكمين والأطراف، لما لها من أثر مباشر على استقرار الأحكام التحكيمية وضمان الاعتراف بها وتنفيذها.
