حال الإمارات

الجار.. وصية تتعدى الجدار

الجار.. وصية تتعدى الجدار

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 3 مارس 2026 12:00 صباحاً - لم تعد الجيرة مجرد تقارب جغرافي بين المنازل، بل غدت إحدى الركائز الأساسية التي تعزز الأمان المجتمعي، وترفع جودة الحياة اليومية؛ إذ تشكّل العلاقة بين الجيران مساحة إنسانية تتجلى فيها قيم التعاون والتكافل والتواصل، خصوصاً في المجتمعات التي تقوم على الترابط والتلاحم.

ويحظى الجار بمكانة رفيعة في الإسلام في دلالة واضحة على أهمية مراعاة حقوق الجار والإحسان إليه في تفاصيل الحياة اليومية. وأكد الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد، كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، أن الإسلام ينظر إلى العلاقة بين الجيران بوصفها علاقة قائمة على الإكرام والإيثار والإحسان، مشيراً إلى أن القرآن الكريم قرن حق الجار بحق الله وحقوق الخلق في قوله تعالى:

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ). وأوضح أن هذا التأكيد يعكس عظم مكانة الجار، إذ إن القرب والاختلاط اليومي يستدعيان الإحسان لتستقيم العلاقات ويعيش المجتمع في حالة تآزر وتكافل.

اجتماعياً، تمثل العلاقة بين الجيران شبكة دعم غير رسمية تظهر أهميتها في المواقف اليومية والطارئة، بدءاً من تبادل الزيارات والمبادرات البسيطة، وصولاً إلى تقديم المساندة خلال الأزمات والظروف الصحية والسفر.

وأوضحت الدكتورة هبة محمد عبدالرحمن، مستشارة تربوية، أن التواصل بين الجيران يسهم في تعزيز الشعور بالانتماء وتقليل العزلة الاجتماعية، وينعكس إيجاباً على الصحة النفسية، خصوصاً لدى كبار السن والعائلات الجديدة في الأحياء السكنية.

وأضافت أن الاستجابة السريعة في الحالات الطارئة وتقديم العون عند الأزمات يعززان الإحساس بالأمان المجتمعي، فيما تشير دراسات علم الاجتماع الحضري إلى أن الأحياء ذات الروابط القوية تتمتع بمستويات أعلى من الثقة والاستقرار الأسري.

وبيّنت أن الانتماء يعد حاجة نفسية أساسية وفق تسلسل الاحتياجات لدى عالم النفس أبراهام ماسلو، حيث إن وجود جار يعرفك ويهتم بك يعزز الشعور بأن الفرد جزء من محيط اجتماعي داعم، وهو ما يشكل عاملاً مهماً للحماية النفسية والاجتماعية.

وتبرز الجيرة الطيبة في تفاصيل تبدو بسيطة لكنها عميقة الأثر، مثل تبادل الأطباق في المناسبات، الاطمئنان على الجار، أو المبادرة بالمساعدة دون طلب، وهي ممارسات يومية تعزز الثقة المتبادلة وتحوّل الحي إلى مساحة أكثر دفئاً وإنسانية.

ومع تسارع نمط الحياة وتغيّر طبيعة المدن، ظهرت أشكال حديثة للجيرة، من بينها مجموعات التواصل الخاصة بالأحياء، التي أسهمت في تعزيز التنسيق والتعاون، لتشكّل امتداداً رقمياً للعلاقات الاجتماعية التقليدية.

وتحمل ذاكرة المجتمع العديد من القصص التي تعكس عمق الجيرة، حيث يروي أفراد مواقف إنسانية لعب فيها الجار دور السند وقت المرض أو السفر أو الطوارئ، ما يعزز فكرة أن الجار قد يكون الأقرب حضوراً في اللحظات المفصلية من الحياة وأن هذه التجارب الواقعية تسهم في ترسيخ قيمة الجيرة لدى الأجيال الجديدة، وتؤكد أن بناء علاقة إيجابية مع الجيران يمثل استثماراً اجتماعياً طويل الأمد.

وخلال شهر رمضان المبارك، تتجدد مظاهر الجيرة بشكل أوضح، من خلال تبادل الأطباق والزيارات والمبادرات التطوعية، ما يعزز روح التراحم ويعيد إحياء العادات الاجتماعية الأصيلة التي تشكّل جزءاً من الهوية المجتمعية.

Advertisements

قد تقرأ أيضا