ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 30 أبريل 2026 02:29 صباحاً - شهدت مدارس خلال الفترة الأخيرة انتشاراً لافتاً للكاميرات الفورية بين الطالبات، حيث تحولت هذه الأجهزة الصغيرة إلى جزء من الأكسسوارات اليومية داخل الحقيبة المدرسية، ووسيلة سريعة لتوثيق اللحظات وطباعتها فوراً، في مشهد يعكس رغبة واضحة في التعبير عن الذات، وصناعة الذكريات بطريقة مختلفة عن الأدوات الرقمية التقليدية.
وفي مواجهة الظاهرة، أكدت إدارات مدرسية أن استخدام الكاميرات الفورية داخل الحرم المدرسي، يعد سلوكاً مخالفاً للوائح، نظراً لما قد يترتب عليه من انتهاك لخصوصية الطالبات، أو تشتيت للعملية التعليمية.
مشددة على أن هذه الأجهزة تصادر فور ضبطها، مع تطبيق إجراءات تربوية بحق الطالبة المخالفة، في إطار الحرص على الحفاظ على بيئة تعليمية منظمة وآمنة.
وأكد تربويون أن هذه الظاهرة لا يمكن التعامل معها بمنطق المنع فقط، بل تحتاج إلى قراءة أعمق، توازن بين احتياجات الطالبات في التعبير والتوثيق، وبين الالتزام بالضوابط التي تحكم الحياة المدرسية.
وتفصيلاً، قالت نجوى نصري، إن التعامل مع الكاميرات الفورية داخل المدرسة، لا يجب أن يختزل في كونها وسيلة ترفيهية عابرة، بل ينبغي النظر إليها كسلوك يحتاج إلى توجيه تربوي واعٍ، خاصة أن الطالبات بطبيعتهن يمِلن إلى توثيق اللحظات والاحتفاظ بالذكريات، وهو جانب إيجابي، يمكن استثماره بما يعزز القيم الإيجابية لديهن.
وأوضحت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرغبة ذاتها، بل في ترسيخ مفهوم التوازن بين هذه الرغبة الشخصية، وبين الالتزام بالأنظمة التي تنظم الحياة المدرسية، وتحافظ على استقرار البيئة التعليمية، بحيث تدرك الطالبة أن لكل بيئة ضوابطها الخاصة التي تضمن حقوق الجميع، وتسهم في سير العملية التعليمية بشكل منظم وفعال.
ضوابط
ومن جهتها، أكدت سماء عبد الغني أن المدارس تطبق ضوابط صارمة، تمنع إحضار أي أجهزة إلكترونية من قبل الطالبات داخل الحرم المدرسي، موضحة أن هذه الإجراءات تأتي ضمن إطار واضح، يهدف إلى الحفاظ على الانضباط العام، وحماية خصوصية الطالبات، وضمان بيئة تعليمية خالية من المشتتات.
وأوضحت أن أي جهاز يتم ضبطه بحوزة الطالبة يُصادر بشكل فوري، مع تطبيق اللائحة السلوكية المعتمدة على المخالفة، والتي تشمل اتخاذ إجراءات تربوية مناسبة، إلى جانب التواصل مع ولي الأمر، وإلزامه بالتوقيع على إقرار خطي بعدم تكرار المخالفة.
وأضافت أن المنع لا يقتصر على الأجهزة الشخصية فقط، بل يمتد إلى سحب أجهزة الحاسوب المدرسي، في حال ضبط الطالبة تستخدم الكاميرا الخاصة به في التصوير، حيث يحظر التصوير بشكل كامل داخل المدرسة، وفي حال رصد أي استخدام مخالف، يتم سحب الجهاز مباشرة من الطالبة، مع إخطار ولي الأمر بالإجراء المتخذ.
وشددت على أن الأجهزة المصادرة لا تعاد إلا في نهاية الفصل الدراسي، في خطوة تهدف إلى ترسيخ الالتزام بالقوانين، وترسيخ السلوك المسؤول لدى الطالبات، بما ينعكس إيجاباً على استقرار البيئة المدرسية.
وأضافت أن احترام القوانين داخل المدرسة يمثل قيمة تربوية أساسية، لا تقل أهمية عن التحصيل الأكاديمي، خاصة عندما يرتبط الأمر بخصوصية الآخرين، مشددة على ضرورة تعزيز وعي الطالبات بأن التصوير لا يتم إلا بإذن صريح وواضح، وأن الالتزام بهذه الضوابط يعكس مستوى النضج والوعي لديهن.
هوية وانتماء
وأوضحت وسام محمد أن انتشار الكاميرات الفورية بين الطالبات لم يعد أمراً مستغرباً، بل أصبح جزءاً من الأكسسوارات اليومية، ووسيلة سريعة لتوثيق اللحظات والاحتفاظ بها، وهو ما يعكس حباً طبيعياً للتعبير، ورغبة في صناعة ذكريات تمنحهن شعوراً بالتميز، ومواكبة كل ما هو جديد.
وأكدت أن هذه الظاهرة، رغم بساطتها الظاهرية، تفتح باباً مهماً للحديث عن القيم التي تتشكل داخل المدرسة، باعتبارها بيئة لا تقتصر على نقل المعرفة فقط، بل تبنى فيها شخصية الطالبة.
ويغرس فيها وعيها بذاتها ومجتمعها، مشيرة إلى أن القضية لا تتعلق فقط بالتشتيت أو تنظيم الوقت، بل تمتد إلى مفاهيم أعمق، ترتبط بالهوية الوطنية، والانتماء الحقيقي.
وأضافت أن الهوية الوطنية لا تظهر في الشعارات أو المناسبات فقط، بل تنعكس في السلوكيات اليومية، مثل احترام الآخرين، وصون خصوصياتهم، والحرص على عدم إزعاجهم أو إحراجهم، إلى جانب الالتزام بالقوانين التي تحمي الجميع، وتنظم حياتهم.
وأشارت إلى أن التزام الطالبة بعدم استخدام الكاميرا داخل المدرسة دون ضوابط واحترام خصوصية زميلاتها ومعلماتها، يعد ممارسة حقيقية لقيم المجتمع، ويعكس وعياً ناضجاً بمعنى الانتماء والمسؤولية، مؤكدة أن الانضباط داخل المدرسة يمثل امتداداً لصورة المجتمع الذي نسعى لبنائه، مجتمع يوازن بين الحرية والواجب، ويعلي من شأن القيم الأخلاقية في التعامل اليومي.
توجيه ذكي
وأكدت هالة أحمد - مشيرة إلى الكاميرات الفورية - أن التحدي يظهر عندما تتحول هذه الممارسة إلى مصدر تشتيت داخل الصف، أو وسيلة للمقارنات الاجتماعية، أو سبب في انتهاك خصوصية الأخريات، وهنا، يأتي الدور التربوي الحقيقي، الذي لا يقتصر على المنع، بل يركز على تعليم الطالبات متى وكيف يستخدمن هذه الأدوات بشكل مسؤول.
وأشارت إلى أن النهج التربوي المتوازن، يقوم على التوعية قبل المنع، من خلال فتح حوار صريح مع الطالبات حول الاستخدام المسؤول، وشرح مفاهيم الخصوصية واحترام الآخر، بما يعزز الرقابة الذاتية لديهن.
ولفتت إلى أهمية التنظيم بدلاً من الإقصاء، عبر وضع ضوابط واضحة، مثل منع الاستخدام داخل الحصص، والسماح به في أوقات أو أنشطة محددة، بإشراف المعلمات، بما يحقق التوازن بين الانضباط واحتواء اهتمامات الطالبات.
كما لفتت إلى إمكانية توظيف هذه الكاميرات بشكل إيجابي داخل العملية التعليمية، من خلال استخدامها في حصص الفنون أو المشاريع، أو توثيق الفعاليات، بحيث تتحول من مصدر إزعاج إلى أداة تعلم فعالة.
وشددت على ضرورة وضع ضوابط واضحة، تشمل عدم إحضار الكاميرات دون تصريح، ومنع التصوير في الأماكن الحساسة، واشتراط الحصول على موافقة مسبقة قبل تصوير أي شخص، مع تطبيق إجراءات تربوية تصحيحية، تركز على التوعية قبل العقاب.
إشراك الأسرة
وفي السياق ذاته، أوضح مصطفى عبد الشافي أبو السعود، أن دور المدرسة لم يعد يقتصر على فرض القوانين، بل أصبح يتمثل في بناء القناعات، وتحويل الطالبة إلى شريك في فهم القيم والالتزام بها، بحيث ينبع السلوك من وعي داخلي، وليس من الخوف من العقوبة.
وأكد أهمية تبنّي حلول متكاملة، تشمل وضع ميثاق واضح للتصوير المسؤول، وتعليم مهارات الوعي الرقمي، وتحديد أماكن وأوقات مناسبة للاستخدام، إلى جانب تحويل هذه الأدوات إلى مشاريع تعليمية، تعزز القيم الإيجابية.
وشدد على ضرورة إشراك الأسرة في هذه المنظومة، وتعزيز الشراكة بينها وبين المدرسة، إلى جانب متابعة تطبيق الضوابط، وتقييم أثرها بشكل مستمر، بما يضمن تحقيق التوازن بين مواكبة التطور وحماية القيم.
مقارنة غير معلنة
في المقابل، حذرت الاختصاصية النفسية فاطمة الظنحاني، من أن هذه الموضة تحمل جانباً نفسياً خفياً، موضحة أن انتشار الكاميرات الفورية لدى مجموعة من الطالبات، قد يخلق نوعاً من المقارنة غير المعلنة، حيث تشعر بعض الفتيات بضرورة امتلاكها لمواكبة صديقاتهن.
وأضافت أن هذا النوع من الضغط، قد لا يكون ظاهراً بشكل مباشر، لكنه ينعكس على شعور الطالبة بالانتماء والثقة بالنفس، خاصة إذا ارتبطت هذه الأدوات بصورة غير مباشرة بالمكانة داخل المجموعة، مؤكدة أن مثل هذه الظواهر تتطلب وعياً من الأسرة والمدرسة، لتجنب تحولها إلى مصدر ضغط نفسي.
وأوضحت الاختصاصية النفسية أميرة أحمد، أن انجذاب الطالبات لهذه الكاميرات، يرتبط بما يُعرف بالإشباع الفوري، مشيرة إلى أن الحصول على صورة مطبوعة خلال ثوانٍ، يمنح الطالبة شعوراً سريعاً بالرضا، ما يدفعها إلى تكرار التجربة بشكل متواصل.
وأضافت أن هذا النمط من السلوك، قد يعزز التعلق بالمتعة السريعة، على حساب الأنشطة التي تتطلب صبراً وتركيزاً، مثل التعلم أو القراءة، وهو ما قد يؤثر على المدى البعيد في طريقة تعامل الطالبة مع المهام الدراسية.
توصيات
-1 رفع وعي الطالبات بقيم الخصوصية
-2 تنمية أخلاقيات الاستخدام المسؤول للتقنية
-3 ترسيخ الالتزام بالأنظمة المدرسية
-4 تنظيم استخدام التصوير داخل المدرسة
-5 دعم دور الإرشاد التربوي في التوجيه
-6 إشراك الطالبات في فهم اللوائح والقوانين
-7 تعميق الشراكة بين المدرسة والأسرة
-8 توظيف التصوير في أنشطة تعليمية هادفة
-9 نشر ثقافة الاحترام والمسؤولية بين الطالبات
