ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 1 يوليو 2026 01:06 صباحاً - دبي - محمود حسن وعبادة إبراهيم
على مدار العقدين الماضيين، نجحت دولة الإمارات في تحويل مشاريع البنية التحتية الكبرى إلى محركات رئيسة للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وإذا كان إطلاق مترو دبي عام 2009 شكل نقطة تحول فارقة في المشهد الحضري والاقتصادي للإمارة، فإن «قطارالركاب» يمثل اليوم مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً، باعتباره مشروعاً وطنياً يعيد صياغة الجغرافيا الاقتصادية للدولة بأكملها.
ولا يقتصر المشروع على كونه شبكة نقل حديثة تربط إمارات الدولة، بل يشكل بنية تحتية استراتيجية قادرة على إحداث تحولات هيكلية في قطاعات اللوجستيات والعقارات وسوق العمل والسياحة والتجارة، بما يعزز مستهدفات التنويع الاقتصادي ويرسخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات.
ويتيح البرنامج الوطني للسكك الحديدية فرصاً اقتصادية تقدر بنحو 200 مليار درهم. ومن المتوقع أن تحقق خدمات قطار الركاب وحدها عوائد اقتصادية واجتماعية تصل إلى 91 مليار درهم على مدى الخمسين عاماً المقبلة.
ومع استهداف نقل 10 ملايين راكب سنوياً، ستتحول المحطات الإحدى عشرة إلى مراكز جذب استثماري وعقاري وسياحي.
وتغطي شبكة القطارات مسافة 1200 كيلومتر، وتربط بين مختلف إمارات ومناطق الدولة، بدءاً من الغويفات وصولاً إلى الفجيرة. كما يوفر المشروع أكثر من 9000 وظيفة في مجالات التشغيل والهندسة واللوجستيات والصيانة، ما يعزز من جهود الدولة في التنويع الاقتصادي وتطوير الكفاءات الوطنية.
ثورة لوجستية
يمثل قطاع الخدمات اللوجستية أحد أبرز المستفيدين من شبكة القطار، في ظل ما يوفره المشروع من حلول أكثر كفاءة واستدامة لنقل البضائع مقارنة بالنقل البري التقليدي.
ومن المتوقع أن يسهم المشروع في خفض تكاليف النقل والشحن بنسبة تصل إلى 30%، الأمر الذي يمنح الشركات والصناعات المحلية مزايا تنافسية إضافية، ويعزز كفاءة سلاسل الإمداد على مستوى الدولة.
كما أن حمولة قطار بضائع واحد تعادل نحو 300 شاحنة ثقيلة، ما يسهم في تقليص الازدحام المروري، وخفض تكاليف صيانة الطرق، وتحسين انسيابية حركة التجارة.
وتكتسب الشبكة أهمية استراتيجية إضافية من خلال ربطها أربعة موانئ رئيسة وسبعة مراكز لوجستية ومناطق صناعية، مع مستهدفات لنقل نحو 60 مليون طن من البضائع سنوياً بحلول عام 2030، بما يعزز مكانة الإمارات مركزاً لوجستياً عالمياً.
مرحلة جديدة للعقارات
تاريخياً، ارتبطت مشاريع السكك الحديدية الكبرى بارتفاع القيمة الاستثمارية للمناطق المحيطة بمحطات القطارات، ومن المرجح أن يشهد السوق العقاري الإماراتي نمطاً مشابهاً خلال السنوات المقبلة.
فمع تشغيل قطارات الركاب بسرعات تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة، ستتغير أنماط السكن والعمل بشكل جوهري، حيث سيصبح بالإمكان الإقامة في إمارات ذات كلفة سكنية أقل والعمل في المراكز الاقتصادية الرئيسة دون تحمل أعباء التنقل التقليدية.
ومن المتوقع أن يسهم هذا التحول في تعزيز الطلب على المناطق السكنية الواقعة بالقرب من محطات القطار، لا سيما في المجتمعات الجديدة والمناطق الناشئة، مع توقعات بارتفاع قيم العقارات والإيجارات في بعض المناطق المرتبطة بالشبكة بنسبة تراوح بين 20 و30 %.
كما ستسهم الشبكة في خلق ممرات تنموية جديدة خارج المراكز الحضرية التقليدية، ما يدعم التوسع العمراني المتوازن ويعزز جاذبية المناطق الناشئة للاستثمار.
دفعة للسياحة
يمثل قطار الركاب إضافة نوعية للبنية التحتية السياحية في الإمارات، إذ يتيح للزوار التنقل بسهولة بين مختلف الإمارات خلال فترات زمنية قصيرة، ما يعزز مفهوم «السياحة متعددة الوجهات».
ومن المتوقع أن ينعكس ذلك إيجاباً على معدلات الإشغال الفندقي ومتوسط إنفاق السائح، إلى جانب تنشيط السياحة الداخلية ودعم السياحة الثقافية والتراثية والبيئية.
كما ستسهم سهولة التنقل في توسيع دائرة الاستفادة الاقتصادية لتشمل وجهات سياحية جديدة خارج المدن الرئيسة، الأمر الذي يدعم التنمية السياحية المتوازنة على مستوى الدولة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الأثر الحقيقي لقطار الركاب يتجاوز مفهوم النقل التقليدي، إذ يمثل استثماراً استراتيجياً في البنية التحتية القادرة على إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي للدولة خلال العقود المقبلة.
ومع خطط الربط المستقبلي بشبكة السكك الحديدية الخليجية، تزداد أهمية المشروع باعتباره بوابة لتعزيز التجارة البينية الإقليمية وتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي الخليجي.
وفي ضوء هذه المتغيرات، يبدو أن الشركات والمستثمرين الذين يبادرون إلى قراءة الخريطة الاقتصادية الجديدة والتحرك مبكراً بالتوازي مع مسارات الشبكة، سيكونون الأكثر قدرة على الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي سيولدها هذا المشروع الاستراتيجي خلال العقد المقبل.
وقال عبدالله بن لاحج، رئيس مجلس إدارة شركة «آمال» للتطوير العقاري، يأتي مشروع قطار الاتحاد في مرحلة يشهد فيها اقتصاد دولة الإمارات زخماً متواصلاً، مع توقعات بنمو اقتصادي قوي، بما يعكس متانة الاقتصاد الوطني واستمرار الثقة في مساره التنموي طويل الأمد.
ركيزة للنمو
وأضاف، فالبنية التحتية بهذا الحجم لا تقتصر على تحسين الربط بين المدن، بل تشكل ركيزة للنمو الاقتصادي المستدام من خلال تعزيز الترابط بين الأفراد والأعمال والفرص الاقتصادية.
ومع تقليص زمن التنقل بين الإمارات وزيادة كفاءة الحركة وجعله أكثر سرعة وموثوقية، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد زخماً أكبر في الأنشطة التجارية، وارتفاعاً في حركة القوى العاملة والاستثمارات، إلى جانب خلق المزيد من فرص العمل.
كما ستتمكن الشركات من الوصول إلى قاعدة أوسع من الكفاءات، فيما سيستفيد السكان والزوار من سهولة الوصول إلى وجهات التسوق والضيافة والترفيه.
وعلى المدى الطويل، سيحفز المشروع تطوير مجتمعات سكنية وتجارية جديدة حول محطات القطار، بما يفتح آفاقاً استثمارية واعدة للمطورين والمستثمرين ورواد الأعمال.
نتائج مبكرة
وقال فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في سنشري فايننشال: تُعد شبكة القطار منظومة متكاملة للسكك الحديدية يبلغ طولها 1200 كيلومتر، وتربط بين المدن الرئيسة في دولة الإمارات؛ حيث صُممت لتصل بين 11 مدينة من منطقة السلع في الغرب إلى الفجيرة في الشرق.
وتقدم الشبكة خدماتها لنقل الركاب والبضائع على حد سواء، ما يسهم في تخفيف حركة الشاحنات الثقيلة على الطرقات وخفض الانبعاثات الكربونية الضارة.
وأضاف، وبعيداً عن دورها المحوري في قطاع النقل وتحقيق الاستدامة، تمثل الشبكة محركاً اقتصادياً بارزاً، إذ يُتوقع أن تسهم بحلول عام 2030 في توفير أكثر من 9000 وظيفة تخصصية في مجالات اللوجستيات والهندسة وصيانة الشبكات.
وعلاوة على ذلك، يشكل قطار الركب ركيزة أساسية ضمن استراتيجية دولة الإمارات لتنويع الاقتصاد. وأكد أن التطلعات المستقبلية لا تقتصر على الوعود النظرية فحسب، بل إن المؤشرات الأولية باتت ملموسة على أرض الواقع.
فقد قامت شركة «بروج»، الرائدة في صناعة البلاستيك ومقرها أبوظبي، بنقل أكثر من 700,000 طن من البضائع عبر السكك الحديدية خلال عام واحد، مختصرةً زمن الرحلة الذي كان يستغرق 12 ساعة برّاً إلى 4 ساعات فقط.
التأشيرة الموحدة
وأوضح فيجاي فاليشا أنه، في سياق متصل، تبرز التأشيرة السياحية الخليجية الموحدة؛ وهي تصريح دخول موحد على غرار تأشيرة «شينغن» الأوروبية تتيح للسياح زيارة دول الخليج الست بطلب واحد، حيث من المقرر إطلاق مرحلتها التجريبية في أواخر عام 2026.
بدءاً بممر جوي بين دولة الإمارات ومملكة البحرين. وفي حال نجاح هذه الخطوة، ستسهم في تمكين المنطقة من استقطاب نحو 129 مليون زائر بحلول عام 2030، ما يعزز بدوره الآفاق السياحية الواعدة لشبكة قطار الركاب.
ويمضي مشروع القطار بخطى ثابتة ليعيد صياغة آليات حركة البضائع، ومناطق التوسع السكاني، ويدفع بمسيرة دولة الإمارات للأمام كمركز إقليمي رائد للتجارة والخدمات اللوجستية لعقود قادمة.
من جانبه، قال إسلام عبدالكريم، الرئيس الإقليمي - مجموعة يانغو الشرق الأوسط: يشكل قطار الركاب أكثر من مجرد مشروع للنقل؛ فهو ركيزة استراتيجية لإعادة رسم خريطة التنقل والنشاط الاقتصادي في دولة الإمارات.
فإلى جانب تقليص زمن الرحلات بين إمارات الدولة، يسهم المشروع في تعزيز الترابط بين المراكز الاقتصادية، ودعم حركة الأفراد والأعمال.
ومع توقعات بوصول عدد مستخدمي القطار إلى 36.5 مليون راكب سنوياً بحلول عام 2030، واستثمارات تتجاوز 50 مليار درهم ضمن برنامج السكك الحديدية الوطني، وأثر اقتصادي وتنموي متوقع يبلغ 200 مليار درهم، يرسخ المشروع مكانته كأحد أبرز محركات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الإمارات خلال السنوات المقبلة.
الصناعات المحلية
وقال بهارات باتيا، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «كوناريس» للصلب، يمثل إطلاق مشروع «قطار الركاب» محطة بارزة في مسيرة التنويع الاقتصادي لدولة الإمارات.
فالمشروعات الكبرى للبنية التحتية من هذا النوع تعزز الصناعات المحلية، بدءاً من قطاع الخدمات اللوجستية ووصولاً إلى قطاع التصنيع، من خلال تحسين الربط بين إمارات الدولة وخفض كلفة نقل البضائع والمواد على مستوى الدولة.
وبالنسبة لقطاعات مثل صناعة الحديد والصلب، فإن توفير خدمات نقل بري أسرع وأكثر كفاءة من حيث الكلفة يترجم إلى رفع الكفاءة التشغيلية، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، وزيادة القدرة التنافسية، سواء في السوق المحلية أو في أسواق التصدير.
وأضاف، يعكس هذا النوع من الاستثمارات الرؤية بعيدة المدى لقيادة دولة الإمارات في بناء بنية تحتية تدعم النمو المستدام لسنوات طويلة مقبلة، مع ترسيخ مكانة الدولة كمركز إقليمي للتجارة والصناعة والتصنيع المتقدم.
ومن المتوقع أن يستفيد المصنعون في مختلف أنحاء الدولة من الآثار الإيجابية التي سيحققها اقتصاد وطني أكثر ترابطاً. ومع استمرار تطور شبكة السكك الحديدية، نتطلع أيضاً إلى زيادة الطاقة الاستيعابية وتوفير حلول مخصصة لنقل البضائع السائبة.
وأكد يوسف علي، رئيس مجلس إدارة مجموعة لولو، إحدى أكبر المجموعات التجارية وتجارة التجزئة في دولة الإمارات والمنطقة، أن مشروع الاتحاد للقطارات يتجاوز كونه مجرد مبادرة نقل تقليدية، ليُمثل محركاً تنموياً واقتصادياً شاملاً سيعيد تشكيل طريقة تنقل الأفراد والشركات والفرص عبر ربوع الدولة.
وقال يوسف علي: «إن مشروع الاتحاد للقطارات ليس مجرد مشروع نقل فحسب، بل هو محرك تنموي واقتصادي سيعيد تعريف كيفية تنقل الأفراد والشركات والفرص في جميع أنحاء دولة الإمارات».
وأوضح أن الربط المعزز بين مدن الدولة سيُحدث أثراً اقتصادياً متعدد الأبعاد، يمتد من تنشيط الحركة السياحية إلى تحفيز النشاط الاستهلاكي، مروراً برفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وصولاً إلى فتح آفاق نمو جديدة كلياً أمام قطاعَي التجزئة والتجارة، وهما القطاعان اللذان تُعد فيهما مجموعة لولو من أبرز اللاعبين الإقليميين.
تكامل سوق العمل وتقليص الفجوة الجغرافية
يتمثل أحد أبرز الآثار الاقتصادية طويلة الأجل لمشروع القطار في تعزيز تكامل سوق العمل على مستوى الدولة، عبر تقليص الفجوة الجغرافية بين إمارات الدولة. فمع اختصار أزمنة التنقل بين المدن، لن يشكل مكان السكن عائقاً أمام الانتقال الوظيفي، الأمر الذي يوفر مرونة كبرى للموظفين والشركات على حد سواء.
ومن شأن هذا التطور أن يسهم في خفض تكاليف المعيشة للموظفين، وتوسيع قاعدة استقطاب الكفاءات للشركات، فضلاً عن رفع كفاءة توزيع الموارد البشرية بين مختلف القطاعات الاقتصادية. وتستهدف الشبكة نقل نحو 36.5 مليون راكب سنوياً بحلول عام 2030، ما يعزز مستويات التنقل الاقتصادي والاجتماعي بين إمارات الدولة.
