ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 10 سبتمبر 2026 02:21 مساءً - تنطلق العلاقات الاقتصادية بين دولة الإمارات وألمانيا نحو مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي إلى بناء شراكة استراتيجية طويلة الأجل في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والأمن الاقتصادي.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة هاندلسبلات الألمانية، أكد معالي الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والمبعوث الخاص لدولة الإمارات إلى ألمانيا، أن الإمارات تراهن على ألمانيا بوصفها مركزاً رئيسياً للصناعة والتكنولوجيا.
وجاء المقال بالتزامن مع زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، "حفظه الله"، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، وهي أول زيارة لرئيس إماراتي إلى البلاد. ويرى الجابر أن الزيارة تمثل لحظة تاريخية في مسيرة شراكة تأسست عبر عقود وتكتسب أهمية أكبر في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة.
نمو متسارع
بلغ حجم التجارة الثنائية بين الإمارات وألمانيا نحو 13.6 مليار يورو خلال عام 2025، مسجلاً نمواً بنسبة 15 في المئة مقارنة بالعام السابق. وارتفعت الصادرات الإماراتية إلى السوق الألمانية بنسبة 58 في المئة، وفقاً لما أورده الجابر في مقاله.
وتشير هذه الأرقام إلى تسارع واضح في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. كما تكشف عن فرص واسعة لتحويل النمو التجاري إلى مشروعات واستثمارات مشتركة ذات أثر طويل الأجل.
وتقوم هذه الشراكة على تكامل نقاط القوة بين الجانبين. تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية متطورة وخبرات هندسية راسخة وقدرات متقدمة في البحث والتكنولوجيا. وتوفر الإمارات رأس المال والطاقة والبنية التحتية وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية الدولية.
كما تستطيع الإمارات فتح أبواب أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا أمام الشركات الألمانية الراغبة في التوسع خارج أوروبا.
استثمارات طويلة الأجل
تجاوزت قيمة الاستثمارات الإماراتية القائمة في ألمانيا 34 مليار يورو، ويعمل في الإمارات أكثر من ألفي شركة ألمانية، ما يوفر قاعدة قوية للانتقال إلى مستوى أوسع من التعاون الاستثماري.
وتشمل الأمثلة على الحضور الإماراتي طويل الأجل في الاقتصاد الألماني الاستثمار في شركة كوفيسترو المتخصصة في صناعة المواد، إلى جانب مشاركة شركة مصدر في مشروع بالتيك إيغل لطاقة الرياح البحرية.
وتعكس هذه المشروعات توجهاً إماراتياً لدعم القاعدة الصناعية الألمانية والمساهمة في تعزيز أمن الطاقة وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
مجلس مشترك
واقترح الجابر تأسيس مجلس استثماري إماراتي ألماني يتولى حشد رؤوس الأموال طويلة الأجل وتحديد الفرص الواعدة ومعالجة العقبات التي تواجه الشركات والمستثمرين.
ومن المنتظر أن يؤدي المجلس دوراً عملياً في تحويل التفاهم السياسي إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، مع توفير قناة مباشرة للحوار بين الحكومات والشركات والمؤسسات الاستثمارية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه ألمانيا ضغوطاً مرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة العالمية والحاجة إلى تحديث بنيتها الصناعية. ويمكن لرؤوس الأموال الإماراتية أن تساعد في تمويل التحول الصناعي والتكنولوجي مع منح المستثمرين الإماراتيين فرصة للدخول إلى واحدة من أهم القواعد الإنتاجية في أوروبا.
قطاعات واعدة
وتركز المرحلة المقبلة على الصناعات المتقدمة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية وعلوم الحياة والتكنولوجيا الزراعية، إضافة إلى مشروعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية.
وتتوافق هذه المجالات مع استراتيجية الإمارات لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. كما تنسجم مع حاجة ألمانيا إلى تسريع التحول الرقمي وتطوير صناعات المستقبل والمحافظة على قدرتها التنافسية.
ودعا الجابر الشركات الألمانية إلى زيادة استثماراتها وأنشطتها الصناعية في الإمارات والاستفادة من موقع الدولة منصة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وبحسب وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، ارتفع عدد الشركات الألمانية المسجلة في الإمارات بنسبة 35 في المئة خلال عام 2025 ليصل إلى 7685 شركة بحلول نهاية مايو 2026، فيما تجاوز عدد العلامات التجارية الألمانية المسجلة في الدولة 20 ألف علامة.
شراكة مستقبلية
ولا تستهدف الشراكة المقترحة زيادة حجم التجارة وحده، فتسعى الإمارات وألمانيا إلى بناء صناعات أكثر قوة واقتصادات وسلاسل إمداد أكثر مرونة، مع تسريع الابتكار وتعزيز أمن الطاقة وخلق فرص جديدة للشركات والعمال في البلدين.
وتقدم الإمارات نفسها في هذا الإطار شريكاً استثمارياً طويل الأجل يملك القدرة على توفير رأس المال والوصول إلى الأسواق والطاقة والبنية التحتية. وتقدم ألمانيا قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى منتجات وتقنيات ومشروعات ذات قيمة عالمية.
وهكذا يمكن للزيارة التاريخية أن تشكل بداية مرحلة اقتصادية جديدة تتقدم فيها الاستثمارات النوعية على الصفقات المؤقتة، وتصبح فيها الصناعة والتكنولوجيا محوراً لشراكة إماراتية ألمانية أكثر عمقاً وتأثيراً.
