حال المال والاقتصاد

مجلس الاستثمار.. منصة الشراكة بين الإمارات وألمانيا

مجلس الاستثمار.. منصة الشراكة بين الإمارات وألمانيا

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 10 سبتمبر 2026 05:06 مساءً - تتجه وألمانيا إلى إنشاء «مجلس الاستثمار الألماني–الإماراتي»، في خطوة تضيف إلى العلاقات الاقتصادية بين البلدين إطاراً مؤسسياً جديداً، يمكن أن ينقل التعاون من الصفقات والاستثمارات المنفردة إلى مسار أكثر تنظيماً لاستقطاب رؤوس الأموال وتحديد المشروعات ذات الأولوية ومعالجة العقبات التي تواجه الشركات.

وكشف الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، عن مقترح المجلس في مقال نشرته صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية بالتزامن مع زيارة الدولة التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا.

وحدد الجابر 3 وظائف رئيسية للمجلس: حشد رؤوس الأموال للاستثمارات طويلة الأجل، وتحديد الفرص الاستثمارية، وإزالة العقبات أمام الشركات في البلدين، مع توجيه جزء أساسي من الاستثمارات نحو القطاعات التي ستحدد القدرة التنافسية للاقتصادات في المستقبل.

من التجارة إلى الاستثمار

يأتي السعي إلى تأسيس المجلس في وقت تجاوزت فيه العلاقة الاقتصادية بين الإمارات وألمانيا مرحلة الاعتماد على التجارة التقليدية. وبحسب الأرقام التي أوردها الجابر، بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 13.6 مليار يورو في 2025، بنمو قدره 15% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفعت الصادرات الإماراتية إلى ألمانيا بنسبة 58%. وفي الوقت نفسه، تعمل أكثر من 2,000 شركة ألمانية في الإمارات، في قطاعات تمتد من الهندسة والصناعة إلى الخدمات.

إلا أن التحول الأبرز حدث في الاستثمارات. فبحسب الجابر، تجاوزت الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا 34 مليار يورو، تتركز بصورة رئيسية في قطاعي الصناعة والطاقة، في مؤشر على انتقال العلاقة من بيع السلع والخدمات إلى امتلاك حصص وأصول صناعية وتنفيذ مشروعات طويلة الأجل داخل الاقتصاد الألماني.

ومن أبرز الأمثلة استحواذ شركة «XRG»، ذراع الاستثمار الدولي التابعة لـ«أدنوك»، على شركة «كوفيسترو» الألمانية في صفقة بلغت قيمتها 14.7 مليار يورو. وتوظف «كوفيسترو» أكثر من 7,000 شخص في 6 مواقع داخل ألمانيا، ما يجعل الاستثمار الإماراتي مرتبطاً بصورة مباشرة بقاعدة الإنتاج والوظائف الصناعية الألمانية.

كما أعلنت «الإمارات العالمية للألمنيوم» استثمار نحو 170 مليون دولار لتوسعة منشأة «ليشتميتال» التابعة لها في ألمانيا وزيادة قدراتها في إعادة تدوير الألمنيوم، بينما وقعت مجموعة موانئ أبوظبي في أيار 2026 اتفاقاً للاستحواذ على شركة «MBS Logistics» الألمانية بقيمة مؤسسية تبلغ نحو 300 مليون درهم، بما يمنحها وصولاً إلى ممرات لوجستية مهمة في وسط أوروبا.

ما الذي سيضيفه المجلس؟

وجود هذه الاستثمارات لا يلغي الحاجة إلى آلية جديدة؛ بل هو أحد أسبابها. فالفكرة المطروحة للمجلس تقوم على الانتقال من انتظار ظهور الفرصة الاستثمارية إلى البحث المنظم عن الفرص وصناعتها.

والمهمة الأولى ستكون حشد رؤوس الأموال طويلة الأجل. وهذا يعني عملياً توفير قناة تجمع الجهات الحكومية والمستثمرين والصناديق والشركات الكبرى في البلدين حول قائمة من المشروعات القابلة للتنفيذ، خصوصاً في المجالات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتستغرق سنوات للوصول إلى مرحلة الإنتاج.

أما المهمة الثانية فهي تحديد الفرص. وقد حدد الجابر القطاعات التي يتوقع أن تحظى بالأولوية: التصنيع المتقدم، والتقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية، وعلوم الحياة، والتكنولوجيا الزراعية.

وهذا الاختيار يعكس تغيراً مهماً في طبيعة العلاقة. فالاستثمارات الإماراتية التي تركزت سابقاً بصورة أكبر في الطاقة والعقارات والأصول المالية تتجه اليوم إلى قطاعات مرتبطة مباشرة بالصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

إزالة العقبات

الوظيفة الثالثة للمجلس قد تكون الأكثر تأثيراً على الشركات: إزالة العقبات أمام الاستثمار. فالمشروعات الكبرى العابرة للحدود تواجه عادة مشكلات تتعلق بالتراخيص والتنظيم والتمويل والموافقات وتحديد الشركاء والدخول إلى الأسواق. وجود مجلس ثنائي على مستوى مرتفع يمنح الشركات قناة لمعالجة هذه العقبات بصورة أسرع، بدلاً من التعامل معها بصورة منفردة مع عدد كبير من المؤسسات.

ولا تعني هذه الوظيفة أن المجلس المقترح سيحل محل القوانين والمؤسسات التنظيمية، إذ لم يعلن حتى الآن عن صلاحياته التنفيذية أو هيكله وأعضائه وآلية اجتماعاته. لكن القيمة المتوقعة منه تكمن في قدرته على تحديد المشكلات التي تؤخر الاستثمارات ورفعها مباشرة إلى الجهات المعنية في البلدين.

الإمارات منصة للشركات الألمانية

المجلس المقترح لا يستهدف زيادة الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا وحدها. فالجابر دعا الشركات الألمانية إلى النظر إلى الإمارات باعتبارها موقعاً للاستثمار والتطوير والتصنيع، إلى جانب كونها سوقاً للمنتجات الألمانية، والاستفادة منها منصة للوصول إلى أسواق النمو في الخليج العربي وآسيا وأفريقيا. وهذا الطرح يعيد صياغة العلاقة الاقتصادية في اتجاه أكثر توازناً، فرأس المال الإماراتي يدخل إلى القاعدة الصناعية والتكنولوجية الألمانية، فيما تستخدم الشركات الألمانية الإمارات قاعدة للإنتاج والتوسع إلى أسواق خارجية أكبر.

توجد هياكل للتعاون الاقتصادي بين البلدين. ففي تموز 2025 أُطلق في برلين «مجلس الأعمال الإماراتي–الألماني» بحضور أكثر من 150 من قادة الأعمال والشركات، كما يعمل المجلس الألماني الإماراتي المشترك للصناعة والتجارة منذ 2009 ويضم أكثر من 500 شركة.

إلا أن مجلس الاستثمار المقترح يختلف في وظيفته. فمجالس الأعمال توفر منصة للتواصل بين الشركات، بينما يستهدف المجلس الجديد بصورة مباشرة تحريك رأس المال وتحديد المشروعات الاستثمارية ومعالجة العقبات أمام تنفيذها. وهذا يجعله، إذا اكتسب آلية عمل منتظمة وصلاحيات واضحة، أقرب إلى «غرفة عمليات استثمارية» للعلاقة الاقتصادية بين البلدين.

Advertisements

قد تقرأ أيضا