الدوحة - سيف الحموري - شهدت مبادرة الأعوام الثقافية، مبادرة التبادل الثقافي طويل الأمد في دولة قطر، صيفا حافلا بالبرامج الدولية، مع تنظيم معارض كبرى في المكسيك وتشيلي والصين، نقلت الشراكات الإبداعية التي تقيمها قطر إلى الجماهير حول العالم.
وعلى امتداد ثلاث قارات، يعكس البرنامج اتساع الحضور الدولي لمبادرة الأعوام الثقافية والتزامها ببناء علاقات طويلة الأمد، فمن كرة القدم والذاكرة المشتركة لبطولة كأس العالم FIFA في مكسيكو سيتي، مرورا بالسينما المعاصرة وفن الفيديو في سانتياغو، وصولا إلى تراث الحياة البدوية لقطر في بكين، يقدم كل مشروع مدخلا مختلفا لاستكشاف دولة قطر، ويفتح في الوقت ذاته آفاقا جديدة للحوار بين الثقافات.
وقال محمد جاسم الكواري، مستشار مبادرة الأعوام الثقافية لمنطقة أمريكا اللاتينية، إن مبادرة الأعوام الثقافية انطلقت من حقيقة بسيطة، مفادها أن العلاقات الراسخة تبنى مع مرور الوقت من خلال التفاهم المشترك.
وأضاف: "ويجسد هذا الصيف تلك الفكرة على أرض الواقع. ففي المكسيك، نعمل على بناء روابط جديدة من خلال العام الثقافي الحالي، وفي تشيلي، نواصل تنمية العلاقات التي أنشئت العام الماضي؛ وفي الصين، يحظى مشروع أطلق للمرة الأولى ضمن أحد الأعوام الثقافية السابقة بجمهور جديد. وتتيح هذه البرامج فرصا للتقارب والتفاهم بين الناس من خلال الثقافة".
وأشار إلى أنه بعد أربع سنوات على استضافة قطر لبطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، كأول دولة عربية تستضيف المونديال، كانت المكسيك تستعد بدورها لاستضافة البطولة من جديد بصفتها إحدى الدول المضيفة. وفي ظل هذه المناسبة، وظف معرضان في مكسيكو سيتي كرة القدم لاستكشاف الطرق التي يمكن من خلالها للحظات الرياضية أن تروي قصصا أعمق عن الثقافة والهوية والروابط بين الناس.
ونظم "3-2-1 متحف قطر الأولمبي والرياضي" ومتحف جومكس معرض "قطع عنوان مجد: محطات خالدة في تاريخ كرة القدم"، الذي استعرض أكثر من قرن من تاريخ هذه الرياضة من خلال مقتنيات ارتبطت ببعض أكثر لحظاتها رسوخا في الذاكرة، من بينها قطع مرتبطة بأساطير اللعبة مثل بيليه ودييغو مارادونا.
وفي موقع آخر من المدينة، وتحديدا في مركز الثقافة الرقمية، سلط معرض "نحو المجد: إرث قطر 2022" الضوء على كأس العالم FIFA قطر 2022. واستعاد المعرض، من خلال مواد أرشيفية وصور فوتوغرافية وأعمال تركيبية باستخدام الوسائط المتعددة وشهادات شخصية ومقتنيات من البطولة، تفاصيل نسخة عام 2022 من كأس العالم، باعتبارها لحظة التقى فيها ملايين الأشخاص بقطر والعالم العربي الأوسع.
أما في تشيلي، فقدم هذا الصيف مقياسا مختلفا للتبادل الثقافي بعنوان: "ما الذي يبقى بعد انتهاء عام الشراكة الرسمي؟" حيث واصلت العلاقات التي تأسست خلال العام الثقافي قطر الأرجنتين وتشيلي 2025 تطورها، مستندة إلى الروابط التي صاغتها تجارب مشتركة في الهجرة والسرد القصصي والسينما.
وفي مركز لا مونيدا الثقافي في سانتياغو، افتتح في أغسطس الجاري معرض "أطيافنا، أطيافكم: رؤى واعدة لسينما رائدة"، في أول عرض له في أمريكا اللاتينية. ويجمع المعرض أفلاما سينمائية وأعمال فيديو لفنانين وصناع أفلام من العالم العربي وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، مستكشفا قضايا الذاكرة والنزوح والهوية والانتماء عبر مختلف الثقافات والجغرافيات.
ويضم المعرض أعمالا من مقتنيات متحف: المتحف العربي للفن الحديث ومتحف مطاحن الفن المستقبلي، إلى جانب إسهامات من مؤسسة الدوحة للأفلام. كما يطرح رؤية أوسع، وهي أن السينما والفيديو جزء لا يتجزأ من تاريخ الفن المعاصر، وأن فهمنا لهذا التاريخ يصبح أكثر ثراء عندما يشمل أصواتا ووجهات نظر كثيرا ما همشتها السرديات السائدة.
غير أن أهمية سانتياغو بالنسبة إلى مبادرة الأعوام الثقافية تتجاوز المعرض نفسه؛ حيث صرح الكواري، قائلا: "إن وصول المعرض إلى سانتياغو يجسد مبدأ مهما تقوم عليه مبادرة الأعوام الثقافية، وهو أن انتهاء عام الشراكة لا يعني نهاية العلاقات".
وقد أصبح هذا المبدأ محورا متزايد الأهمية في المبادرة. فالتبادل الثقافي لا يقاس فقط بما يحدث خلال عام محدد، وإنما أيضا بما تقدمه تلك المبادرات من فرص وإمكانات بعد انتهائه.
وفي الصين، وتحديدا في المتحف الوطني في بكين، يقام معرض "حياة الترحال من منظور جديد" الذي ينظمه متحف قطر الوطني، ويقدم للزوار المعارف والتقاليد وأنماط الحياة التي ميزت الماضي البدوي وشبه البدوي في قطر.
ويتناول المعرض الحياة في قطر منذ القرن الثامن عشر وحتى اكتشاف النفط، وهي فترة كان فيها الترحال وسيلة لفهم طبيعة الأرض وسبل البقاء فيها. وتسلط المقتنيات والصور الفوتوغرافية والأفلام والروايات الشفوية الضوء على المهارات والتقاليد التي نشأت في ظل تلك البيئة، ومنها صناعة الخيام، وحياكة السدو، والعلاقة بالحيوانات، والمعارف اللازمة للتنقل في الصحراء والعيش فيها.
وأصبح معرض "حياة الترحال من منظور جديد" نفسه معرضا متجذرا في مفهوم الحركة والتنقل. فقد طور للمرة الأولى ضمن فعاليات العام الثقافي قطر – الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا 2022، وقدم في متحف قطر الوطني بالتزامن مع بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022. وبعد عامين، انتقل إلى المتحف الوطني المنغولي. وهذا الصيف، حط المعرض رحاله في بكين من خلال تعاون بين متحف قطر الوطني والمتحف الوطني الصيني.
الجدير بالذكر أنه منذ انطلاقها عام 2012، امتدت مبادرة الأعوام الثقافية إلى مجالات متنوعة، من المعارض والتراث والتصميم والتصوير الفوتوغرافي والسينما، إلى الرياضة والتعليم والبرامج المجتمعية. وتشكّل شراكاتها السنوية نقطة انطلاق لهذا التبادل، فيما يمتد أثر المبادرة إلى ما بعد انتهاء كل عام، من خلال ما تثمره من علاقات ومشاريع وفرص جديدة.
